غدا يوم القيامة

clip_image002_45eba.png

أخبروني أيها الملاعين

كيف تفكرون ..؟؟

كيف تضلون وتفسدون ..؟؟

إن كنتم بنصركم تفرحون

وبعذابكم لي تتندرون

أخبركم ...

موعدنا يوم القيامة

ساعتها ستوقنون

أن من يضحك أخيرا .. هو أنا

ولا عزاء لأي ضال مخبول

بإرادته اختار المجون

اختار الجنون

مصطفى عاصم

(المشهد الأول)

***************

تحركت رقبتي .. وتحركت بعدها رأسي في شكل نصف دائري .. ببطء .. في شكل دفعات حركية مملة .. واستقرت  الاثنتان في شكل  عمودي تماما .. على جسدي الخشبي .. الذي استقطب ناحية الغرفة .. ليمتد ظلي ضلعا قويما ليضرب نقطة ركن المكان .. بين الحائطين بالضبط

استطال جسمي .. وانفرد .. بعدما التصقت ساقاي عفويا .. صار ممشوقا .. منتصبا .. كعمود حديدي وسط الفراغ توحدت الأجزاء والأعضاء .. لأستقطب كليا ناحية زاوية الحجرة .. باتجاه بوصلي ثاقب .. عارفا .. ومدركا .. ومتيقنا .. أن في آخر هذا الاتجاه .. كعبة الله وبيته المشرف .. وأن جسدي موجه بدقة لقبلته ..  وأن الوقت .. وقت صلاة .. ذراعاي يتصاعدان .. وينثنيان .. بكفي .. بأصابع مستقيمة .. خلف أذنين لا يكادا يظهران أبدا من صغرهما .. أهمس في خشوع لأبدأ صلاتي .. (الله أكبر) .. ثم أحاول أن أرخي ذراعي .. لأضمهما إلى بطني .. في وضع القيام .. ينساب ذراعي الأيسر في يسر .. بينما ظل ذراعي الأيمن خلف أذني .. ورفض الانسياب .. أحاول أن أرخيه فيعصى .. أتعنف في دفعه فيأبى .. أخرج من خشوعي .. وأنظر إلى يميني .. فأجد أن ذراعي معلقا بين خيوط كثيرة مدلاه .. ما هذا؟؟؟ .. خيوط تمتد من أجزاء جسدي المقسم .. لأعلى .. خيوط .. خيوط .. خيوط .. وذراعي الأيمن حبس في عقده من مجموعة خيوط .. ولا فكاك

أحاول أن أجد تفسيرا لخيوطي المعلقة .. وأتفحص أجزائي .. وأمسح ببصري .. كل جسدي وأركاني .. مرة ومرة .. لأكتشف في نهاية الفحص .. أنني دمية

نعم أنا دمية .. دمية ماريونت

>>>>>>>><<<<<<<< 

(المشهد الثاني)

***************

هاهاهاهاهاهاها

ضحكة قوية مجلجلة .. تصل لأذني الخشبية المثقوبة بيد بشرية .. وتوحي لي بأنها ضحكة هازئة ومألوفة لسمعي الغلبان .. يعقبها صوت صاحب الضحكة الأكثر ألفة وكأنه مدموغ في منتصف رأسي الخشبية

إذن علقت يدك مرة أخرى يا مخلوف .. لا بأس .. أقطع لك خيطا آخر لأحرر ذراعك .. كما كل مرة .. طالما ترفع يدك للصلاة .. سيعلق دوما أحد ذراعيك .. وربما الاثنين .. وكل مرة أقطع لك خيطا .. حتى أظن أنني سأراك فيما بعد متهدلا بدون خيوط

وتتهاوى ذاكرتي لعقلي الخشبي مرة أخرى .. ككتلة صلب تهوى من أعلى على أرض ساكنة مبتلة بالخير لتصدمها وتؤذيها .. وتذكرني أنني دمية ماريونت .. اسمي مخلوف .. وأتصل بخيوط كثيرة .. كثيرة .. ليد أصابعها تبدو للآخر .. ساكنة لا تتحرك .. والآخر هو دمية ماريونت أخرى .. اسمه متلوف .. خيوطه أكثر من خيوطي بكثير .. ودائم التحرك .. أصابع خيوطه المدلاة .. تتحرك دائما .. بشكل أفعواني كثعبان سام

وعند كل مرة أتأهب لصلاتي .. وأخشع .. عندما أنعزل عن عالمي الخشبي الصغير .. وكل مرة أفقد ذاكرتي واتصالي بموجوداتي .. لأفيق من بعد على مؤامرات واستهزاء متلوف

ويتحرك متلوف ناحيتي بخيوطه اللعينة .. وفي أصابعه الخشبية مقص صغير .. ويقطع خيطين من خيوط ذراعي الأيمن .. فيحرر من شباكه ويسقط سريعا متهدلا .. مشلولا .. لا يقوى على الارتفاع مرة أخرى

>>>>>>>><<<<<<<< 

(المشهد الثالث)

***************

هاهاهاهاهاها

هذه الضحكة السافرة السافلة .. تهز أركان عالمنا الخشبي الصغير مرة أخرى

متلوف        : أراك بيد مشلولة يا مخلوف .. لا تقوى على رفع حتى خنصر أو بنصر .. قلت لك دائما .. طالما ترفع يدك لتنوي الصلاة .. فأنت ميت حقير .. لا شأن لك .. لا صلاة لك هنا

مخلوف         : ماذا تريد مني يا متلوف؟؟ .. ماذا يضرك من صلاتي؟؟

متلوف        : لمن تصلي أيها الصنم الخشبي؟

مخلوف         : أصلي لله الخالق الواحد الأحد

متلوف        : وهل صدقت نفسك؟ .. وهل صدقت أنك مسموع الصلاة؟ .. أنت لست إلا دمية خشبية

مخلوف         : وما من شيء إلا ويسبح بحمده .. ولكن لا يفقهون صلاتي .. صلاتي هي لله فقط .. وهو الذي يسمعها .. وهو السميع العليم .. ولا يهمني أن يسمعها أحد آخر

متلوف        : ولن يسمعها أحد .. ولن يسمعها حتى إلهك

مخلوف         : معاذ الله .. تعالى وتنزه .. هو المحيط بكل شيء .. وهو العليم الخبير

متلوف        : إذن لتعرف ولتدرك جيدا يا مخلوف أنني لن أسمح بذكر إلهك هنا .. هنا عالم آخر .. دنيا خشبية وخيوط .. وأياد تحركنا .. ولا مجال لهرائك هذا

مخلوف         : سبحانه .. وسع كل كونه علما .. وسبق قدره كل الأزمان والأذهان .. ووجب علينا لطلاقة قدرته الصلاة لعظمته والتسبيح لجلاله

متلوف        : تتحداني إذا أيها التمثال الخشبي الأخرق؟

مخلوف         : لا أتحداك .. بل هو حقي أن أتضرع إلى الله .. كما هو حقك أن ترفضه إلها .. وكلانا دمى خشبية .. لا تنسى هذا

متلوف        : لن تقيم صلاتك هنا .. سأمنعك .. سأطردك .. سأقتلك .. وأحذرك .. أمامك ثلاثة أيام .. وموعدنا اليوم الرابع .. وفي اليوم الرابع .. إما أن تكفر بإلهك أو ترحل من هنا .. بدون خيوط كدمية مشلولة .. وتلقى في قمامة الدمى

مخلوف         : صدق من سماك متلوف .. لأنك تتلف كل ما يخلف ويصلح .. وأنا أقول لك .. موعدنا الحقيقي هو يوم القيامة .. يوم تتجلى كل حقيقة .. وتتكشف كل خديعة .. ويتجلى المولى فيعذب كل تالف .. وينجي من سلك دربه

متلوف        : موعدنا اليوم الرابع أيها الأبله

مخلوف         : بل موعدنا يوم القيامة أيها الغافل

وأنحي بصري عنه .. وتلتفت رقبتي ناحية بيت الله .. ويعتدل جسدي .. وأرفع يدي اليسرى .. وهي ما أملك لأنها بخيوطها .. أما يمناي .. فهي مستقرة بخيوطها المقطوعة .. مشلولة تتخبط في جسدي .. وأستعد وأتأهب .. لأعلن صراحة أن (الله أكبر) .. أكبر من كل غافل جاحد .. تالف .. وعندها .. تحركت أصابع خيوط متلوف بأفعوانية الثعبان السام .. ويأتي متلوف بإناء صغير .. ويلقي بما فيه من ماء قذر .. فيلطخ وجهي وجسدي

أرتبك وترتبك يدي اليسرى .. وتعلق في خيوطها .. وبحركة أسرع من سابقتها .. يسرع إلي متلوف بمقصه الصغير .. ويقطع كل خيوط ذراعي الأيسر .. ليسقط هو الآخر مشلولا .. مأسوفا عليه .. بلا حول له ولا قوة

>>>>>>>><<<<<<<< 

(اليوم الأول)

***************

أقسم بعظمتك وجلالك يا أكرم الأكرمين .. يا من خضع له كل جبار أثيم .. لأصلين لك حتى لو لم يبق من جسدي غير أناملي .. حتى لو لم يقو على الانحناء مني والسجود إلا أهدابي الخشبية

سمع متلوف همسات صدري وهمهمات لساني وصاح

متلوف        : أذن أرني كيف ستسجد بأظافرك ورموشك .. ستتساقط وتتهاوى يا مخلوف جزءا جزءا .. أطعني واترك عبثك هذا قبل أن يأتي يومك الرابع فتتلاشى تماما .. اسمع .. أنا أستطيع أن أعيد أليك خيوطك .. أن أصلها من جديد .. مشدودة .. جديدة .. ولكن لتطعني .. اعلن كفرك بهذا الإله الذي تنحني كل أعضاءك له

وألملم شتات صبري واحتسابي وأستجمع جزيئات منطق العقل .. وأحل عقدة لساني المكلوم .. وتتحرك عضلاتي الخشبية المحيطة بذراعين مشلولين

مخلوف         : قل لي يا متلوف .. حقيقة أود أن أسألك سؤالا يلح في ذهني منذ أن وجدتك أمامي هنا

متلوف        : وما هو يا رفيقي العزيز؟

مخلوف         : هل تؤمن بوجود إله أو رب أو أي قوة خارقة فوق قوانا؟ .. وقوى من هو أقوى منا؟

متلوف        : تتذاكى علي يا مخلوف؟ .. تريد أن تقتلع مني عفوا مغلفا .. وإدانة عارية؟ .. ولكني أذكى منك .. وأجيبك يا رفيقي بكل صراحة .. ربما كانت هناك قوى أقوى مني .. وأقوى ممن هو أقوى مني .. هذه القوى كثيرة ومتعددة .. وإذا كان يحلو لك أن تسمي كل قوة رب .. فليكن .. ولكني لا يحلو لي هذا الاسم .. واذا كان ولابد .. فهي عدة قوى تساوي عدة أرباب .. لا يعنيني أبدا وجود رب .. ولكن ما يعنيني هو كيف أصل لقوة هذه الأرباب وكيف أسخرها لتخدم قوتي

مخلوف         : إذن لا تؤمن بوجود رب واحد؟ .. أحد صمد؟ .. ليكن .. ولكن أسألك سؤالا آخر .. ماذا تظن أن يحدث لك بعد أن تموت؟ .. أنت قطعا ستموت .. كلنا سنموت .. أنا واثق من عدم شكك في هذه الحقيقة .. كلنا سنفنى .. هل لك أي تصور لما يمكن أن يحدث لي أو لك مثلا؟ .. هل تتخيل هذا؟

متلوف        : يا صديقي اللدود .. ما زلت تتذاكى .. اسمع .. أنا أعيش .. أتنفس أتكلم .. إذن أنا أحيا .. إذن أنا أعرف معنى الحياة .. أعرف إني قوي .. أعرف أنه يجب أن أزيد من قوتي .. وأسعى أن أسخر كل قوة لتكون هي قوتي .. حتى لو كانت قوة ربك التي صدعت رأسي به .. وتحني رأسك له .. أعرف جيدا ويقينا أني سأموت .. كأي شيء يموت .. ولا أعرف أن بعد الموت شيئا مهما يستحق أن أشغل فكري به .. إذن حياتي هي التي أعيشها الآن ولابد أن أستمتع بها وأستغلها إلى أقصى مدى .. وعندما أموت .. فقد مت .. وأنتهي

مخلوف         : وإذا تبين لك أن بعد حياتك هذه .. هناك حياة أخرى .. ماذا تقول؟ .. ماذا تفعل؟

متلوف        : هذا هو كلام خرافاتك .. وغيبياتك التي تأتي بها من عند إلهك الافتراضي .. أنا أثق بما أراه وألمسه .. ولا أؤمن بأي شيء ليس ملموسا أمامي .. أنا أثق في قوتي التي قطعت خيوط ذراعيك .. وليس هناك من قوة تعيدها إلى الحركة .. إلا قوتي أنا .. وأنا فقط

مخلوف         : لا فائدة .. فعلا ليس هناك أي فائدة .. أي نقاش منطقي معك هو مضيعة للوقت .. أتركني لحالي .. أنا أريد الصلاة

متلوف        : كيف وأنت مشلول الذراعين؟ .. ألم تعتبر بعد؟ .. أتمضي في طريقك للهلاك أيها الأبله المسكين؟

مخلوف         : اتركني وشأني .. وصلاتي وربي .. الذي هو ربك ورب العالمين

أحني رأسي خشوعا للمولى .. استعدادا لتقديسه وتعظيمه .. ذراعاي تتأرجحان .. شللا وعجزا .. ولكني لا آبه .. أرفع قدمي اليمنى .. بساقاي وفخذي .. بكل الخيوط .. وكل المسامير التي تربط أجزائي الخشبية .. لأهمس همسا لصدى هدير أعتى زلزال في الأنحاء .. (الله أكبر)

أسمع متلوف يزوم ضجرا وغضبا .. يجري إلي بخيوطه ومقصه الصغير .. يثني جسده وينحني .. وفي إجرام غير مسبوق .. يقطع كل خيوط ساقي اليمنى .. وفخذي .. وقدمي .. ليسقطوا جميعا بلا عزاء .. بلا أسف .. وأميل بكل جسدي ليميني .. أوشك على السقوط.

>>>>>>>><<<<<<<< 

(اليوم الثاني)

***************

هاهاهاهاهاها

ضحكة المتلوف إبليس .. الشيطان التالف تجلجل بزهو أخرق .. لا ترهبني .. ولكنها تثبت لي نصرة الموقوت .. اللهم يا مالك الملك .. يا مغيث العباد .. كل العباد .. يارب الجماد .. أغثني منه وانصرني عليه

متلوف        : بماذا تهمس؟ .. أتدعو ربك؟ .. ألم أقل لك أنك الخاسر؟ .. ألم تفهم بعد؟ .. أطعني واسمع قولي حتى لا يأتي يومك الرابع فتهلك تماما.

مخلوف         : يوم نصري الحقيقي .. هو يوم لا تنفع فيه ضحكاتك .. ولا يغني عنك مقصك هذا شيئا .. يوم الفصل ليس رابعا ولا ثالثا .. يوم هزيمتك هو يوم القيامة .. يوم أن تحرق حرقا

متلوف        : يوم القيامة الذي تتحدث عنه هو اليوم الذي أحرقك فيه أنا بعد أن تتكدس أمامي كالذبيحة .. هاهاها .. تخيل .. ذبيحة خشبية .. هل أحرقك نائما؟ .. أم واقفا؟ .. أخبرني يا مخلوف .. هاها

مخلوف         : معاذ الله أن يملك أي كائن من كان قدرا أو حظا .. مالا أو سلاحا .. يوم القيامة .. هو يوم الدينونة .. كل آتيه خانعا .. خائفا .. إلا من أتى الله بقلب سليم

متلوف        : يوم القيامة هو يومي أنا .. سأحرقك فيه

مخلوف         : افعلها إذن إن استطعت .. عسى الله أن يعجل به لتراه رأي العين .. قبل إرهاصات الغيب .. افعل ما شئت يا متلوف .. واقض ما أنت قاض .. اتركني لأصلي صلاتي الأخيرة.

أوجه رأسي للقبلة .. أخفض عيني خجلا .. رهبة من المولى .. أحاول أن أرفع فخذي الأيسر بصعوبة .. أقول جهرا بكل فخر .. (الله أكبر)

يسرع إلي متلوف مزمجرا .. صارخا بغيظ .. لا .. لا .. لن تصلي

يمسك بفخذي الأيسر ويقطع كل الخيوط .. لأسقط على ركبتي .. مشلولا .. بلا أذرع .. بلا سيقان

>>>>>>>><<<<<<<< 

 

(اليوم الثالث)

***************

اللهم إني أشكو إليك ضعف حالي وانهيار جسدي .. وهواني على مخلوف .. اللهم ردني إليك ردا عزيزا جميلا .. وأرني في هذا المتلوف غضبك وانتقامك في دنياي الباقية إن بقى .. وفي الآخرة يا قدوس

متلوف        : تهمس وتدعو ثانية؟ .. أتعلم أن اليوم هو الأخير وأن غدا هو يوم هلاكك إن لم تتبعني؟ .. اتبعني يا مخلوف ..ولن تندم .. سأعيد حياكة كل خيوطك .. ستتحرك .. سترفص .. ستلعن إلهك

مخلوف         : وإذا لعنت إلهي .. من يكون لي إلها أقدسه وأعبده

متلوف        : لتقدسني أنا إذن .. أنا أعطيك القوة .. أمنحك الحركة .. أوهبك البهجة

مخلوف         : أنت؟ .. معاذ الله أن أحني رأسي لغير الله الواحد القهار

متلوف        : أطعني يا مخلوف .. لم يبق لك أي وقت .. غدا هو يوم هلاكك إن لم تلعن إلهك وتتبعني.

مخلوف         : بل غدا هو يوم القيامة .. لك ولأمثالك

متلوف        : أطعني .. أنت ضعيف .. مهزوم .. مقهور

مخلوف         : لله الأمر من قبل ومن بعد .. يدبر الأمر .. ويقلب القلوب والأحداث كيف يشاء

متلوف        : إذن .. أنت مصمم .. ولست خائفا .. حتى في وضعك هذا كالعبيد .. جاثيا على ركبتيك بلا حول .. بلا قوة

مخلوف         : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي القدير

متلوف        : ستهلك .. غدا ستهلك

مخلوف         : بل غدا هو يوم القيامة .. لأصلي آخر صلاتي قبل القيامة

وفي وضعي هذا العجيب الغريب .. كالعبيد جاثيا .. لله وحده .. عبدك المنيب .. أرفع عيني للسماء .. ثم أخفض رأسي .. هاتفا .. هادرا .. الله أكبر

الملعون يصرخ .. وقد تعدى غيظه حدود الغضب .. لا .. لا .. أيها الملعون

متلوف يمسك بظهري ورقبتي .. ويقطع كل خيوطهما لأسقط على الأرض أفقيا .. كما قال  .. ذبيحة خشبية

>>>>>>>><<<<<<<< 

(يوم القيامة)

***************

متلوف يحوم حولي كحيوان مفترس .. يتلاعب بأعصاب فريسته المقهورة .. قبل الانقضاض .. قبل الموت .. وقبل القيامة.

جاءت اللحظة الحاسمة .. كالشعيرة الرقيقة .. بين ثبات الإيمان ورسوخه الأبدي .. وإن كان بعده الهلاك نفسه .. وبين الضلال والكفر بقدرة الإله .. وإن كان في ذيله الرخاء

أعرف يقينا أن يومي هذا لن يكون القيامة .. حتى لو أراد الله أن يمرر صورته لأذهاننا من وقت لآخر .. وواثق أيضا أنني وإن هلكت الآن بيد متلوف .. فإن يوم القيامة آت لا محالة .. وأن ما بين هلاكي والقيامة غيب

الغيب .. كيف غابت عني هذه الكلمة طوال جدالي مع متلوف .. أنا أؤمن بالغيب الذي أره .. ولم أعرف له دليلا يعرفه .. ولم أر له نموذجا يجسده .. ولكني أؤمن به

آآآآآه .. اللهم يا مالك الملك .. آتني بغيبك في قيامة حاضرة لتهلك متلوف .. وإن كان قدرك أن أهلك أنا .. فأرن فيه يوم قيامتك .. عجائب قدرتك

متلوف        : أخبرني يا صديقي .. في لحظاتك الأخيرة .. قبل قيامتك .. على أي صورة تحب أن يكون هلاكك؟

مخلوف         : ألم تلحظ قط يا متلوف أنك مربوط مثلي ومعلق بخيوط كثيرة؟ .. وأنك إن قطعتها بيديك فلن تستطيع وصلها .. وستصير مثلي .. نحن الاثنان يجمعنا شكل واحد .. خلقة واحدة .. مصيرنا ليس بيد أحد منا دون الآخر .. خيوطنا معلقة .. تمتد لأعلى .. لأعلى للمولى يا متلوف

متلوف        : لا فائدة من هذيانك هذا .. ولن تجدي معي فلسفتك الفارغة .. ولن تستطيع أن تفر بحياتك .. قيامتك رهن إشارتي .. وبمناسبة هذه الخيوط التي تحدثني عنها .. لن أتخلص منك وأنت على حالتك هذه .. مقطع الخيوط .. مشلولا .. حتى لا يقال أنني انتهزت عجزك لأقيم قيامتك .. بل سأحيك كل خيوطك لتعود كما كنت .. سليما .. معافا .. ولتطلب من إلهك أن ينقذك إن استطاع .. ولكني سأوثقك أولا حتى لا تهرب

وفي بطء شديد وتمهل .. بدأ متلوف يوثق يدي وساقي .. مستمتعا كأنه يتذوق وجبة ساخنة لذيذة

وبعد أن ينتهي .. بدأ في حياكة أول خيوطي المتقطعة .. ظهري ورأسي .. حتى انتهى .. ورفعني لأعلى

وانتصبت مستقيما لأول مرة .. منذ بداية جدلي .. وبهدوء ممل .. أخذ متلوف يحيك كل خيوطي .. كلها .. حتى عادت هيئتي الأولى .. وصرت سليما معافا .. ولكن مربوط .. مكبل .. أنتظر يوم القيامة

متلوف        : هاهاهاها .. أنت الآن على أتم الاستعداد .. ألك أي رغبة في قول أي شيء قبل النهاية؟

وكأني أتصبب عرقا .. أحسست بعروقي الخشبية .. كأنها ألواح ثلجية .. تتصبب عرقا ساخنا

مخلوف         : موعدنا يوم القيامة .. موعدنا يوم القيامة

ولم يأبه متلوف بكلماتي المتكررة .. وأتى بأشيائه التي لا تستعصى عليه .. قنينة بها سائل للاشتعال .. وعلبة ثقاب كبيرة .. وأخذ يغمر جسدي بالسائل وهو يبتسم في وجهي ابتسامة إبليس عندما مد آدم يده للشجرة المحرمة .. وأنا أردد بصوت عال (أشهد أن لا إله إلا الله .. وأن محمدا رسول الله)

أخرج متلوف عود ثقاب كبير وأشعله .. واقترب مني ليلقيه على جسدي

وعندها تزحلق وزلت قدمه .. ليترنح وتطال طرف النار آخر خيطي المعلق بعيدا عن جسدي المبتل بالسائل .. تسقط القنينة على جسد متلوف ويغرقه السائل ويغمره .. ويسقط نفس عود الثقاب عليه .. يسقط على ظهره .. وتشتعل النار بسرعة رهيبة في جسده وهو يصرخ .. ويصرخ .. النار تلتهم بسرعة جسده الخشبي المبتل بالسائل

العاشق للنيران .. أراه أمامي يحترق في ثوان .. وبسرعة .. وتتضاءل صرخاته وتخفت وسط النيران .. حتى يصمت تماما .. صريعا ممددا على الأرض .. ميتا والنار تواصل التهام باقي جسده الخشبي

>>>>>>>><<<<<<<< 

يحترق طرف خيط يدي المعلق .. وتنحل عقدته

يداي تتحرران

جاءت القيامة .. وانتهت

الآن علي أن أصلي

رفعت كفا يدي .. وراء أذني .. وأخفضت رأسي وبصوت قوي بدأت صلاتي

(الله أكبر)

وسوم: العدد 646