ذاهب إلى الجبهة

هذا ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺫﻭ ﺍﻟﺘقاسيم الفرعونية الهلشة ، ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﻤﺮﺑﻊ والمسمى "خبير" ﺧُﻠﻖ ﻭﺑﺪﻣﻪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻮهبة ، ﺃﻗﺼﺪ ﻣﻮﻫﺒﺔ التنقيب عن الذهب . ﺟﺎﺀ ﺑﻪ صديقي "مهدي" قبل مدّه ﻭﻳﺒﺪﻭ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻮﺿﻰ الدائرة في البلاد ﺃﺛّﺮﺕ به ﻓﻌﻶ اذ شلح شارباه و ارتدى لحيه ﻃﻮﻳلة كثّه كما ﺃﺣﺎﻁ ﺧﺼﺮﻩ ﺑﻤﺴﺪﺱ ﺗﺸﻴﻜﻲ ﻃﻮﻳﻞ .

ﻭﺑﺎﻟﻘﺮﺏ ﻣﻦ ﺑﻴﺘﻲ في الريف الجنوبي من الهضبة في الجولان قطعة أرض بور قد ورثتها عن أبي ، وبها ﺑﻌﺾ الإﺷﺎﺭﺍﺕ ﻣﻦ ﺣﻘﺐ ﺯﻣﻨﻴﻪ سحيقة ﺟﺪﺁ .

جلسنا ثلاثتنا ثم ابتدر مهدي حديثه بهدوء لم أعتد عليه , فأنا أعرف أن تلك السكينة ليست من طباعه وان الكل في قريتي يصفه "براديو بشري متحرك" ، لكنه اليوم على خلاف ذلك ، هادئ حتى النهاية المرّة وعباراته تستند الى لغة كنائسيه رفيعة الروحانية وبين اللحظة والاخرى كان يطبع على وجهه ابتسامه مطمئنة في الاسترسال مثل لوحة زيتيه لـ ماري مينيفييه.

 اذ تحدث مطولاً وبلباقة عن قدرات هذا الرجل في حل رموز ولوغاريتما الاشارات الحجرية وعن الحالة السيئة التي وصلت اليها البلاد بعد اندلاع الثورة للإطاحة بالرئيس وحزبه منذ خمس سنوات ، وفي نهاية الحديث  أفصح عن نيته إخراج كنز مدفون في ارضي.

 ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﻻﺡ ﺍﻟﺘﺮﺩﺩ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻬﻲ لكلامه زحف بقربي موسوساً لأنه لا يقدر إلا ان يعود لأصوله البدوية النزقة :

-  هل انت غبي أقول لك أنت تنام على كنز ولازلت تتبرم بوجهك الناشف أمام هذا الخبير .. افهم رح نزنكل يا أهبل.

ثم ﺃﺧﺬا يجاهدان لإقناعي عبر الحديث المستفيض عن الاحلام ، إذ تربّعا حولي وراحا يقنعاني مثل تجّار العجول في قريتي أحدهم يشد والثاني يُرخي.

ﺃﻣﺎ ﺃﻧﺎ ﻭﺑﻔﻢ ﻓﺎﻏﺮ ﻳﺘﺴﺎﻳﻞ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻠﻌﺎﺏ ﺃﺧﺬﻧﻲ كلامهما عن الأحلام بعيداً ، الى بلاد لا تشبه هذه البلاد . وفي غمرة انشغالي بأحلامي تلك ، أخذ مهدي يمرر يده ملوّحاً بها أمام عيناي الجامدتان ، وبحماسه منقطعة قلت:

-          متى سنبدأ البحث؟

سمع مني الخبير ذلك فتململ بابتسامه عريضة وأدار رأسه اليّ مجيباً :

-          الليلة استاذ جوهر ..

ﺍﺗﻔﻘﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻤﻞ ، وﻛﻨﺎ ﺳﺘﻪ ﻭﻫﺬﺍ الخبير ﻳﺘﺤﺪﺙ ﻣﻦ ﻓﻢ ﻭﺳﻴﻊ ﻳﻄﻦ ﻭﻻ ﻳﻬﺪﺃ ﻣﺜﻞ ﻋﺶ ﺍﻟﺪﺑﺎﺑﻴﺮ ، ﻭﻗﺒﻞ ﺍﻟﺒﺪﺀ ﺍﺧﺬ ينط ﺣﻮﻟﻨﺎ ﻓﻮﻕ ﺍﻟﺼﺨﻮﺭ ﻣﺜﻞ ﻗﺮﻭﺩ ﻧﻴﻮﺯﻳﻼﻧﺪﺍ ، ﺃﻣﺎ ﺃﻧﺎ ﻭﻓﻲ ﻭﻟﻴﺠﺔ ﻧﻔﺴﻲ ﺳﻮﻟﺖ ﻟﻲ ﻟﺤﻴﺘﻪ ﺍﻟﺼﺪﺋﻪ ﻭﺻﺪﻏﺎﻩ ﺍﻟﻤﻨﺘﻔﺨﺎﻥ ﻛﻤﻮﻣﻴﺎﺀ ﻓﺮﻋﻮﻧﻴﻪ ﺃﻥ ﺃﺅﻣﻦ بمبادئ الانتخاب الطبيعي ﻟﺪﻯ ﺩﺍﺭﻭﻳﻦ "ﻭﺑﺄﻥ ﺃﺻﻞ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺳﻌﺪﺍﻥ".

ﻓﺒﻌﺪ ﻛﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻂ ﺍﺳﺘﻘﺮ ﺣﺎﻟﻪ ﻓﻮﻕ ﺭَﺟﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺨﻮﺭ ﺍﻟﻘﺎﺳﻴﻪ . ﻭﻗﻒ ﻭﺑﻌﻴﻨﺎﻥ سيئتي ﺍﻟﺘﻜﻮﻳﻦ و ﺭﺍﺡ ﻳﻤﺨﺮ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻝ :

-          ﺑﺎﺷﺮﻭﺍ ﻣﻦ ﻫﻨﺎ.

 مشيراً ﺑﺈﺻﺒﻌﻪ ﺍﻟﻰ ﻣﻜﺎﻥ ﻭﻗﻮﻓﻪ.

ﻳﺒﺪﻭ ﺍﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻻ ﻳﺮﻯ ﺍﻥ أﻗﻞ ﺻﺨﺮﻩ ﺗﺰﻥ ﺿﻌﻔنا ﻧﺤﻦ ﺍﻟﺴﺘﻪ ، لذا خيّم التردد والقلق على وجوهنا . وعندما رأى فتور عزيمتنا أخذ ﻛﻌﺎﺩﺗﻪ يزوّق ﺃﻣﺎﻣﻨﺎ ﻃﺮﻳﻘﺂ ﻣﺴﻮﺭﺁ ﺑﺎلأحلام ﻭﺃﺧﺬ يذكّر كل واحد منا بحلمه. ﻭﻋﻠﻴﻪ ﺳﺤﺒﻨﺎ ﺍﻟﺮﻓﻮﺵ ﻭﺍﻟﻔﺆﻭﺱ ﻭﺷﺮﻋﻨﺎ ﻧﻨﻘﺐ , ﻛﻞ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻨﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﻨﻘﺐ ﻋﻦ ﺣﻠﻤﻪ ﻟﺬﺍ ﻛﻨﺎ ﻧﺤﻔﺮ ﻣﻦ ﻗﻠﻮﺑﻨﺎ ﻓﻲ ﺑﻠﺪ ﻟﻢ ﻳﺆﻣﻦ ﻳﻮﻣﺂ ﺑﺤﻠﻢ.

 ﺃﻣﻀﻴﻨﺎ ﻟﻴﻠﺘﺎﻥ ﻧﺰﻓﺮ ﺍﻟﺘﻌﺐ ﻣﻦ ﺧﻴﺎﺷﻴﻤﻨﺎ ومؤخراتنا . وفي يومنا الثالث ، وعلى بُعد ثلاثة امتار ويزيد هو عمق الحفرة يقف خبيرنا كما في اليومين السالفين مكوراً ساقاه ومرددا فكاهاته التي لم تضحك أحداً ، ثم ينفث الدخان من أنفه و يصفّر بنشاز لحناً لأغنية قديمة (بلاد العرب أوطاني) ثم يكمل حديثه الممل عن حبه الأفلاطوني لفتاة احبها منذ عام.

أما أنا فيزيدني شوق اوروبا وفتاة احببتها جهداً فوق جهد ، لعلي ان وجدت ذاك الكنز استطيع أن اضع يدي بيدها واتجه معها الى مجتمع الوفرة الغربي أو الى اي مكان يعجّ بالهدوء حيث يهدأ هذا القلب و لا استيقظ فيه على صوت مدفع أو اسمع احدهم يتحدث في السياسة او الحرب ، ويبدو أن رفاقي يقاسموني تلك الاحلام ، اذ كنا نعد كل حبة تراب تخرج ونقيس كل ميليمتر.

لكن فجأة يخرج أحدنا من الحفرة وقد تغبّر رأسه من التراب ثم يرفع يده عالياً ممسكاً بعلبة صدئة من التونة الفارغة و شظيه يبدو أنها من تركات الحرب العربية - الإسرائيلية الثالثة أو الرابعة أو لربما لحربٍ نعيشها ، ثم صرخ بوجع :

-  هذا هو الكنز ..

في غمرة خيبتنا تلك حل صمت شفيف على الجميع وقفوا وقد لوّحت سني الحرب الخمس وايام الحفر الثلاثة وجوههم المتعبة. أحدهم يلوّح برفشه قاذفاً به الى البعيد ، وآخر يلقي بجثته على حجر ثم يمسك بيده علبة التونة الصدئة ويرسم بها خطوطاً على التراب وثالث يقترب منه و يربت على كتفيه مواسياً ، ثم يصمت قليلاً ويسأل بعصبيه فوق أنف يرشح عرقاً وغِلاً وموجهاً كلامه للخبير:

-         إلى متى تبقى تطاردنا الحروب ..  اين الكنز يا سيادة الخبير ..؟

 وبخوف صفق الخبير يداً بيد ثم أجاب بقلق :

- يبدو .. أني أخطأت ايها الرفاق .. علينا أن .. أن نحفر مجدداً ..هناك..

ثم أومئ برأسه في حركه بطيئة تنم عن حيره الى تله صغيره بالقرب من حفرتنا.. سمع منه الرفاق ذلك ثم التفوا حوله بغيض وجروه الى قلب الحفرة كما جدل احدهم عنقه تحت إبطه المتعرق ثم تلا ذلك طرق الكفوف.

استطيع ان اسمي هذا الزمن الضئيل من حياتي بالخيبة ، اذ تسايلتُ بالقرب منهم كقطرة محكوم عليها السقوط وقبل ان انصرف لم أسمع منه سوى التوسلات المردد :

-          يا شباب أنا أكبر منكم سناً .. الوجه فيه ماء يا شباب .. استاذ "جوهر" قل كلمة .. لما تضربوني .. اتقوا الله يا شباب .. أي.. آه.

بعدها تداركت خيبتي وحملت فوق كتفاي المهزومان رأسي المتعب ومضيت . خلفي يتبعني صوت أحدهم متسائلاً عن وجهتي ، عدت اليه ، أمسكت يده وضعت بها الشظية ومضيت.. وطوال الطريق بينما كنت أصفّر مغنياً "سوريا يا حبيبتي" الكل ينظر إلي متحزماً للرحيل.

تمت

وسوم: العدد 654