في زمن الهزائم

وممّا جاء في موروثنا الشّعبيّ أن تمازحت ابنتا شيخي قبيلتين، فقالت إحداهما للأخرى: "قبرتِ أهلك"! فابتسمت الثّانية لها وردّت عليها:" كثّر الله شيوخ أهلك"، فعادت الأولى وقصّت ما جرى لوالدها، فقال لها: إنّ دعوتها الله بتكثير شيوخ أهلك دعوة ماحقة لا تبقي ولا تذر، لأنّه إذا كثر الشّيوخ "القادة" تقاتلوا وقتلوا بعضهم بعضا!

أمّا نحن أبناء شعب الجبّارين، وكنموذج لشعوب العربان التي تفوّقت على كلّ شعوب الأرض في عدد الهزائم التي لحقت بها، فكلّنا زعماء وقادة!" وكلّ واحد منّا يهذر بما يعلم ولا يعلم، حتّى أنّ من يستمع لبيانات نعي أبنائنا الشّهداء فإنّنا نلاحظ أنّ صيغة النّعي تعتبره "قائدا" بغضّ النّظر عن عمره وعن تجربته الحياتيّة، حتّى بات المرء يتخيّل أنّ كلّ أفراد شعبنا قادة، ولا يوجد عندنا جنود. وينسحب هذا على مجالات حياتنا كلّها. وجاءت صفحات التّواصل الاجتماعيّ، لتعطي منبرا إعلاميا للجميع، فبات الكلّ يكتب ما يشاء ويهاجم من يشاء -بعلم أو بجهل كيفما يشاء-، حتّى من لا يعرفون صياغة جملة مفيدة واحدة باتوا يهاجمون القادة والمفكّرين دون ضوابط ودون معرفة بحقيقة ما يكتبون. وامتدّ هذا إلى إخوتنا في الشّتات وإلى أشقائنا العربان، فبات بعضهم يهاجم ويخوّن ويكفّر وينظّر في أشياء لا تستند على أيّ حقيقة ولا تحظى بمصداقيّة، حتّى أنّه لم يعد مفاجئا أو غريبا أن يشحذ بعض "المثقّفين" ممّن باعوا ضمائرهم قبل أقلامهم يكتبون ويقولون في فلسطين وشعبها ما يغضب الله وعبيده، وذلك في محاولة منهم لتسويق أجندات سياسيّة لجهات معادية للأمّة ارضاء لكنوز أمريكا واسرائيل الاستراتيجيّة في المنطقة.

وعندما نؤكّد أنّنا مع حرّية الرّأي والرّأي الآخر، فإنّنا ندعو إلى التّمييز بين حرّيّة الرّأي والاجتهاد المبنيّ على حقائق ومعلومات وبين شتائم "التّكفير والتّخوين"، فإنّه لا يمكن القبول بقلب الحقائق، والإساءات غير المبرّرة.

وبما أنّنا شعب كبقيّة الشّعوب، فينا تناقضات العالم التّي تعيشها الشّعوب الأخرى، وفينا الصّالح والطّالح، فليس غريب ولا مستبعد أن نجد بيننا فاسدين ومفسدين وعلى مستويات مختلفة، وهذا يتطلّب وجود قوانين رادعة، كما يتطلّب التّحقيق بذلك للوقوف على الحقائق، وعدم الاعتماد على الإشاعات، لتثبيت التّهمة أو نفيها، لكن في الأحوال كلّها لا يجوز أخذ الصّالح بالطّالح، "فكلّ شاة بعرقوبها معلّقة". ومن تثبت إدانته يجب تقديمه للقضاء لينال العقوبة التي يستحقّها بغضّ النّظر عن مكانته ومنصبه، فالجميع أمام القانون سواسية. أمّا التّستّر على الفساد والجنايات فهذه هي الجريمة التي تدمّر الأوطان وتضيّع الشّعوب.

وسوم: العدد 828