أحسن الظن

دخلت (آلاء) البيت غاضبة الوجه عابسة ، سلمت بعصبية على والدتها ودخلت حجرتها مباشرة ، لاحظت والدتها هذه العصبية وذلك الغضب على ابنتها .. لحقت بها إلى غرفتها .. قرعت الباب واستأذنت في الدخول إليها .. قالت الأم بحنان :

ـ ما بك يا آلاء ؟ لماذا هذا الغضب ؟ ما اعتدت منك إلا الفرح والسعادة ..

قالت آلاء بحزن :

ـ لقد طلبت من صديقتي أن تحضر لي أدوات الأشغال الفنية لأني لا أستطيع شراءها لبعد المكتبة عن بيتنا ، ولكنها لم تأت اليوم إلى المدرسة أصلاً ، فوبختني المعلمة على تقصيري وأنقصت من علامتي في مادة الفن ..

قالت الأم :

ـ وما يدريك لعل في الأمر سراً ..

قالت آلاء :

ـ وما هو هذا السر ؟

قالت الأم :

ـ علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نلتمس لأخينا عذراً .. عليك أن تتصلي بها وتطمئني عليها ..

وعندما قرأت الأم عدم الاقتناع بكلامها في عيني (آلاء) قالت :

ـ سأحدثك قصة والي حمص الصحابي الجليل (سعيد بن عامر الجمحي) وكان من أنقى وأطهر الصحابة عينه عمر بن الخطاب (رضي الله عنه وعنهم جميعاً) والياً على حمص ، وفي أحد الأيام وكعادة عمر (رضي الله عنه) ذهب إلى (حمص) ليسأل عن حالها وحال واليها ، ولما قدم إليها وسأل الناس عن واليها قالوا له أنهم يشكون منه أربعاً ، فجمعهم ابن الخطاب (رضي الله عنه) بواليهم (سعيد) وبدؤوا الجدال والعتاب .. قالوا له :

الأولى : أنه لا يخرج حتى يتعالى النهار (يعني يتأخر في الجلوس إلى مصالحهم) .. ففسر لهم سبب ذلك أنه لا يملك خادماً يعين أهله في أعمال المنزل لذلك فإنه يقوم صباحاً يعجن لهم العجين وينتظر قليلاً حتى يختمر ثم يخبزه لأهله ثم يتوضأ ويخرج لهم .. ثم شكوا منه أنه لا يخرج إليهم بالليل ، فقال (سعيد) أنه قد جعل النهار لهم والليل ليختلي بالله تعالى .. ثم شكوا منه عدم خروجه من المنزل مرة بالشهر ، فأجابهم : أنه لا يملك سوى تلك الثياب التي عليه ، وأنه في كل شهر يغسلها مرة فينتظر حتى تجف ليلبسها ويخرج إليهم في آخر النهار .. ثم شكوا منه أنه تغشيه غشية (أي تأتيه رعشة ويغيب عن الوعي) في المجلس أحياناً .. فقال بأنه قد شهد مصرع (مقتل) خبيب بن عدي حينما كان صغيراً مشركاً وشاهده وهم (أي أهل مكة) يعذبونه ويقطعون جسده وهو ثابت على موقفه وحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه كلما ذكر ذلك الموقف وكيف تخلى عن نصرته ذلك الوقت تغشيه تلك الغشية ويظن أنه لن ينجو من عذاب الله .. هنا قال عمر (رضي الله عنه) :

ـ الحمد لله الذي لم يخيب ظني به ..

هم أساؤوا الظن وما كان معهم أي حق في تلك الإساءة ..

ابتسمت (آلاء) وباقتناع تام قالت :

ـ معك حق يا أمي إن بعض الظن إثم سأتصل بصديقتي وأسألها عن سبب غيابها وأتمنى أن تكون بخير ..

وسوم: العدد 697