ذات موت

مأمون احمد مصطفى

[email protected]

رنَّ الهاتف.

  أتدري ماذا حدث؟

لا.

 خالي خالد مات.

 أغلقت الخط، لم أُصَب برجفة أو رعشة، لم يقتحمني ذهول أو صدمة، لم يتملَّكْني حزن أو أسًى، حتى إنني لا أذكُر بأنَّ وقْع كلمة الموت قد وصل إلى أقل مسامةٍ من مسامات جِلدي، أو إلى أصغر مساحة من مساحات نفسي.

وما هي إلا ثوانٍ حتى نسيتُ بأن خبر وفاة أخي قد نقل لي، فعدتُ إلى ما كنت عليه من أمر الحياة والبقاء، وانتقلت من واجب إلى واجب، ومن تتبُّع إلى تتبع، ومن انشغال إلى انشغال، كان خبر الموت -وخلال ثوانٍ قليلة-قد غادَر ذاكرتي تمامًا كما يغادر قصف الرعد الذاكرة فور تلاشي وقعِه على السمع.

 رن الهاتف.

كانت ابنة أخي من الأردن تبكي وتسألني إن سمعت بخبر وفاة أخي؟ اندفعت بضحكة طويلة استهجانًا لبكائها، أصيبتْ بالدهشة القوية، قالت: كيف تمكَّنتَ من الضحك وأخوك ميت؟

سؤال غريب!

 بعد يوم أو يومين، تحدث معي أخي قائلاً: ابنتي تتساءل: هل يمكن أن تقابل خبرَ موتنا بذات الضحكة التي قابلتَ بها موت خالد؟

قلت ما قلت، وقال أخي ما قال، وشرَحْنا لابنته ما شرحنا.

 وكان حقًّا علي وفاءً لكرامة أبي وأمي أن أقول ما سأقول الآن.

هي رواية الوفاء والعرفان بالجميل، واكتمال اللحظات الخارجة من بؤرة النور إلى بؤرة الحقيقة، فإن كان والداي - رحمهما الله رحمة مغدقة من كرمه وجوده اللذين لا يوصفان ولا يحدان ولا يؤطران، رحمة لا تبدأ من لحظة وتنهى بلحظة، بل تمتد امتداد كرمه وجوده - قد غادرا الدنيا، وانطويا في ملكوت الحق، فلا لسان ينطق أو يذب، ولا عين ترى لتستهجن، ولا أذن لتستغرب، فإنهما تركاني على هذا الوجود، أحمل لهما في عنقي قدرةَ الوقوف على رأس البركان وفاءً وعِرفانًا، فلا يمكنني الصمتُ على كذب أو تدليس أو تشويه نالهما أو سينالهما من غريب أو قريب، وحتى من أخ كنت أستعد للسفر من أجل أن أُثاويه التراب بعد أيام من موته.

أخي الذي مات، كان أخي، ولم يكن أخي، فأنا مذ ولدت كنت أعرفه من خلال السمع لا من خلال الرؤية، وكنت أرسم صورته من خلال حديث الأم التي تخترع الصفات، وتصنِّف الحسنات، وتؤطر الأمنيات، في مفهوم الحلم الموصول بالقلب النابض بالرحمة والرأفة والرؤومة، وكنت من خلال صورة معاكسة يرسُمها والدي الذي احتزم بالمنطق، واتَّزر بالحقيقة، والأهم بالألم الناتج عن الغدر وإنكار الجميل، وبين الصورتين ظل الظل خاليًا من أي وضوح أو حقيقة أو معرفة تتأصل لتعطي النتيجة التي يبنى عليها الإحساس والشعور بالانتماء لعواطف تقع تحت مسمى الأخ والأخوة.

ذات يوم، وبعد غربة طويلة امتدت أكثر من ثلاثة عقود، وفي ساعة متأخرة من الليل، قرع باب البيت، وظهر صوت جديد، كانت الجدران قد نسيتْه ومسحته من ذاكرتها، لكن سمع أمي التي كانت غارقة بالحديث مع أبي، تنبَّه وأرسل إشارات إلى العقل المختزن كل أحرف الماضي ورناته، دفعها للانتصاب السريع وهي تهذي هاتفة: خالد.

كانت الصورة الواقعة في منطقة الظل تتمدد، وكانت الحقيقة تهتف من قاع بركان تحت قاع محيط من الذكريات التي غابت وغيبت، لتقول لنا: عليكم الآن الاستعداد لانتشال الحقيقة ليس من قاع البئر، بل من فمه وقمته.

كنت إذ ذاك أحدِّق في تفاصيل وجهه، في بنية جسده، في ضحكته وقهقهته، حتى إنني نبشت عينيه نبشًا خاصًّا؛ بحثًا عن بريق متألق، أو في طريقه للتوهج والإشعاع؛ بسبب وجوده بين أب وأم، وأخ وأخت، خدعت نفسي، وعللت الخداع بأن اللحظة المتأججة بعد ثلاثة عقود لا بد أن تكون مطمورة تحت عذاب الشوق ووجع الاشتياق.

تواصلت العائلة معي بأكملها، كلهم يحضُّني على السفر إلى ميونخ من أجل أن أثاويه في رحلته الأخيرة فوق الأرض، وكنت موزعًا بين فرٍّ وكرٍّ، بين إرادة وإرادة مغايرة، التوقعات والتحسبات، كلها تدافعت كمجموعة من ضباع أضناها الجوع، وبين هذا وذاك تم حجز تذكرة الطائرة، وتحديد موعد اللقاء مع جثة، لم أستطع قبلاً تحديدَ موعد معها وهي تحمل الرُّوح، وتنبض بالحياة.

من المعروف عني أنني أبكي لمشاهدة طير كسير، أو حتى لهجوم أسد على جؤذر في فلم وثائقي، بل إن ما يُبكيني أحيانًا هو رؤية طفل يتشقق فرحًا وحبورًا، أبكي عليه من شدة فرحي بضحكته، وحزنًا على يوم سيكبَر فيه ليحمل فيه همًّا، ومع كل ذلك، لم أشعر بخفقة حزن أو شجن على موت أخي، بل ولم يُراوِدْني إحساس بأني فقدتُ جزءًا من أجزاء العائلة.

يقالُ بأننا أمام الموت يجب أن نصمُتَ، هذا كلام صحيح؛ من أجل هذه الصحة سأترك الصمتَ يتحدث نيابة عن الصوت.

وصلتُ ميونخ، كانت زوجته وصديق له في انتظاري بالمطار، ركبنا السيارة وتوجَّهنا إلى بيته، في الطريق بدأت انبثاقات غريبة تترجرج في الجمل والمفردات، قالت زوجته بأنه ظل طوال حياته يحمل ألَمًا مرهقًا من عذاب صدمة تلقاها وهو طفل صغير، وقالت أشياء أخرى كثيرة، حبست ذاتي في ذاتي، وكان الصمتُ يشير لي بالعودة من حيث أتيت دون أن أقابل جثته، أو حتى أشارك في مواراتها التراب، لكن صمتًا أقوى قال: عليك أن تضعَ الحركات للمفردات، والأهم أن تعيد تنقيط المفردات؛ لتكون القراءةُ واضحة في غياب الصوت.

هو أخي من أمي، وحين التقت أمي بأبي كان ما زال لا يعرف الحروف أو تقاطيع الصوت، يثغو ثغاء براءة، ويحبو حبو عجز وانفلات قدرة أو اقتدار؛ فهو لا يعرف الفرقَ بين التمر والجمر، احتضنه والدي، وحين أنجبت أمي أخي عبد الرحيم، كانت ووالدي يحملان كنيةً واحدة "أم خالد وأبو خالد"، لم يُعرَف أبي بابنه البِكر، وإنما عُرِف بابنه الذي دخَل حياته مع أمي.

قال والدي يوم كان الصوت يرن ويتحدث: حين هجرنا من حيفا، تحت القصف والحرب والموت والدمار والخوف والهلع، حملتُ خالدًا على ساعدي الأيمن، وعبدالرحيم على ساعدي الأيسر، ومشيت وأملُ والتحسُّب والتوقع ملازمان لنا كغيمة تغتال كل ما فينا من قوة وثبات، كنا شبه عراة إلا من أسمال يمكن أن توصف بأنها ساترة للعورة، وكنا حفاة ندوس الأرض والشوك والصخر والحرارة بأقدام تشقَّقت وتباعدت المسافة بين شق وشق، لم يكن خوفُنا على أنفسنا بشكل مجرد، كنا نخاف عليهما إن مِتْنا أن يتركا وحدهما بين أنياب المجهول الغامض، وكنا نخاف عليهما أن يموتا فلا نستطيع أن نقدم لهما عذرًا عن عجزنا، وكنت إذا ما سمعت أزيز الرصاص من خلفي أضمهما إلى صدري، وإذا كان صوت الرصاص من أمامي أخفيهما على ظهري، وبقينا هكذا أيامًا، نتوسَّد التراب والصخور، ونريحهما على جسدينا، نبحث عن قطرة ماء لنسقيهما، وكِسرة خبز أو بعض أعشاب الأرض لنشد أَوَدَهما، ظللنا كذلك إلى أن حطت رحالنا وغيرنا من مدن وقرى وبلدات كثيرة في مكان قريب من مدينة اسمها طول كرم.

بِتنا في العراء أيامًا طويلة، تحولت إلى أشهر، إلى أن تم الاعتراف بنا كلاجئين في وطننا، فأتت الخيام، قضينا فيها سنوات، رأينا خلالها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، من عذاب وهوان، وعجز وقلة حيلة، وأخيرًا امتلَكْنا غرفة صغيرة من الطوب سقفها من الإسمنت، دون مرحاض أو حمام أو ماء.

كنت إذ ذاك وأمك نحمل الهم والوجع والانهيار على كواهلنا، نناضل نضال الجن وشخصيات الأساطير؛ من أجل الحصول على لقمة عيش أو شربة ماء، كنا -وقد لا تصدق أو يصدق أحد -كنباتِ الصبار في صحراء قاحلة راعبة موحشة، نزرع جذور المنى في العمق؛ لنتمكن من البقاء أو شبه البقاء، ولو سألتني الآن: كيف استطعتم الصمود والخروج من تلك الصحراء القاتلة؟ لَمَا استطعت الإجابة.

لم يكن العذاب والألم والعجز والخَوَر كل ما يمكن أن يفتَّ عضدك، كانت الأوبئة والفقر وفِقدان الأمل واندثار الناس المتساقطة جثة خلف جثة، أنين المرضى، وسعال المصدورين، وعويل النساء، وصراخ البنات، ورعب الأطفال، كانت الأشياء كلها وما يتولد عنها من انهيارات وتردمات تشارك في رسم كل شعور وإحساس يسكُننا، وسيبقى يسكننا، إلى نغادر الدنيا، وأنا على ثقة بأن حفرة القبر الذي ستنزلنا فيه ستعرف ذلك وتُحسه.

عبرنا الزمن بأعاجيب ومعجزات لم نصنعها ولم ندركها، حتى تحولت إلى حمَّال عند تجار مدينة طول كرم.

سنوات مرت، كبِر خالد وكبر عبد الرحيم، في المخيم لم يعرف أحدٌ أبدًا بأن خالدًا ليس ابني؛ فهو يحمل اسمي في شهادة ميلاده، وهو يدرس في ذات المدرسة التي يدرس فيها عبد الرحيم، وهو المميَّز عن الجميع من إخوتك الذي جاؤوا بعد النَّكبة، وظللنا كذلك إلى أن جاء يوم.

في عام ألف وتسعمائة وواحد وستين، كان هناك اختيار صعب، يحتاج إلى ثروة، ثروة لا يملكها حمَّال، ولا يمكن أن يحلُمَ يومًا بامتلاكها، لكن خالدًا لا بد وأن يسافر، يغترب، يشق طريق نقلنا مما نحن فيه إلى ما هو أفضل وأحسن، على الأقل سيفتح طرقًا جديدة إلى أخيه عبدالرحيم، وربما مصطفى، ليكون التلاحم والاندماج هو الخيار الذي لا بد منه، ولا فكاك منه أبدًا، الرحلة من أرض الخوف والرعب والموت، موت إخوته: قاسم وباسم ومحمد، وموت أخواته: صفاء وميسون وخالدية، كانت الرحلة بالنسبة لنا جميعًا رحلة العنقاء الممكنة، والفينق الذي يخرُجُ من قلب مستحيل العدم.

خرج خالد من قلب هذا، وهو يحمل ثلاثمائة وخمسين دينارًا أردنيًّا، في وقت كان مثل هذا المبلغ هو المليون الأول الذي يجر الملايين، ويدفع تدفقها لتتعاظم وتصبح ملايين تفرخ ملايين، وكان على والدي -فيما بعد -أن يحمل همَّ هذا الدَّين لسنوات وسنوات أوقفت فيها كل أحلامه وطموحاته.

ذاب خالد، كما تذوب ذرة ملح في نهر متدفق، شق له حياة خاصة، لا صلة لها بأصله وجذره، وترك والدي يخضب ذاته بالعرق والهم والعذاب والأرق من دَين كافح سنوات وسنوات من أجل سَداده.

كان هناك حياتان، الأولى حياة أبي التي تمحورت كلها بين حُلم قادم من ألمانيا، وبين همٍّ لا بد من الوصول إلى نهايته، كان الحلم بعيدًا جدًّا، أما الواقع، فكان يتورَّم، فنحن نكبَر، وكلما كبِرْنا يومًا كانت المسؤوليات تتعاظم وتكبُر، وبالتالي كان على والدنا -رحمه الله -أن يصلَ الليل بالنهار، والدقائق بالساعات، والعرَق الحار بلفح البرد، والقيظ بالقَرِّ؛ من أجل الوصول إلى مرحلة الكفاف، سابقًا كان يستحم بعرق متفجر، وبعد الحُلم أصبح يغوص في عرَق يكاد يُغرقه ويستل منه كل شيء.

كانت الحياة الثانية تتوزع على شوارع ميونخ، بين خمارة وخمارة، وبين بيت دعارة وبيت دعارة، بين انسلاخ من عهد، ودخول عهود جديدة، يتوجها اللؤم المصنوع من قريحة متقيحة محشوة بالصديد، ويتوسَّطها إنكار جميل من نفس أوهمت ذاتَها: ستعود يومًا لتنظر إلينا ونحن نتوسل الرغيف، ونستجدي اللُّقمة، كان هناك يبني من حرام موصول بحرام، ومن رذيلة موصولة برذيلة، ومن انهيار موصول بانهيار، ومن تحسُّف للجِلد الذي خرَج منه ليتوشح جِلدًا غيرَ قابل للتحسف، أدرك أصول اللعب بالنار والعار، فأصبح سيدًا من سادتها، وأدرك من أين تؤكَل أكتاف الجيف، فتحول لمجموعة من الضِّباع في شكل ضبع، وفي لحظة انفتحت له الأبواب، وأصبحت النقودُ تجري من ينابيعَ مختلفةٍ لتصب في مصب واحد يتوقف عند خالد.

اللقاء بعد ثلاثة عقود أو ما يزيد قليلاً، كان في لحظته الأولى حاسمًا وصارمًا، فخالد جاء وهو لا يزال يحمل في ذاكرته وَضْعَنا الذي تركه ليبني ذاته من دَين والدي، لكنه فوجئ بنا رغم فقرنا، بأننا نلبَس ملابس مكوية، ونستحم من صنبورِ مياه، ونعرف كيف نزاول الطَّبخ والأكل بمقومات الحضارة التي يمتلكها في ميونخ، والأهم شاهد أحفاد والدي الذين كانوا يملؤون البيت ضجيجًا وحبورًا، عرف أشياء لم يكن يعرفها، ولم يودَّ أن يعرفها، بل إنه تمنى ألا يجدنا وقد نلنا من الدنيا شيئًا من حظ يجعلنا ننأى بحاجتنا عنه.

ظن في اللحظات الأولى من اللقاء بأنه سيد الموقف بما يملِك، فمد يده نحو حقيبته اليدوية وأخرج زجاجة خمر، لم يتوقَّعْ أبدًا بأننا يمكن أن نحمل ردة فعل مضادة، كان هذا واقعًا في يقينه ورَوْعه وقوعَ الثبات والاستقرار، ربما أنه حين تنازل عن كرامته ودِينه وشخصيته وعروبته ومبادئه، رأى أن الجميع تنازل مثله؛ لأنه وصَل إلى الاقتناع المطلق بأن ما تنازل عنه هو السدُّ الذي حال بينه وبين النجاح والمتعة.

انتفض والدي انتفاضة ملدوغ، فعَلا صراخٌ وتطاول ضجيج، كانت هزة عنيفة لذَاتٍ عادت وهي تعتقد جازمةً بأنها سيدة الموقف، وكان عليه الخروج في ذات الليلة وهو يحمل في أعماقه ضربة قاضية أطاحت برُؤاه وتصوراته وأوهامِه.

لكنه عاد في اليوم التالي، وظل يزورُنا بين يوم ويوم دون أن ينامَ في بيتنا، كان ينامُ في فندق يقع عند اليهود في فندق بالمدينة المحتلة أم خالد.

التجانس بيننا وبينه مستحيل، هو ألماني بما تحمل الكلمة من معنى، لكنه ليس الألماني الأصيل، بل مزيج من حقد وغل متأصل، وصفات باردة صقيعية اكتسبها من الألمان، إضافة لمكون التنازل الذي قدمه حين تنازل عن كل ما يمكن التنازلُ عنه كإنسان من أي أصل كان، لم يملِكْ أبدًا تصوُّرَ أننا نملِك قدرة رفضه إن قرَّرْنا ذلك، والحقيقة أننا لم نرفضه؛ إشفاقًا عليه وتقديرًا لغُربة طالت ونالت ما نالت منه، وعلى أمل أن يُحدِث تغييرًا يجعله يُعيد بناءَ ذاته قطعة قطعة؛ ليبقى ونبقى أهلاً وعائلةً.

حملناه ليس بأناملنا، بل برموش العيون وأهداب الأحداق، قلنا له: إنه حبيبنا وأخونا وأكبرنا سنًّا وقدرًا، تدافَعْنا من أجل تنفيذ الكثير مما رغب واشتهى، حتى إننا غزَلْنا له من ليالي السمر أمنيات مستقبل مشرق وضَّاء، لم يبقَ شعور أو عاطفة مخبأة إلا وأخرجناها له مكشوفة بما فيها من توتر وانفعال وغليان، دفعنا ذواتنا دفعًا لانتشاله من حالة الوحدة التي عاشها وهو بعيد عنا، إلى حد أننا عرضنا عليه أن يكون صاحبَ الشأن الأول في العائلة، وكنا على حذرٍ مطلق ونحن نتعامل معه؛ حتى لا يظن أننا نسعى خلف مكسب مادي أو طمع مالي، وكنت أنا مَن أعلن له ذلك بوضوح لا يمكن تأويله إلا بالمفردات التي تدلُّ على عدم حاجتنا إلا له كأخ، وحاجته لنا كعائلة.

وغاب خالد مرة أخرى، وعاد مرة ومرة، لكنه لم يغيِّر من صفاته شيئًا، بل إنه تغوَّل في هجومه علينا، فكان علينا أن نضع له حدًّا مقرونًا بالأدب، مع تركِ منفذ بسيط لعودته إن قرَّر العودة، لكن شيئًا من كل هذا لم يُثمِرْ، فتركناه على سجاياه، وصمتْنا أملاً بتغير لا ندرك كيف يكون.

وجاء يوم، مات فيه أبي، اتصل إخوتي به، لكنه وضع السماعة ولم يفكر بحضور جنازته.

كانت ضربة حادة ومؤشرًا واضحًا، وجاء يوم آخر، مرضت أمي فيه مرضًا أقعَدها وهدَّها وعذَّبها؛ فهي لا تُبارح ألَمًا إلا إلى ألم، ولا تنتهي من وجعٍ إلا لدخول وجع، ولا تخرج من غيبوبة إلا لدخول غيبوبة، تصادفت زيارتُه مع مرضها، حين دخل البيت وهي مسجاة على السرير بلا حول ولا قوة، رشف من فنجان القهوة رشفة واحدة، تركه وخرج، لم يعُدْ لزيارتها منذ تلك اللحظة، اتصلتُ به بعد عام أو يزيد وأخبرتُه بأن أمنا ماتت، وقلت بوضوح: إنه يمكنك حضور جنازتها، قال: إنه سيأتي، وفعلاً أتى، لكن ليس في يوم الجنازة أو من أجل أمنا، أتى بعد أشهر من وفاتها بدعوة من عاهرة يهودية على عيد ميلادها.

زوجته قالت: لم تسألوا عنه في حياته؟ كان قد أشبعها كذبًا وبطولة عنا وعن تاريخه، وزاد على أنه مثَّل دور الضحية التي تكالبت عليها كل الظروف وكل المعطيات، قالت: إنها تحبه إلى درجة كبيرة، فهمتُ منها أن قصة حبهما يمكن أن تكون رواية، هي حرة فيما تقول وتعتقد، ولكني على يقين بأني ما زلت أذكر كلمة خالد لي يومًا: "أنا لا أحب نفسي، وأنا لئيم حتى على نفسي".

هذا الذي بينها وبينه في آخر عمره لا يعنيني أبدًا، فأنا أعرف أن خالدًا لم يتزوج امرأة وهو في أوج صحته، وحتى وهو يتقدم نحو المرض، لكنه حين تعطل كرجل، وأصبح لا يستطيع أن يمارس رجولته وقوة بدنه المعهودة، قرَّر الزواج بفتاة تصغُره بعقود، أليس في هذا ما يمكنُ تأمُّلُه ومراجعتُه؟

ما يعنيني أن يكون رسَم صورة بطولية لذاته نحو الأب والأم، قال بأنه لم يترك والدي محتاجًا يومًا من الأيام، وأنه كان يدفع لممرضة طوال فترة مرض أمي، وقال وقال.

قلت لزوجته ولأصدقائه: كنت سأتجاوز عن أي قول قاله، لو ابتعد بكذبِه حتى وهو يخطو نحو الموت عن والدي ووالدتي، فأنا يمكنني الصمت الكبير لو كانت الكذبة تتعلق بشخصي وشخص إخوتي وأخواتي، لكن أخي كذاب، بما تحمل كلمة الكذب من معنى ومدلولات، فأنا قادم هنا لأضَعَه في قبره، فقط وفاءً وكرامة لأبي وأمي، وليس كرامة لأحد أو شيء آخر.

وإن كان خالد قد غادر الدنيا ودخل عالم الحق، فهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن أتنازل عن حق صاغته الأيام وثبتته الظروف، وإن كان إنكار الجميل والغدر والخيانة التي مارسها أخي نحو الوالدين والعائلة سيكون جزاؤها مني الوفاء لموته ومغادرته الدنيا، فلن أكون أقل إنكارًا لجميل، وغادرًا لعهد، وخيانة لوالدين عاشَا حياة الضنك والفقر والعَوَز والفاقة والجوع والخوف والرعب، من أجل أن أكون اليوم قادرًا على الوقوف لأقول بحقهما كلمة حق وحرف صدق، حتى لو كانت الكلمة ضد أخ تمنيت لو كان يستحق كلمة أخ، المعادلة وضعتني في موقف الاختيار، وكان علي أن أختارَ، بين حق وباطل، وبين كذب وصدق، وبين خديعة ووفاء، فلا أقل أن أكون من أكون مع حق وصدق ووفاء.

قد يظن القارئ أنني أحمل ضغينة أو حقدًا على أخي، ربما من حقه أن يظن ذلك، ولكني أصرح بحقيقة ألمسها تمامًا كما ألمس القلم الذي يخط الكلمات، بأنني لم أحبَّه يومًا، ولم أكرهْهُ يومًا، لم أملِكْ أي اشتياق للقائه، ولم أحاول أيَّ دفع للقاء تم بيننا، إلا لقاءه يوم أخرج زجاجة الخمر وهو يظن بأن والدي سيصمت على ذلك.

الخيار كان سهلاً، فأنا لا أرى بالوجود من أحق بوالدي مني، حتى لو كان الآخر أخي.

قلت لزوجته وأصدقائه: الثروة التي يمتلكها خالد لم تكن من صنع ذاته، لو عدنا للعام ألف وتسعمائة وواحد وستين، وحسَبنا مبلغ الثلاثمائة وخمسين دينارًا بحساب ذاك الزمن، فإن ثروة خالد الحاضرة ربما تتساوى أو تقل عن المبلغ المذكور، وهذا يعني شيئًا واحدًا، أن خالدًا عاش في خير أبي، ومات وهو مدينٌ لأبي.

فأين الرجولة لشخص عاش في خير والد، ومات وهو مدينٌ له، ولم يحاول أن يقدم له سدادًا لدَين مادي، إن أغفلنا دَين التربية والعاطفة والأبوة والإنشاء والرعاية؟!

قيل لي ذات موت: بأن أخاك مات.

قلت ذات وفاء: بأن والديَّ يعمران الكون والحياة، رغم نزولهما إلى حفرة من تراب، لمقابلة عزيز قادر رحيم رحمن.

وما بين الموت والوفاء، تقف الفواصل وتنزاح الجبال، وتغرق المحيطات، وتتصحر الصحارى، لكن في لحظة الوفاء المطلقة ستثبت الجبال، وتفصل الفواصل غرق المحيطات، وتخضرُّ الصحارى.