اَلْهِجْرَةْ..

محسن عبد المعطي عبد ربه

محسن عبد المعطي عبد ربه

[email protected]

كَانَتْ (رِحَابُ) حَزِينَةً جِدًّا لِأَنَّهُمْ سَوْفَ يَتْرُكُونَ بَلْدَتَهُمْ  الَّتي نَشَئُوا فِيها وَتَرَعْرَعُوا عَلَى تُرَابِهَا ,وَتَعَوَّدُوا عَلَى حُبِّهَا , أَخَذَتْ (رِحَابُ) جَانِباً مِنَ الْحُجْرَةِ الْخَلْفِيَّةِ ,مُنْطَوِيَةً عَلَى نَفْسِهَا ,تَبْكِي بِحُرْقَةٍ ,لِأَنَّ أَعْمَامَهَا طَرَدُوهُمْ مِنَ الْبَيْتِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهَا بِالْمَكْرِ وَالخَدِيعَةِ ,سَمِعَتْهَا أُمُّهَا وَهِيَ تُنَهْنِهُ ,فَدَخَلَتْ عَلَيْهَا وَمَسَحَتْ دُمُوعَهَا وَطَبْطَبَتْ عَلَيْهَا فِي رِقَّةٍ وَحَنَانٍ وَقَالَتْ: لاَ تَبْكِي يَا (رِحَابُ) وَ لاَ تَحْزَنِي وَ لاَ تُنَهْنِهِي ,فَلَقَدْ أُخْرِجَ مِنْ قَبْلِنَا أَعَزُّ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى اللَّهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - , اِنْدَهَشَتْ (رِحَابُ) وَنَسِيَتْ أَحْزَانَهَا وَكَفْكَفَتْ دُمُوعَهَا وَسَأَلَتْ أُمَّهَا :وَكَيْفَ يَا أُمِّي ؟!  َقَالَتِ الْأُمُّ: تَعْلَمِينَ يَا (رِحَابُ) أَنَّ الرَّسُولَ وُلِدَ يَتِيماً مُفْرداً بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ وَهُوَ مَا زَالَ جَنِيناً فِي بَطْنِ أُمِّهِ, ثُمَّ أَصْبَحَ يَتِيماً مُزْدَوَجاً بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهِ (آمِنَةَ), قَالَتْ (رِحَابُ)- مُتَأَثِّرَةً-: نَعَمْ يَا أُمِّي , َقَالَتِ الْأُمُّ :وَقَدْ كَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبْ , ثُمَّ تَوَفَّى جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبْ وَ كَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ بَعْدَ ذَلِكَ , وَعَمِلَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالتَّجَارَةِ , وَأُعْجِبَتْ بِهِ السَّيِّدةُ (خَدِيجَةُ) ,وَكَانَتْ امْرَأَةً غَنِيَّةً تَكْبُرُهُ فِي السِّنِّ بِخَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً , ذَاتَ حَسَبٍ وَنَسَبٍ وَجَمَالٍ ,يَتَمَنَّاهَا لِنَفْسِهِ أَوْجَهُ وُجَهَاءِ الْعَرَبِ , وَلَكِنَّهَا فَضَّلَتْ مُحَمَّداً وَتَمَلَّكَهَا حُبُّهُ لِمَا رَأَتْ فَيهِ مِنْ صِفَاتٍ جَمِيلَةٍ قَلَّ أَنْ تُوجَدَ فِي شَبَابِ ذَلِكَ الزَّمَنِ , وَلِمَا سَمِعَتْ مِنْ غُلاَمِهَا (مَيْسَرَةَ) عَجَبَ الْعُجَابِ مِنْ أَنَّ غَمَامَةً كَانَتْ تُظِلُّهُ , وَعِنَايَةً مِنَ اللَّهِ كَانَتْ تَحْرُسُهُ أَثْنَاءَ خُرُوجِهِ فِي تِجَارَتِهَا , وَجَاءَتْهُ الرِّسَالَةُ , وَكَانَتْ (خَدِيجَةُ) أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ النِّسَاءِ , وَ(أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ) أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الرِّجَالِ وَ(عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ) أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الصِّبْيَانِ , وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْمَوَالِي , وَكَانَتْ بَنَاتُ النَّبِيِّ– صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – (زَيْنَبُ) وَ (أُمُّ كُلْثُومٍ) وَ (رُقَيَّةُ) مِنْ أَوَائِلِ الْمُؤْمِنَاتِ بِهِ , وَكَانَتْ دَارُ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ مَرْكَزَ الدَّعْوَةِ الْإِسْلاَمِيَّةِ السَّرِّيَةِ , وَجَهَرَ النَّبِيُّ– صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالدَّعْوَةِ عِنْدَمَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى(فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ,وَأََنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ , وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ  لِمَنِ اتَّبَعَكَ  مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ,فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) الشُّعَرَاءِ213-216, وَمُنْذُ الْجَهْرِ بِالدَّعْوَةِ وَالْمُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ الرَّسُولَ وَأَصْحَابَهُ ,وَ أَبُو طَالِبٍ يَحْمِيهِ,وزَوْجَتُهُ (خَدِيجَةُ) تُوَاسِيهِ ,وَقَدْ وَجَّهَ النَّبِيُّ– صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  أصْحَابَهُ لِلْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ فِرَاراً بِدِينِهِمْ ,وَنَشْراً لِلدَّعْوَةِ خَارجَ (مَكَّةَ) ,وَبَحْثاً عَنْ مَكَانٍ آمِنٍ لِلْمُسْلِمِينَ ,وَكَانَ مِنْ بَيْنِ الْمُهَاجِرِينَ (جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ  بْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ) وَ(صِهْرُهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ )وَ(ابْنَتُهُ رُقَيَّةُ)-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ جَمِيعاً- وَ تَوَفَّى  أَبُو طَالِبٍ عَمُّ النَّبِيُّ– صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَنصِيرُهُ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْمَبْعَثِ ,وَتُوُفِّيَتِ السَّيِّدَةُ(خَدِيجَةُ) بَعْدَهُ فِي عَامِ الْحُزْنِ قَبْلَ الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاَثِ سَنَوَاتٍ , وَكَانَتْ رِحْلَةُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  لِلدَّعْوَةِ فِي الطَّائِفِ بَعْدَ مَوْتِ  أَبِي طَالِبٍ وَ(خَدِيجَةَ) فِي نَفْسِ السَّنَةِ ,وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُسْلِمُوا وَأَغْرَوا بِهِ صِبْيَانَهُمْ فَرَشَقُوهُ بِالْحِجَارَةِ , ً وَبَعْدَ ذَلِكَ كَانَتْ رِحْلَةُ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ ذِرْوَةَ التَّكْرِيمِ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ تَسْرِيَةً عَنْهُ وَتَخْفِيفاً مِنْ أَحْزَانِهِ ,ثُمَّ كَانَ الطَّوَافُ عَلَى الْقَبَائِلِ وَهِجْرَةُ الصَّحَابَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ بَيْعَتَيِ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ,وَ كَانَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ )ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ,مَعَهُ امْرَأَتُهُ(لَيْلَى بِنْتُ أَبِي خَيْثَمَةَ) ,وَتَبِعَهُمْ بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ , وَنَزَلُوا عَلَى الْأَنْصَارِ فَآوَوْهُمْ وَنَصَرُوهُمْ وَآسَوْهُمْ , وَأَخَذَ الْكُفَّارُ يَمْكُرُونَ لِحَبْسِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  أَوْ قَتْلِهِ أَوْ إِخْرَاجِهِ مَنْعاً لاِنْتِشَارِ الدَّعْوَةِ  ,وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَضْرِبُوهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَتَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ ,فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ– صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى ذَلِكَ , فَخَرَجَ مِنْ (مَكَّةَ) حَزِيناً ,مُهَاجِراً إِلَى (الْمَدِينَةِ) يَصْحَبُهُ (أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ) مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ – صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يُحِبُّ وَطَنَهُ (مَكَّةَ) أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ بَلَدٍ آخَرَ ,وَقَدْ مَكَثَا فِي (غَارِ ثَوْرٍ) وَالْتَقَيَا (بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُرَيْقِطَ) هُنَاكَ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ لِيَدُلَّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى (الْمَدِينَةِ) ,وَوَاصَلَ (الْمُخْتَارُ) هِجْرَتَهُ ,وَلاَحَقَهُ (سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ ) لِيَنَالَ الْجَائِزَةَ الَّتِي أَعَدَّتْهَا (قُرَيْشٌ) ,وَلَكِنَّ اللَّهَ - بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لاَ يَغْلِبُهَا غَالِبٌ-  جَعَلَهُ يَرْجِعُ مُدَافِعاً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – , قَالَتْ (رِحَابُ) : لَقَدْ عَانَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَكْثَرَ مِنْ مُعَانَاةِ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ ,وَتَأَلَّمَ وَحَزِنَ لِفِرَاقِ وَطَنِهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْكُفَّارُ مِنْهُ , قَالَتِ الْأُمُّ: وَعَلَيْكِ يَا (رِحَابُ) أَنْ تَتَأَسَّيْ بِالرَّسُولِ الْكَرِيمِ وَتَصْبِرِي عَلَى فِرَاقِ وَطَنِكِ  وَأَذَى أَعْمَامِكِ وَمَكْرِهِمْ بِنَا , قَالَتْ (رِحَابُ) : أَجَلْ يَا أُمِّي ,لَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وَقُدْوَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَعْظَمُ الْمَثَلِ ,وَلَسَوْفَ أُحَاوِلُ الْعَوْدَةَ إِلَى وَطَنِي وَبَيْتِي كَمَا كَافَحَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  وَعَادَ مُنْتَصِراً بَعْدَ فَتْحِ  (مَكَّةَ) ,وَلَكِنْ كَيْفَ اسْتَقْبَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَصَاحِبَهُ , قَالَتِ الْأُمُّ: اسْتَقْبَلُوهُمْ بِالزَّغَارِيدِ وَالْأَفْرَاحِ وَالْأَنَاشِيدِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي تُعَبِّرُ عَنْ عَظِيمِ بَهْجَتِهِمْ : طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا , مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعْ , وَجَب الشُّكْرُ عَلَيْنَا , مَا دَعَا لِلَّهِ دَاعْ ,أَيُّهَا الْمَبْعُوثُ فِينَا ,جِئْتَ بِالْأَمْرِ الْمُطَاعْ , جِئْتَ شَرَّفْتَ الْمَدِينَةْ ,مَرْحَباً يَا خَيْرَ دَاعْ , قَالَتْ (رِحَابُ) : لَقَدْ كَانَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى  اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْبَدْرَ الْمُنِيرَ في سَمَاءِ الْمَدِينَةِ , قَالَتِ الْأُمُّ:  أَجَلْ يَا ابْنَتِي , لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ , وَنَوَّرَ قُلُوبَهُمْ بِالْإِيمَانِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُظْلِمَةً بِالشِّرْكِ , وَنَشَرَ بَيْنَهُمُ السَّلاَمَ بَعْدَ أَنْ عَاشُوا وَيْلاَتِ الْحُرُوبِ الْمُدَمِّرَةِ ,وَآخَى بَيْنَهُمْ بِالْحُبِّ ,وَعَلَّمَهُمُ الْإِيثَارَ ,وَأَنْقَذَهُمْ مِنَ النَّارِ ,وَصَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ إِذْ يَقُولُ: " إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ  لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ,فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِي َ الْعُلْيَا وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " التَّوْبَةِ 40,وَقَالَ تَعَالَى : "و إِذْ  يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ  أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" الأنْفَالِ 30.