رام الله مدينة الأديب شقير الثانية

clip_image001_c803b.jpg

بعد كتابه "القدس مدينتي الأولى" الصّادر عن جمعيّة الزّيزفونة عام 2015، يعود أديبنا الكبير محمود شقير ليتحفنا بكتابه الجديد الموجّه للفتيات والفتيان "رام الله التي هناك" والذي صدر أيضا بداية العام 2016 عن جمعية الزّيزفونة لتنمية ثقافة الطّفل.

 ومحمود شقير المبدع المعروف الذي كتب القصّة القصيرة والأقصوصة، والمسرحيّة، والرّواية والمسلسلات التّلفزيونيّة ليس جديدا على كتابة السّيرة، سواء كانت شخصيّة أم سيرة للمكان، فبعد عودته عام 1993 إلى أرض الوطن من المنفى، صدر له "ظلّ آخر للمدينة" وهي سيرة لمرحلة معيّنة للقدس، كما صدرت له أعمال أخرى عن القدس منها:"القدس وحدها هناك" و"قالت لنا القدس" و"مدينة الخسارات والرّغبة" وكتاب اليوميّات "مديح لمرايا البلاد وغيرها.

واصداره الجديد "رام الله التي هناك" فيه سيرة للكاتب وشيء عن سيرة المكان، وإذا كانت القدس مدينته الأولى، فإنّ رام الله هي مدينته الثّانية، وهذا يعني أنّ معرفته برام الله تأتي بعد معرفته للقدس، ولا غرابة في ذلك، فقد ولد الكاتب وعاش في جبل المكبّر أحد ضواحي القدس، لذلك فهو يقول: "ورام الله والقدس هما بالنّسبة لي صنوان، فيهما عشت سنوات غير قليلة، في القدس تعلّمت القراءة والكتابة، وفي رام الله وأختها البيرة علّمت القراءة والكتابة، في القدس ابتدأت كتابة الأدب، وفي رام الله واصلت مشوار الكتابة، في رام الله ابتدأت مسيرتي في العمل السّياسيّ، وفي القدس واصلت المسيرة."واحتملت ما ترتّب عليها من تبعات."

والأديب محمود شقير، الذي صنّف كتابه هذا بأنّه "سيرة" كما صنّف كتابه السّابق"القدس مدينتي الأولى" ترك لقرّائه - ومن ضمنهم الفتيات والفتيان- أن يكتشفوا أنّه كتب شيئا من سيرته ومن سيرة المدينة، وأنّه لم يكتب "مذكّرات".

وبما أنّه وجّه كتابه بالدّرجة الأولى لجيل الفتيات والفتيان، فإنّه يرسم أمامهم شيئا من ماضي المدينة وبعض قراها، والتي لم يعايشوها، بحكم العمر، فما كتبه بعض منه يعود إلى أكثر من خمسين عاما، تماما مثلما عاد بنا كاتبنا إلى مرحلة عمريّة عاشها وعايشها، وابتدأت به عندما كان فتى، يعمل مع المرحوم والده الذي كان مراقبا في الأشغال العامّة، ونام على الأرض في خيمة الورشة، حيث كانت تخرج إليهم بعض العقارب، ثم كيف اشتغل مدرّسا في قرية خربثا بعد انهائه المرحلة الثّانويّة "المترك" عام 1959. ثمّ انتقل بعد ذلك إلى العمل في مدارس مدينة البيرة الثّانوية. وفي تلك المرحلة تعرّف على العمل السّياسيّ السّرّيّ، وشارك فيه. وما ترتّب على ذلك من مواصلته العمل السّياسيّ بعد حرب حزيران 1967، حيث اعتقله المحتلّون مرّتين، وأبعدوه في نيسان 1975 إلى لبنان، حيث عمل محرّرا في "مجلّة قضايا السّلم والاشتراكيّة" التي كانت تصدر في براغ، كما عمل مدرّسا في الأردنّ.

ويعود بنا الكاتب إلى أولى محاضراته في دار المعلمات في رام الله عام 1965، حيث قرأ قصّته الأولى، ونشره لقصصه في مجلّة "الأفق الجديد" التي أسّسها ورأس تحريرها المرحوم أمين شنّار، وصدرت في مدينة القدس في النّصف الأوّل من ستّينات القرن الماضي. ثم يعرّج على توقيع روايته الثّانية"مديح لنساء العائلة" عام 2015 في مركز محمود درويش، وما بينهما من لقاءات ومحاضرات في مراكز مختلفه، ولا ينسى أن يذكر أنّ فاز بجائزة محمود درويش الرّفيعه، ويستذكر بعض لقاءاته مع صديقه الشّاعر الكبير الرّاحل محمود درويش، ومجلّة "الكرمل" التي كان يرأس تحريرها الشّاعر محمود درويش والأديب شقير كان أحد محرّريها.

 وسيلاحظ القارئ أنّ أديبنا انقطع عن رام الله سنوات طويلة، وهي الفترة التي أبعده المحتلّون فيها عن أرض الوطن بين عامي 1975 و1993. ويبدو أنّ تلك الفترة المريرة والظّالمة كان لها دور في تحفيز الكاتب للتّعلق بمدن وقرى وطنه، والكتابة عنها لاحقا.

  ولم يغب عن بال كاتبنا أن يذكر بعض المؤسّسات الثّقافيّة التي كان يرتادها ويشارك بفعاليّاتها، كمركز خليل السّكاكيني، مكتبة بلديّة رام الله، مؤسّسة تامر، مركز محمود درويش. تماما مثلما مرّ على مشاركته في جنازات بعض القادة مثل محمود درويش، بشير البرغوثي وسليمان النّجاب. ويعرّج الكاتب على معاناة شعبنا على حواجز الاحتلال التي تفصل رام الله عن القدس.

يبقى أنّ نقول أنّ هذا المرور الخاطف على الكتاب لا يغني عن قراءته، لما يحمله من معلومات وقيم تاريخية وعلميّة وتربويّة خصوصا للجيل النّاشئ.

وسوم: العدد 656