المنشد أبو راتب مع الموسيقى

المنشد أبو راتب مع الموسيقى

نجدت لاطة

[email protected]

 ها هي آخر حصون (الدف) تتهاوى أمام مطرقة الموسيقى، فالمنشد الكبير أبو راتب أصبح من الذين يستخدمون الموسيقى، وكان ذلك في أناشيده الأخيرة الخاصة بالثورة السورية في ألبومه (ربيع الشام). وقد قال لي: لقد أخذت بنصيحتك أخيراً، لقد أصبحت أستخدم الموسيقى. فأنا كنت أنصحه كثيراً بضرورة استخدام الموسيقى.

 ولم يبقَ إلا ثلاثة منشدين لم يستخدموا الموسيقى، وهم (أبو الجود ومحمد أمين الترمذي ومحمد العزاوي)، فأبو الجود قارب من العمر الستين، ولا يريد أن يُغيّر من نهجه بعد هذا العمر الطويل مع الدف، ولا سيما أنه وصل إلى خريف عمره الفني. ومحمد أمين الترمذي متخصص بالأناشيد الدينية الخاصة بالابتهالات الروحانية والمدائح النبوية، وهو يرى أن الدف أقرب إلى هذه النوعية من الأناشيد من البيانو والجيتار والجاز. ومحمد العزاوي يعمل إماماً لمسجد، فلا يليق بالإمام أن يستخدم الموسيقى، كي لا يقع في حرج مع الذين يرون حرمة الموسيقى، مع أنه مقتنع بالموسيقى، وقد ذكر لي ذلك. ورأيته مرةً يعزف على البيانو، وقال لي بأن الموسيقى شيء مهم جداً للإنشاد، ولكن حساسية عمله كإمام تجعله لا يستخدم الموسيقى في أناشيده.

 وباستخدام المنشد أبي راتب للموسيقى تكون قد انتهت مرحلة الدف من النشيد الإسلامي، وانتهت النقاشات حول الموسيقى. ولعل الأيام القادمة نشهد استخداماً واسعاً للموسيقى، بحيث نرى فرقة موسيقية كاملة تقف خلف المنشد الإسلامي.

 والمتابع للحركة الإنشادية يجد أن قضية الموسيقى أخذت من عمر النشيد الإسلامي عشر سنين، فقد كانت هناك نقاشات حادة حولها، وكانت تصل إلى حد التجريح واتهام الذين يستخدمون الموسيقى بتغيير خط النشيد إلى الأغاني، وأن المنشدين تحوّلوا إلى مطربين، وغير ذلك مما لا يخفى على أحد..

 فأتساءل: هل تستحق الموسيقى عشر سنين من النقاشات والاتهامات والأخذ والرد؟ وهل كان المنشد الإسلامي لا يعرف أهمية الموسيقى للإنشاد؟ الجواب: لا يوجد منشد واحد لا يعرف أهمية الموسيقى للنشيد والغناء، ولكن الجمهور الملتزم الذي كان يرى رأياً واحداً في الموسيقى ـ وهو الحرمة ـ هو الذي كان يقف في وجه استخدام المنشدين للموسيقى. وأنا تناقشت كثيراً مع المنشدين ـ الروّاد والجدد ـ بشأن الموسيقى، وكنت أفاجأ بأن معظمهم يسمع الموسيقى ويسمع لأم كلثوم وعبد الوهاب وصباح فخري وغيرهم من المطربين الكبار. وكانوا يقولون لي بأنهم ينمّون حسهم الموسيقى وثقافتهم الموسيقية بأغاني هؤلاء المطربين الكبار.

 والذي يزور المنشدين في بيوتهم ـ ولا سيما الكبار منهم ـ ويطّلع على مكتباتهم الخاصة يرى كثرة الكتب الموسيقية في تلك المكتبات، وهذا يعني أنهم متابعون لحركة الغناء العربي، وأنهم يتثقفون بتلك الكتب.

 وشيء آخر، هل يُعقل أن يكون الدف من نصيب الحضارة الإسلامية وتكون الآلات الموسيقية الأخرى من نصيب الحضارات الأخرى؟ أليس الدف والطبل هما أبرز الآلات الموسيقية عند الزنوج الذين يعيشون في أدغال إفريقيا؟ باعتبار أن الدف والطبل هما من الآلات الموسيقية البدائية التي عرفتها الأمم في عصورها القديمة.

 بل يمكن القول إن الدف والطبل هما أسوء الآلات الموسيقية، لأنهما يصمّان الآذان ويعيقان وصول الكلمة إلى أذن السامع، ولعله من هنا كانت معظم سيمفونيات بتهوفن تخلو من الضرب على الدف والطبل.

 وهل يُعقل أن يكون الدف والطبل أهم للموسيقار من البيانو والأورك والناي والجيتار والكمنجة والجاز؟ أليست هي قسمة ضيزى أن نعطي حضارتنا الإسلامية ـ وهي أرقى الحضارات التي مرّت في تاريخ البشرية ـ الدف والطبل؟ ثم نعطي بقية الحضارات ـ التي هي أدنى حضارياً من حضارتنا ـ بقية الآلات الموسيقية؟ حقاً إنها قسمة جائرة، ولكن الآن ـ والحمد لله ـ لقد أصبحت الموسيقى مصاحبةً للنشيد الإسلامي.

 وتبقى قضية إيجاد العازفين للآلات الموسيقية هي العائق أمام الاستخدام الواسع للموسيقى عند المنشدين، لأنه لا يوجد في الساحة الإنشادية عازفون. وإن معظم المنشدين يلجأ إلى الموسيقيين خارج الساحة الإنشادية لوضع التوزيع الموسيقي للأناشيد.

 وقلة العازفين في الساحة الإنشادية جعل كثيراً من المنشدين يلجئون ـ حينما يكونون على المسرح أمام الجمهور ـ إلى الإنشاد بـ (بلي باك) أي أن الأنشودة مسجلة، والمنشد يُحرّك شفتيه فقط، مما يسبب حرجاً كبيراً للمنشد، لأن الإنشاد بـ (بلي باك) هو غش للجمهور. وإن السبب الأكبر للإنشاد بـ (بلي باك) هو عدم وجود عازفين للآلات الموسيقية مع فرقة المنشد.

 هناك بعض العازفين في الساحة الإنشادية ولكن مستواهم ضعيف وخبرتهم قليلة، لذا نجد المنشد لا يعتمد عليهم كثيراً في إنشاده حينما يكون على المسرح.

 فكان من الضروري أن نوجد العازفين في الساحة الإنشادية، كي يستطيع المنشدون منافسة المطربين بحق، دون اللجوء إلى الموسيقيين من خارج الساحة الإنشادية.

 وشيء ثالث.. إن انتقال النشيد إلى مرحلة استخدام الموسيقى بشكل واسع يفسح المجال للمنشدين المشاركة في المهرجانات الغنائية الضخمة التي تقيمها الحكومات العربية، كمهرجان جرش ومهرجان قرطاج وغيرهما. فمن غير المعقول أن يكون ضمن فرقة المنشد الذي سيشارك في مهرجان جرش الضخم اثنان أو ثلاثة ممن يضربون على الدفوف والطبل فقط، في حين يقف خلف المطرب في نفس المهرجان عشرون أو ثلاثون من العازفين على كافة الآلات الموسيقية، لأن هاتين الصورتين ستوحي لدى القائمين على المهرجان بضعف المنشدين وقلة مستواهم الفني.

 وبهذه المناسبة أجريت مقابلة صحفية مع المنشد أبي راتب وسألته عن رأيه بمشاركة المنشدين في المهرجانات الغنائية؟ فقال لي: أدعو المنشدين إلى المشاركة بالمهرجانات الغنائية، وأنا ـ على سبيل المثال ـ شاركت من قبل في مهرجان غنائي ضخم في مدينة الرباط في عام 2002 ، وكان فيه المطرب كاظم الساهر ومارسيل خليفة وباسكال مشعلاني وآخرون، كنت أنا بينهم، وحضر حفلي جمهور كبير جداً، وقد ذكر مدير المهرجان أن عدد جمهور حفلتي كان أكبر من جمهور بقية المطربين.

 أرجو من المنشدين كافة أن يكونوا في هذه المرحلة بحجم الثورات العربية ، فالشعوب العربية تنتظر من الإسلاميين البدائل عن كافة مفردات حياتهم: السياسية والإعلامية والفنية والاقتصادية والاجتماعية...