وداعا رافع الناصري

حسين إسماعيل الأعظمي

حسين إسماعيل الأعظمي

[email protected]

 تعود علاقتي بالفنان التشكيلي الكبير الراحل رافع الناصري ، الى عقد السبعينات من القرن العشرين في بغداد ، من خلال النشاطات الفنية الكثيرة التي كانت تقام في بلدنا العزيز الغالي العراق ، واحيانا كنت التقي به في دائرتي التي كنت اعمل فيها (دائرة الفنون الموسيقية) التي اسسها الموسيقار الراحل منير بشير ، عندما كان المرحوم الناصري ، يأتي الى زيارة الموسيقار منيربشير في بعض الاحيان لأشغال تتعلق بالنشاطات الفنية التي ترافقها الموسيقى ، واستمرت علاقتنا هذه ، لكنها لم تتعد حدود المعرفة الشخصية ، رغم حفاوة لقاءاتنا التي نتبادلها معا ، واستمر ذلك حتى الحدث الرهيب في عام 2003 واحتلال بلدنا من قبل الارهابيين الحقيقيين في العالم .. الذي اضطر فيه الكثير من العراقيين مغادرة البلاد والبحث عن بلدان آمنة يعيشون فيها الى ان يقضي الله امرا كان مفعولا .. وفي الفترة قبل الاحتلال البغيض ، كنت مديرا لبيت المقام العراقي المركز العام وبقية الفروع في المحافظات ، ثم انتقلت الى ادارة معهد الدراسات الموسيقية ، هذا المعهد الذي عشت فيه معظم حياتي الفنية ، طالبا ومعيدا ومعاونا للمدير اكثر من مرة حتى تم اختياري لإدارته التي بقيت فيها حتى عام 2005 اضطررت بعدها الى تقديم استقالتي بعد ان تم تهديدي اكثر من مرة ..! بالرغم من ان التهديد لم يكن من جهة سياسية أو عداوة شخصية ، ولكنه كان من احد حسادي الكثيرين ..!! فتوجهت للعمل والعيش في بلدنا الثاني الأردن الشقيق الذي آوى العراقيين وغيرهم من اخوتنا العرب ونحن في احلك ظروفنا .. وفي هذا البلد الحبيب توطدت علاقتي ، بالراحل الفنان الكبير رافع الناصري ، وبغيره من اخوتنا واصدقائنا العراقيين والاردنيين ، عندما عشنا في هذا البلد العربي الصميم المملكة الاردنية الهاشمية رعاها الله وحفظها من كل سوء .. حيث ساهم هذا البعد عن بلدنا العزيز العراق في توثيق عرى الاخوة والصداقة بيننا ، ورغم ان الفنان الراحل رافع الناصري هاجر قبل الاحتلال البغيض لبلدنا ، واقام في اكثر من بلد حتى استقر به المقام في الاردن الشقيق منذ سنوات الحصار المريرة التي مرت على بلدنا ، لكنني كنت التقي به خلال سنوات الحصار الظالم كلما مررت بعمّان ، وهي كثيرة ، للسفر الى بلدان اخرى ، حيث كان مطار عمان الدولي (الملكة علياء) ظالتنا في السفر الى اي بلد نبغيه ، خاصة وانا اسافر كثيرا ، لتلبية الدعوات الكثيرة التي تصلني من مختلف المهرجانات الفنية الدولية في كل انحاء المعمورة ولاتزال حتى اليوم والحمد لله حمدا كثيرا ..

 في عمان كنا نلتقي على الدوام في المعارض الفنية التشكيلية وعلى الاخص في كاليري – قاعة- المرحومة انعام الاورفلي وقاعات اخرى .. وكذلك حضوره الدائم مع زوجته الأديبة الكبيرة مي مظفر الى حفلاتي التي اقيمها في مختلف قاعات عمان ومناسباتها ، وكذلك يمكن القول كانت على الاغلب في قاعة المرحومة انعام الاورفلي التي تديرانها الأختان الفاضلتان رنا وسوسن شريف صنوبر ابنتا المرحومة انعام الاورفلي (نحن العراقيون يطيب لنا ان نناديهما بلقب الاورفلي ، رنا الاورفلي وسوسن الاورفلي) ..!

غلاف الكتاب والصورة المخططة

 في احدى المرات التي كنت وفرقتي الموسيقية أثناء سفرنا ، نمر بعمان لنطير منها الى بلد ما في ارض الله الواسعة .. جئنا اليها في كانون الثاني January من عام 1997 للذهاب الى باريس لاقامة اكثر من حفلة لصالح معهد العالم العربي ، قضينا هناك بعض الايام ثم عدنا الى عمان مرة اخرى في طريق العودة الى بلدنا الغالي العراق .. وخلال وجودنا اتفقت بعض العوائل العراقية المعروفة ، من اللاتي كانت تربطني بهم علاقات وطيدة حينما كنت اقيم لهم الحفلات في بيوتهم منذ عقد السبعينات من القرن الماضي ، واستمرت حتى في عمان .. ان تقام امسية عراقية في بيت الاخ والصديق المرحوم عدنان حبو وزوجته الفاضلة السيدة ايسر ، وقد تم الاتفاق على يوم 1/2/1997 .. ومما اتذكره من حضور هذه الامسية التي كانت واحدة من اجمل ليالي العمر ، كما عبر عنها الحاضرون فيها ، عوائل يقظان الجادرجي وزوجته السيدة نائلة الامين والدكتور محمود القشطيني وعائلته والمرحوم الفنان رافع الناصري وزوجته الاديبة مي مظفر وسعد ناجي وزوجته السيدة ريم التتر والسيدة امل الخضيري والسيدة سهى البكري والفنان ابراهيم العبدلي وزوجته السيدة خولة الغريري المهووس بحبه للمقام العراقي والذي شارك في هذه الامسية بغناء فاصل من المقامات الجميلة بصوته الجميل ، والمرحومة الفنانة نهى الراضي والدكتور سلوان جمال بابان وعائلته ، فضلا عن صاحب البيت والضيافة عدنان حبو وزوجتة السيدة أيسر .. وفي الصورة ادناه يظهر معظم الذين ذكروا ..

 وفي ختام الامسية ، فاجئني المرحوم رافع الناصري بقطعة من الورق صغيرة ، كانت تتضمن تخطيطا جميلا لدقائق قضاها المرحوم الناصري في رسمي وانا اغني في الامسية ، ولاهتمامي بقيمتها الفنية رغم رسمها السريع ، فقد إرتأيت ان اجعل منها تاريخا يبقى ، عندما وضعتها في غلاف كتابي الاول الموسوم بـ (المقام العراقي الى اين .؟) الصادر مطلع عام 2001 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت ، وهي اشهر دار نشر في الوطن العربي .. ويذكر ان المرحوم رافع الناصري كان قد ذيل هذه الصورة التخطيطية ببعض الكلمات والتاريخ حين كتب (حسين الاعظمي ، في يوم السبت 1/2/1997 عمان ، مع كل المودة / رافع الناصري)

من اليمين خولة الغريري ، د. محمود القشطيني ، ومي مظفر ، وابراهيم العبدلي ، وحسين الاعظمي وهو يلوح بقطعة الورق الصغيرة في يده التي خطط فيها المرحوم رافع الناصري صورة للاعظمي وهو يغني في هذه السهرة ، وخلف الاعظمي علي الامام الذي لم يظهر جيدا ، رافد حنا ، المرحوم رافع الناصري يتوسط الصورة ، وسعد ناجي ، والمرحومة نهى الراضي ، وسهى البكري ، وريم التتر ، ونائلة الامين و ....... ؟ وامل الخضيري ، وداخل احمد جالسا وبجانبه يقظان الجادرجي .. في 1/2/1997

 وفي صفحة 198 من كتابي (المقام العراقي الى اين .؟) كتبت بصورة مختصرة جدا عن المرحوم الناصري ..

(الرسام الكبير رافع الناصري

رسم صورة الغلاف التخطيطية ، عشية امسية غنائية مقامية اقامها المؤلف في بيت الصديق المهندس عدنان حبو اثر عودة الاعظمي مع فرقته الموسيقية ، من باريس كانون الثاني 1997 ..

فنان عراقي معروف تخرج من معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1959 ثم اكاديمية الفنون الجميلة في بكين عام 1963 ثم امضى سنتين في لشبونة (1967 – 1969) متخصصا في فن الكرافيك ، اقام عدة معارض في بغداد ودول العالم وحصل على جوائز دولية في الرسم والكرافيك ..)

وفي صبيحة السابع من كانون الاول 2013 فجعت الاوساط الفنية بنبأ وفاة فناننا الكبير رافع الناصري عن عمر ناهز الـ 73 عاما ، اسكنه الله فسيح جناته ، والهم اهله ومحبيه الصبر والسلوان وانا لله وانا اليه راجعون .. وارقد بسلام ..