في أفق الموت

 1

ينسم إلى روحه عبير القهوة مشوقا ممزوجا بأصواتهم التي يتخللها صوت أنثوي وحيد . حرم القهوة منذ أربعة أيام بعد صاعقة إصابته بالخثرة القلبية ( الجلطة ) . فاجأته الإصابة وفاجأت أهله وأحباءه وأصدقاءه ومعارفه قريبين وبعيدين . كيف تصيبه ؟! ليس لديه أي من معللات الإصابة بها . نشيط ، حيوي ، بل رياضي ، لا يدخن . أيكفي كونه في الخمسين علة للإصابة ؟ لا صلة مطلقة للإصابة بالسن ، وإن كثرت بين المسنين . صغار يصابون بالخثرة . غرز الإبر والضمادات في أكثر من مكان من يديه تؤلمه ، وتستنزف استرخاءه وحرية حركته . في جناح العناية المركزة أربعة أسرة . سريره الثالث . كل مريض في حجرة جدرانها ستائر تعزل الأسرة . مات مريض في السرير الأول ، وتلاه في الموت من تلاه في السرير . سمع غرغرة احتضار الاثنين . شاب ومسن . هو الآخر يحوم في أفق الموت طائرا وحيدا . هكذا رأى نفسه . متى يهوي الطائر ويختفي في تلافيف ظلمة العدم ؟! مازح ممرضا : إذا خرجت وانتكست لا تقربوني من السرير الأول ! لمح الممرض الومضة فضحك وقال : إن شاء الله تخرج بالسلامة التامة .

وسرت المزحة بين الممرضين والأطباء . جاءته الممرضة صاحبة الصوت الوحيد بين الممرضين الذين احتسوا القهوة عند مكتب في الممر الذي يحاذي جناح العناية المركزة ممتدا شمالا وجنوبا .

قالت : تحسنت كثيرا يا أستاذ . الدكتور أسامة قال ذلك .

شكرها حامدا الله ، وود استثمار دماثتها ، وسؤالها فنجان قهوة . ورفت في عينه دمعه مستبعدا استجابتها .

 2

نفذت رائحتها الخبيثة إلى قلبه نارية لاسعة . سيجارة . أي جنون عصف بمريض السرير الرابع ؟! رجل نحيل شيئا ، مديد ، له يومان في الجناح . كيف خبأ السم عن الممرضين ؟! دخن الملعونة منتصف الليل . اصطاد خلو الجناح وهدأته . تطرف ألم ماجد . ارتعب . أحس لسعات من أعراض الخثرة أعادته إلى لحظة انفجارها . نادى ممرضا باسمه ، فحضر فور ندائه . قال متألما : عادت الجلطة .

طمأنه : لا تقلق !

ولاح على وجهه انتباه مباغت . شم رائحة السيجارة . قال في صوت حرص على خفضه : من يدخن ؟! دقيقة !

وعاد ، وحقنه بإبرة، فخف ألمه . واتجه إلى السرير الرابع ، وسمعه يكلم المريض : كيف تفعلها ؟!

تريد أن تموت ، وتموت غيرك ؟! أين العلبة ؟

_ آخر سيجارة .

_ أين الولاعة ؟

_ خذها !

 3

ما بال السرير الأول ؟! حظوظ الناس تتمايز ، فهل الأشياء تتمايز حظوظا ؟! يسمع غرغرة . صوت رجل ، طبيب ، أو ممرض يلح : ياحاجة ! ياحاجة ! يا حاجة !

وتختفي الغرغرة ، ويقول الصوت منخفضا عن ذي قبل : رحمها الله ! إنا لله وإنا إليه راجعون . لها عشر دقائق .

 4

حومان في أفق الموت . ثلاثة طيور هوت . صقران ويمامة . ماذا عن اليمامة ؟!

 5

صباحا علم من هي . زميلته في وزارة الإعلام . روعه نبأ موتها . سالت دموعه أسى عليها . عملا معا سنة في نفس القسم بالوزارة ، وتوقفت عن العمل بعد الانقسام في يوليو 2007 . كيف ضربتها عاصفة الخثرة ؟! في الأربعين . في قوة فرس رابية على عشب البراري . وجهها مدور في لون حبة قمح مليئة ، بثت فيه حمرة نضرة محببة ، وعيناها واسعتان يحليهما كَحَل طبيعي . حامت دقائق في أفق الموت العاصف الموحش وهوت في رحيل أبدي . متى يفر من هذا الأفق ؟! متى يهوي شهابا منطفئا في ظلمة الفناء ؟! صباح اليوم السادس لدخوله جناح أفق الموت ، قال له الطبيب المناوب : سننقلك إلى الباطنية . تحسنت جدا . كيف ترى حالك ؟

_ الحمد لله .

_لن ينقلوك إلى السرير الأول .

ابتسم وقال : هذا السرير غريب . ابدؤوا برقم اثنين !

وتذكر زميلته ، وهمس : رحمك الله يا عالية ! خلا مكتبنا في قسم المطبوعات منك حية على أمل عودتك بين حين وآخر ، ويخلو منك الآن خلوا لا أمل في عودة بعده .

 6

عاد بعد يومين إلى مستشفى الأقصى ليعرف موعد ذهابه إلى المستشفى الأوروبي لتحديد موعد إجراء عملية القسطرة . صدمه الموعد . بعد شهرين . بعد شهرين ؟! خف ألم الخثرة خفة ملموسة ، لكنه يعاوده دون قسوة بعد الأكل أو حين يسير بسرعة ولو قليلة ، فيضطر للتوقف دقيقة أو دقيقتين ، فيخف الألم ، ويتابع السير ، فيعود . يتذكر أسي النفس :" ... وكانت خطوتي خطوة الليث إذا الليث هجم ". كم عدا فتى وشابا على الطرق التي لا يستطيع السير عليها الآن إلا بتوقفات والتقاطات أنفاس ! وإذا سار في الحر احتد الألم والضر . بعد شهرين ؟! أيؤجل علاجُ داء في خطورة الخثرة القاتلة المفترسة شهرين ؟! ما فتىء يحوم في أفق الموت المظلم بالوحشة والأسى . قد يلحق بالشاب والمسن وبعالية فرس البراري الجميلة قبل موعد العلاج . قد يباغته مصير مرضى السرير الأول وإن لم يرقد فيه .

وسوم: العدد 630