رسائل المحبّة من الأحبّة

رسائل المحبّة من الأحبّة

للشاعر الأديب علي الرّضا الحسيني

عبد الله لالي

[email protected]

أهداني الصّديق الكريم الأستاذ عبد الحليم صيد درّة ثمينة وجوهرة عزيزة لشاعر وأديب وكاتب أريب؛ عزيز على القلب حبيب إلى النّفس، من دوحة طاهرة وأرومة شذيّة لا يزال عبير عطرها يفوح على الدّهر علما وخلقا ومكرومات عالية، أمّا الهديّة فهي كتاب لطيفٌ تحت عنوان ( رسائل المحبّة من الأحبّة )، وأمّا الكاتب الأديب فهو الأستاذ المحامي – وهو للعِلم حامي – علي الرّضا الحسيني[1]، الذي زار الجزائر منذ أيّام وخصّ بسكرة - منبت الأجداد ومهوى الفؤاد - بجزء هام من هذه الزّيارة ( الثامن والتّاسع من أكتوبر 2014 ) ، وكانت له فيها جلسات للعلم خالصة ولمودّة الأهل والخلّان رائقة..

وقد أسفت أنّي لم ألتقِ به وكنت لذلك في شوق وعلى انتظار هو أحرّ من الجمر، إذ علمت بنيته زيارة الجزائر منذ مدّة، ولكن حالت دون ذلك الحوائل وما كُتب لنا اللّقاء، غير أنّ الكريم يترك شذاه حيث حلّ، فينتشي مِن عبيره مَن لقيه ومن فاته اللّقاء فلا يزال في قلبه منه دبيب وبين جوانحه نفح من الطّيب.

قلت أهداني الأستاذ عبد الحليم إحدى النّسختين من الكتاب اللّتين أهداهما له، فقلت في نفسي:

" ما لا يدرك كلّه لا يترك قلّه ) فإذا بالقلّ جنّة فيحاء ودوحة ظليلة من أدب نادر وعلم فيّاض وخبر تُشدُّ لتحصيله الرّحال، ذكّرنا بأدب الرّسائل القديم الذي كان له اعتبار في الأدب وشأن وأيّ شأن، فأقبلت من يوم استلمت الكتاب أنهل من معارفه، وأرشف من رضاب لطائفه، وكان من عجائب المقادير أن أجد أوّل رسالة في الكتاب من الشيخ البشير الإبراهيمي لأستاذنا علي الرّضا، وهو ما يزال في ريعان الشّباب وقد كتبها الشيخ من كراتشي، وكنتُ قد كتبتُ في الشيخ غوغل من يومٍ ( 16 أكتوبر ) فقط أبحث عن نوادر الشيخ الإبراهيمي وبعض أسرار حياته التي لا يعرفها عامّة النّاس وإنّما هي متناثرة في بطون الكتب ورسائل الأصدقاء، فلم أعثر بكبير طائل وكانت هذه الرّسالة بلَّ الصّدى وشفاءَ بعض الغليل بالنّسبة لي.

وكان ممّا جاء فيها أن قال له ناصحا حول قضيّة الجزائر في تلك الفترة:

" أرجو أن تواصلوا الكتابة عن الجزائر يوميّا إن استطعتم أو أسبوعيّا، لأنّ الكتابة تذكير، والشيء إذا لم تتعاون عليه المذكّرات ينسى..)[2]، ونستفيد من هذه العبارة دلالة قويّة على ما كان يتمتع به الشيخ الإبراهيمي من بعد النظر وعميق الفكر، وفهم لطبائع النّاس وعوامل التغيير وأساليب التأثير فيهم.

فكانت الرّسالة بالنّسبة لي استهلالا حسنا ومدخل صدق ألج من خلاله إلى عالم كلّه فكر وأدب، وعلم وبحث وخلق جمّ وخلال قلّما اجتمعت في ناس إلّا كانوا من أفاضل الخلق وأشرافهم.

والرّسائل في الكتاب كلّها تفيض محبّة ووفاء من الأصدقاء والخلّان، وكان أكثر مواضيعها بحث عن كتاب أو تحقيق لمسألة علميّة، وما أكثرها فيه، وجانب كبير منها ينشد كتب عمّه الشيخ الخضر حسين أو مؤلفاته وتراثه، وجملة من تلك الرسائل بعث بها طلبة يرغبون في الحصول على تراث ذلك الإمام العلم والجبل الشامخ والطود الراسخ في المعرفة والسّلوك، إمام عِلم وعمل قوّال فعّال، وقد أراد أصحابها أن يتزوّدوا بتراث الشيخ لإنجاز رسالة ماجستير أو دكتوراه، أو تأليف كتاب، وكثيرون منهم كانوا تحت إشراف الأستاذ العَلَم عبد الرحمن رأفت الباشا وهو من هو ..لا يحتاج إلى تعريف ويكفي اسمه ليدلّ عليه.

يقع الكتاب في 295 صفحة من القطع الكبير طبع في ( دار الصّديق للعلوم دمشق ) عام 2013م وقد تنوّعت رسائله ما بين مشرق ومغرب، ولكنّ حظّ المغرب فيها كان حظّ الأسد، ولعلّ ذلك يعود لأصل أستاذنا الفاضل وكثرة الأهل والأقارب في تونس والجزائر، بعض الرسائل لأعلام كبار من أمثال الشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ محمّد الفاضل بن عاشور مفتي الجمهوريّة التونسيّة الأسبق، الأمير محمّد عبد الكريم الخطّابي، الدكتور عمّار طالبي، الشيخ عبد القادر عثماني، الشاذلي القليبي، الدّكتور عبد السّلام المجالي، الدّكتور محمّد مواعدة، وغيرهم ومنهم طلبة علم أو باحثون وكتّاب .. وبعض تلك الرّسائل قديم جدّا يرجع إلى سنة 1956م، وبعضها قريب جدّا يرجع إلى سنة 2012م.       

والعجيب أنّ جلّ الرسائل تتحدّث عن الكتب والبحث عنها، والحصول عليها وقراءتها أو تحقيقها أو التعليق عليها، ونشرها بين النّاس ليس فيها شيء من السياسة ولا حظّ الدنيا من قريب أو بعيد، كأنّ شارعنا الكريم وأديبنا المفضال ناسك كتاب وفارس قلم، لا ينزل عن صهواته ولا يلوي له عنان إلا لبحث يحققه أو علم ينشره.

ومن الرّسائل الجزائريّة التي شدّت انتباهي رسائل صديقنا الباحث في التاريخ الأستاذ عبد الحليم صيد، إذ نشر منها عشر رسائل كاملة لم ينشر لغيره مثلها عددا، وقد حفلت بمسائل البحث في التراث والتاريخ وتراجم الأعلام، كما احتوت على نقد لطيف لكتاب أستاذنا علي الرّضا ( أعلام زاوية نفطة )، وهو نقد مهذّب أو ملاحظات يسيرة لم يملك قلم الباحث المنقّب إلا أن يبدي بها إلى أستاذه، ويتقبّلها الأستاذ بكلّ رحابة صدر وطيب نفس، وتواضع الشجرة المثقلة بالثمار اليانعة القطوف.. !  

ولقد سطرت بقلم الرّصاص تحت كثير من المعاني اللّطيفة والنوادر الظريفة، وأحببت أن أشير إليها إشارات عجلى وأتوقف عند مراتعها وقوف الطير خرجت من أوكارها خماصا فعادت من عند مراتعها بطانا..

ومن تلك اللّطائف ما حملته إحدى الرّسائل من ذكر موقف شامخ وقويّ للشيخ الخضر حسين عندما كان شيخا للأزهر، وبلغه تآمر بعض زعماء المغرب الأقصى مع فرنسا على السّلطان محمّد الخامس[3]، فأصدر بيانا من كبار علماء الأزهر وأراد نشره في جريدة الأهرام فامتنعت الجريدة عن نشره، فأرسل البيان إلى رئيس الجمهوريّة ومعه استقالته، فنُشر البيان فورا، وهكذا تكون مواقف العلماء الأفذاذ الذين لا يخشون في الله لومة لائم ولا تسلبهم الكراسي والمناصب نخوتهم أو تميت منهم ضمائرهم..

 ولاحظت حرص الأستاذ علي الرّضا على وضع ترجمة مختصرة لكلّ صاحب رسالة بالهامش، حتى يعرفه من لم يعرفه.

ومن طرائف أهل المطابع ما ذكره أحد أصحاب الرسائل قائلا:

" ..حتّى أغواني أحدهم بشراء مكتبة خاصّة في العراق كنت أنا الذي كشفت عن مخدّراتها، ورزتها روزا أبان لي عن نفائس ما تحوي، مما لا أظنّه سيكرر مرّة أخرى فدفعتني العجلة وخفّة الشباب إلى دفع مبلغ فيها. بعد أن أخذت من شريكي العهود المغلظة بقدرته على إخراجها من أرض الشقاق والنّفاق بما تحوي من مخطوطات ومطبوعات، وصودرت في أثناء إخراجها، هذه الصّفعة الأولى ".

ومن غرائب الرسائل التي أرسلت إليه؛ الرسالة التي بعث بها محمّد الطّيب التونسي، وكان ضابطا بالجيش والأمن السعودي، وكانت تلك الرسالة بتاريخ 26/ 11 / 1990م، وقد كتب عنها الأستاذ علي الرّضا الحسيني في الهماش:

" هذه آخر رسالة كتبها في الحياة الدنيا صباحا، قبل أن ينتقل في نفس اليوم مساء إلى الرفيق الأعلى". 

ومن نوادر الرّسائل التي جاءته رسالة من الأستاذ طارق محمّد عبد الله الخويطر من السّعوديّة، وهو مولع بجمع الكتب وعليها إهداءات أصحابها، والعجيب في ذلك أنّه كان يشتري مؤلّفات الكتّاب الكبار الأحياء، ثمّ يقدّمها إليهم حتى يكتبوا عليها توقيعاتهم، وقال في رسالته أنّه فعل ذلك مع الشيخ عبد القادر الأرناؤوط والشيخ كريم راجح وغيرهما، وطلب من الأستاذ علي الرّضا الأمر نفسه، لكنّ الأستاذ علي الرّضا تحرّج من هذا الأمر وقال في الهامش ص 117:

"اعتذرت عن كتابة الإهداء على كتب تمّ دفع ثمنها لي، فكيف أقول غير الحقّ ؟ وقد أهديته كتبا فيما بعد وكتب عليها الأهداء "

وهذا من أخلاق أستاذنا الفاضل العالية وسجياه الكريمة، وقد كلّف نفسه ما لا يكلفها إلّا أصحاب النبل والأنفة، ورغم ذلك فقد كان له مندوحة فيما صار يُعرف في أيّامنا هذه بالبيع بالإهداء. ويعتبر الإهداءُ ذاتُه هديّةً فوق ثمن الكتاب المشترى. وبعض النّاس ربّما فرح بالإهداء أكثر من فرحه بالكتاب نفسه..

وفي الرّسائل التي وصلته من أبناء عمومته ( آل عثماني ) وأصحاب الزّاوية العثمانيّة، فزيادة على السّلام والسؤال عن الأهل والأقارب نجد تلك الرّسائل تزخر بالمعارف العلميّة واللّفتات الثقافيّة، ومن ذلك الرّسالة التي بعث بها المسعود العثماني – رحمه الله تعالى – ورجاه فيها إلى عدم طبع أعمال ملتقى الخلدونيّة حول الشيخ الخضر حسين إلّا بعد الاستئذان من الجمعيّة الخلدونيّة التي أقامت هذا الملتقى حتى لا يكون هناك أيّ حرج بينهم وبين الجمعيّة الخلدونيّة.

وفي الكتاب بعض من القطع الأدبيّة الرائعة وعيون الشّعر المختارة؛ نذكر منها ما جاء في رسالة الأستاذين جديع محمّد جديع ورياض محمّد المسيميري ص137:

" ..فلقد تكرّمت علينا بأمر منيع الطّلب، صعب المرام، بعيد المنال، كانت الحاجة تفلجنا إليها دائما، فبوصول الكتب سدّت شفاف المطامع، وملئت أجواء الآمال.."

ومن الحكمة قول أحدهم في رسالته ص95:

" إنّ الأقلام تنوب عن الأقدام ".

ومن الشعر ما جاء في رسالة من أحمد الطويلي ص 173:

" يا نسمة حيّ الحبيب وحيَّه * * مِنْ قَبل أن يتنفّس الفجران

واحكِ اشتياقي للحمى فعساهم * * تحنو قلوبهم لهذا العاني "

والكتاب تحفة أدبيّة، ودوحة ثقافيّة كثيرة الفوائد جمّة المنافع تدلّ على علوّ مقام المرسلة إليه وشرفه الرّفيع وأدبه الجمّ، فوق شرف المحتد وعلو الكعب في النّسب.

               

[2]  - رسائل المحبّة من الأحبّة ص 9

[3]  - الرسائل ص 20.