قوات مصرية في إريتريا… حركة واحدة وأهداف متعددة

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

على الرغم من أن الجزائر أجرت اتصالات للمطالبة بتحكيم العقل والحفاظ على المصالح العليا والأمن القومي العربي، الذي يتهدده الخلاف الحادّ الذي نشب بين النظام المصري والسودان، وهو ما وجد صدى لدى النظام المصري بوقف تعرض الآلة الإعلامية للقيادة السودانية، إلا أنه فيما يبدو أن وتيرة الخلاف لن تخمد مع استمرار تحركات على حدود السودان الشرقية والتي تزرع الريبة في قلب حكومتها.

 القرار الذي اتخذته الحكومة السودانية بإغلاق الحدود الشرقية للبلاد مع إريتريا مع حديث عن نشر عشرات الآلاف من عناصر قوات الدعم السريع مسلحين بأحدث أنواع الأسلحة ومضادات الطيران إلي تلك الحدود مع فرض حظر التجوال والتفتيش الدقيق، بررتها السودان على أنها محاولة لتنظيف المنطقة من الأسلحة المهربة عبر الحدود الإريترية، وقد يكون التبرير مقبول في ظل تاريخ طويل من التوتر بين السودان وجارتها، بدأ منذ اتهام السودان لإريتريا بمدّ عناصر حركتي تحرير السودان، والعدل والمساواة الدارفورية بالسلاح والتسهيلات اللوجستية والتدريب العسكري، والتي لا تزال متواجدة إلى اليوم داخل إريتريا، هذه الحالة من العلاقات رشحت إريتريا للعب دور في الأزمة الأخيرة بين السودان والنظام المصري .

 تلك الأزمة التي استدعي التاريخ فيها، بعد حديث الإعلام المصري عن محاولة اغتيال الرئيس السابق حسني مبارك، والذي اتهم السودان بتدبير وإيواء العناصر التي قامت بالمحاولة في أديس أبابا في يونيو عام 1995 أثناء استعداده للمشاركة في القمة الأفريقية.

 إلا أن المبرر لفتح نيران الإعلام المصري والذي آثار حفيظة نظامه هي تلك الزيارة التي قام بها الرئيس التركي ( رجب طيب أردوغان) إلى السودان والتي عقد خلالها اتفاقيات تجارية وصحية وعسكرية قلبت مزاج النظام في مصر وحليفه الإماراتي، لاسيما بعد ذلك الاتفاق المتعلق بجزيرة سواكن على البحر الأحمر، والذي يعطي الأتراك مساحة تواجد في بقعة استراتيجية على الحدود المصرية، ويقطع الطريق المفتوح أمام الموانئ الإماراتية.

 تلك الزيارة وما نتج عنها كانت بمثابة رد تركي على زيارة رئيس النظام في مصر لقبرص التي تشهد علاقاتها مع تركيا حالة من التوتر الكبير منذ عقود.

 فالحالة هنا، وكأنها تحركات على رقعة شطرنج يأخذ فيها كل طرف موقعاً متقدماً على خصمه، وهو ما جعل النظام في مصر يرى أن التحرك التركي لم يكن ليستفيد من هذه الخطوة إلا بقبول سوداني أراد هو الأخر توجيه رسالة للنظام في مصر .

 لكن الناظر في العلاقات المصرية – السودانية في فترة ما بعد انقلاب الثالث من يوليو يجد أنها لم تكن في كثير من الأحيان على ما يرام، فالحكومة السودانية التي يعدها النظام في مصر حكومة إسلامية، لم تقبل الانقلاب على الرئيس الإسلامي المنتخب، لكنها مع ذلك، وتحت الضغط الإقليمي والدولي، تعاملت مع النظام في مصر على أنه سلطة أمر واقع، فحضر نائب الرئيس السوداني الفريق أول (بكري حسن صالح) ممثلاً عن الرئيس عمر البشير، حفل تنصيب رئيس النظام المصري، كرسالة لفتح صفحة جديدة من العلاقات بين السودان والنظام الجديد، وهو ما قابله زيارة للسيسي في يونيو 2014 في إطار رؤية لملك السعودية الراحل (عبد الله بن عبد العزيز) لتأمين الأمن الغذائي العربي، من خلال الخبرة والعمالة المصرية والأراضي والمياه السودانية، ورأس المال السعودي، وهو ما تقوم به تركيا برأس مال قطر الآن في السودان بعد الزيارة الأخيرة للرئيس أردوغان.

 وقد شهدت العلاقات تقارب كبير خلال فترة – لم تدم طويلاً – مفاوضات سد النهضة الأثيوبي، والذي تطابقت فيه الرؤية المصرية والسودانية إبان حكم الرئيس محمد مرسي، والتي تمثلت في رفض كامل للمشروع الإثيوبي، وما تبعه من حراك دبلوماسي لإعادة توزيع حصص النيل تمثل في اتفاق عنتيبي، والذي وقعت عليه دول حوض النيل باستثناء مصر والسودان، إلا أن الموقف السوداني تغير نوعاً ما بعد إقناع إثيوبيا للسودان بأن السدّ سيصب في مصلحتها سواء من حيث حصتها من المياه أو ما ستتحصل عليه من كهرباء مدعمة نتاج السد. وهو ما حاولت الخرطوم إقناع النظام المصري به، وجره لتوقيع إعلان مبادئ في مارس 2015 يتم بموجبه توزيع حصص مياه النيل بين مصر والسودان وإثيوبيا.

 وهو ما فهمه النظام المصري لاحقاً على أنه فخ وقع فيه، والذي كان الرد عليه محاولات النظام المصري سحب إثيوبيا بعيداً عن السودان في مفاوضات السد للوصول لشروط تفضيلية، لكن أزمة السد واتفاقاته ليست الوحيدة في سجل توتر العلاقات بين السودان والنظام المصري، فلقد بقيت أزمة حلايب وشلاتين حاضرة، لاسيما في الأشهر الأخيرة بعد إعادة النظام المصري ترسيم الحدود مع السعودية، وهو ما جعل السودان يعيد فتح ملف حلايب وشلاتين والمطالبة بإعادة المثلث المتنازع عليه، بل ووصفت القوات المصرية المتواجدة على أرض حلايب وشلاتين بقوات احتلال، الأمر الذي دفع النظام المصري إلى الرد عليه الأسبوع الماضي بزيارة عدد من المسؤولين الحكوميين للمنطقة، وبثّ صلاة الجمعة في التليفزيون الرسمي من هناك.

 بل وفي خطوة تصعيدية يدفع النظام المصري بقوات متسلحة بأحدث الأسلحة والعتاد والعربات المصفحة بتمويل إماراتي، إلى الحدود السودانية الإريترية من الجهة الإرترية، وهو ما فسر على وجهين:

–الأول : خص إثيوبيا التي على خلاف كبير مع النظام المصري بعد الخطوات الواسعة التي اتخذتها في إتمام سد النهضة، الذي سيحرم مصر من شربة ماء تروي عطشها، وتنبت زرعها، وهو ما دفع النظام في مصر لتدشين أكبر محطة تحليه لمياه الصرف في المنطقة بحسب ما أعلن عنه رئيس النظام في مصر بنفسه منذ أيام مؤكدا على أن الأزمة قادمة لا محالة.

 وهو ما يرشح استنتاج التحرك المصري في القرن الإفريقي على أنه بهدف معاقبة إثيوبيا على الخطوات الواسعة التي خطتها في طريقها لإنهاء سد النهضة الذي سيحرم مصر من أسباب وجودها (النيل)

 أما التفسير الثاني للتحرك المصري : فقد يكون من نصيب السودان بعد الخلافات التي طفت على السطح مع النظام في مصر، سواء بسبب مثلث حلايب وشلاتين أو لزيارة الرئيس التركي للخرطوم وما نتج عنه من اتفاقيات تراها مصر وحليفتها الإمارات بأنها تضر بمصالحهما، وهو ما دفع الحكومة السودانية باستدعاء سفيرها بالقاهرة.

 أما عن التفسير الأول والذي يخص إثيوبيا هو تفسير أبعد عن واقع الحال المصري الذي لن يغامر بعملية عسكرية بعيداً عن حدوده وفي ظل خط إمداد مقطوع مسبقاً بحالة من التوتر القائم مع الخرطوم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى سيقابل أي تحرك مصري تجاه إثيوبيا برفض غربي كبير سواء من الولايات المتحدة أو فرنسا أصحاب المصالح في البلد المهدد، لذا فقد يستفيد النظام المصري من هذا التحرك على المستوى الإثيوبي من خلال عملية استعراضية يتبعها زخم إعلامي الغرض منه تهدئة الرأي العام المصري الذي بات متململاً من سياسة نظامه الحاكم والذي أحرز فشلا في كثير من الملفات التي تعامل معها منذ توليه زمام الأمور، لاسيما وأنها تريد إلهاء الداخل المصري لتمرير الانتخابات الرئاسية التي حدد لها مارس القادم بدون منافس حقيقي بعد انسحاب المرشح القوي ذي الخلفية العسكرية – أحمد شفيق، وهو ما يعني أن التحرك المصري في إريتريا يستبعد أن يكون موجه ضد إثيوبيا.

 ويبقى الاحتمال الثاني : وهو أن الحراك يستهدف السودان لاسيما بعد الخطوات التي اتخذتها بشكل منفرد بانسحابها من الحلف الإماراتي المصري الذي دُعيت إليه، بل واتخاذها موقف مغاير تماماً لما كان يرنو إليه الحلف في تأمين حليف على البحر الأحمر يضمن ريادة دائمة للموانئ الإماراتية، والذي قوبل بعكس المرجو بإحضار خصم عنيد إلى البحر الأحمر – تركيا – في جزيرة إستراتيجية (سواكن)، وهو ما سبب صداعاً مستداماً لكل من أبوظبي، والقاهرة .

 لذا فإن التحركات العسكرية المصرية على الحدود السودانية الأوقع فيها أنها موجهة ضد السودان، والذي خطط أن يستخدم فيه النظام المصري الجيش الإرتري لتهديد السودان، وإن كان هذا الخيار أيضاً صعب جداً عملياً، إلا أن مواجهة غير مباشرة ممكنة من خلال إيقاع السودان في فخ إريتريا، المنهكة على مستوى الأفراد والعتاد، وهو ما يحرك شهية الخرطوم في تحقيق نصر وضرب المعارضة المسلحة الدارفورية المتمركزة داخل إريتريا، وهو ما يسمح من جهة أخرى لتطويقها من الشمال بتحرك لقوات النظام المصري مباشرة عبر الحدود، وإن كانت الشواهد لم تظهر أية تحركات مصرية في الجنوب حتى الآن إلا أن الفكرة مطروحة وبقوة، لاسيما وأن حراكاً مخابراتياً استطاع أن يلهب الشارع السوداني على زيادة بسيطة في الأسعار، وهو ما قد يعني أن هناك نية للنظام المصري بالتعاون مع الإمارات لاستهدف استقرار السودان قبل الانقضاض عليه .

 وهو ما قد يجر تركيا وقطر الحليفين الجديدين للسودان في أزمة مفتعلة تنهكما بشكل أو بأخر أو على الأقل تهز علاقة الحليفين بالسودان إن لم يستنهضا لدعم الخرطوم.

 والخلاصة :

 فإن حراك النظام المصري في القرن الإفريقي ما هو إلا حالة من تأكيد الدور العضوي الذي اختاره النظام في مصر بدعم إماراتي، بعد أن كانت الإمارات تلعب هذا الدور بمفردها – منذ وفاة الشيخ زايد- في المنطقة وفي محيطها العربي.

 فالنظام المصري اختار لعب دور دولة الخنجر لإفشال أي عملية تكامل أو نهوض في المنطقة لحساب الإمارات مباشرة وللكيان الصهيوني بشكل غير مباشر.

 وهو ما يعني أن المنطقة ستظل ملتهبة في ظل الحراك المخابراتي والعسكري الذي يلعبه النظام المصري بإيعاز من الإمارات لصالح الكيان الصهيوني، وهو ما يستوجب دعم حكومي لحراك الشعوب الطامحة للحرية، والتي تسعى لإنهاء هذه الأنظمة، والذي سيصب بالنتيجة في أمن واستقرار ورفاه دول المنطقة

وسوم: العدد 755