الحقد

بن العربي غرابي، ميسور المغرب

-ألا تستنيم إلى النوم وتكف عن التقلب والزحير كانك تحمل صم الصخر؟ تسأل الزوجة حليمة زوجها وقد رأت أنه على حافة الانفجار والضياع.

-كيف يستقيم النوم وأنت تعلمين ما يعتلج في أحشائي من سعير الانتقام؟ رد بمزيج من الثبات والانفعال.

-لو تركتَ الحاج حمو للخالق لاسترحت أنت، ألا ترى أن العالم له رب ينتقم من الجبابرة؟ فلو أراد كل منا أن يأخذ حقه بتدبيره لاشتعلت دنيا الناس حروبا وفاضت جنباته دماء.

 يجد الزوج ادريس تناسقا في قول حليمة ويكاد يذعن له، ولكن نيران الكراهية التي استعرت في قلبه لأكثر من عشر سنوات هي أكبر وأشد من أن تخمدها مجموعة من الكلمات المتراصة الحاملة لمغزى أخلاقي وتربوي أقرب إلى المثال منه إلى الحقيقة.

 منذ أكثر من عشر سنوات اجتاح الحاج حمو إثر عودته من الديار المقدسة بأيام فدانين مجاورين له يملكهما السي ادريس ملكية قانونية شرعية. كانت حقول حمو كثيرة ومجتمعة لولا فداني ادريس اللذين يمزقان وحدة أرضه، وقد حاول الحاج حمو بالطرق الدبلوماسية أن يستميل جاره ليبيعه فدانيه فيجعل من أرضه المترامية جنة فيحاء تغطي كل أصناف الزراعات وتنبت على ترابها النفيس كل ضروب الأشجار.

 لم يجد الحاج حمو الذي لمست يداه قبر الرسول من حل سوى أن يجند شهود زور ويخلق شهادة إدارية من عدم تقول إن السي ادريس باعه الفدانين بحضور فلان وفلان وقد قبض الثمن بالتراضي ودون غضب أو إكراه.

 السي ادريس لم يستسغ ما حصل له من شخص ينتظر منه أن يكون رسول سلام وخير، ولم يجد من عزاء سوى الصبر والخضوع، تعصف بقلبه الأحقاد والأضغان ، فتغيرت حياته من الدعة إلى الاضطراب ومن حب الخير إلى الرغبة في الانتقام ومن حب الآخرين إلى غواية الدم.

 استأجر يوما سيارة أجرة كبيرة باتجاه القرية المجاورة حيث يسكن غريمه الحاج حمو، وقد وطن نفسه على قتله وخنقه ودق عظامه. ترجل من متن السيارة وتحسس سلاحه الأبيض الحاد وقصد منزل الحاج حمو الفاخر بخطى انتحارية واثقة. وما أن اقترب من الباب حتى علم من أحد المارين بأن الحاج حمو على فراش المرض منذ أيام....

 تراجع السي ادريس خطوات إلى الوراء وأشار إلى السيارة التي جاءت به من قريته وأوقفها بمحاذاة بيت الغريم، وانحشر بين الناس واقتحم البيت بأدب وتأثر ليحمله على ظهره ويضعه على متن السيارة برفق ليقول بلهجة آمرة وصوت مقروح: إلى مستشفى المدينة.