العالم العربي بين مشهدين: الغانم والبعتي مقابل البرهان وبوريطة

انقسم العالم العربي الرسمي، وليس الشعبي، بين مؤيد ومعارض وشامت ومنسحب بخصوص صفقة القرن، التي قدم فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أرض فلسطين وقدسها ومصادرها الطبيعية وحدودها وسماءها وبحرها إلى مجرم الحرب نتنياهو، في مشهد مسرحي يثير الغثاء، بحضور ثلاثة سفراء عرب، وقفوا أذلاء وشهّاد زور، على محاولة تدمير القضية الفلسطينية، متفاخرين بهذا الموقف المخجل، ضاربين عرض الحائط بمشاعر شعوبهم وشعوب العالمين العربي والإسلامي، وأحرار العالم في كل مكان. فإذا كان حضور احتفالية تصفية قضية الشعب الفلسطيني، يقع ضمن صلاحياتهم كممثلين لبلدانهم، فإن من حقنا أن ننتقد ونصنف وننبذ.

رفض الصفقة لم يتوقف عند الفلسطينيين، بل ضم كل الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم، وأصحاب الضمائر الحية في كل مكان، بمن فيهم إسرائيليون. حتى في مجلس نواب الولايات المتحدة وقع 107 أعضاء على رسالة يرفضون فيها هذه الصفقة السامة، كما استنفرت جماعة الضغط اليهودية «جي ستريت»، وهم من أنصار حل الدولتين، لحشد القوى للتصدي للصفقة، التي لا تضر بالفلسطينيين فحسب، بل بإسرائيل ومستقبلها.

وسأقدم في هذا المقال صورا من العالم العربي، تعكس التناقض بين المواقف الرسمية المخجلة والمتخاذلة، ومواقف الشعوب الرافضة والملتفة حول فلسطين وقضيتها العادلة. هناك من يقف موقفا وسطا باردا ومترددا، ويدعو لتأمل الصفقة ودراستها، والتأني في الرد عليها، وهذا مرفوض تماما فلا توجد منطقة وسطى بين الحق والباطل والعدل والظلم، كما يقول مظفر النواب «أنا يقتلني نصف الموقف أكثر».

مرزوق الغانم وضمير الأمة

ما أن رمى رئيس البرلمان الكويتي منصور الغانم، بنسخة من «صفقة القرن» في سلة المهملات، خلال إلقاء كلمته أمام المؤتمر الطارئ للاتحاد البرلماني العربي المنعقد في عمّان، مؤكدا أن تلك الصفقة «ولدت ميتة» و»مكانها مزبلة التاريخ، حتى تلقف العالم العربي من محيطه إلى خليجه الخطاب بالتحية والإجلال والثناء، لأنه تكلم باسم الشعوب المقهورة، التي يقف على رأسها حكام انقلابيون ودمويون وطغاة فاسدون، يعتقلون من يرفع علم فلسطين حتى في مباراة رياضية. لقد حظي الغانم بملايين التعليقات المؤيدة لموقفه النابع من ضمير نقي. وأعجبني تعليق قالته إعلامية جزائرية مرموقة: «فرق بين الأيادي التي تصفق لصفقة القرن، وتلك التي ترميها في مزبلة التاريخ». لكن وفي الوقت نفسه انقض الذباب الإلكتروني وقطعان المطبعين على الغانم، مقرعين ومهاجمين ليس فقط رئيس البرلمان، بل متطاولين على الكويت. الهجوم على المرزوق لم يأت من الصهاينة، بل من الصهاينة العرب، حيث راح المتصهينون الجدد يذكّرون الغانم بصدام حسين والقذافي، وكأن هذا سيخيفه ويردعه عن مواقفه على طريقة زعمائهم، الذين جُرفت أموالهم انصياعا للسيد الأمريكي ومع هذا فلم يحمهم من صواريخ الحوثي، التي انهالت على أراضيهم. وأنا أريد أن أتحدى كل جماعة الذباب والمطبعين: لنقترح على الشعوب العربية جمعاء، من محيطها لخليجها، أن يرشحوا زعيما أو قائدا أو شخصية مميزة لهذا الوطن العربي الكبير، وليضعوا مرشحيهم كما يحبون، ونحن سنرشح مرزوق الغانم ليعرفوا وزنهم الحقيقي بين الشعوب العربية، بمن فيها شعوبهم الأصيلة.

السفير التونسي البعتي وثمن الموقف المبدئي

لا استطيع أن أستوعب ما حدث مع السفير التونسي لدى الأمم المتحدة، منصف البعتي، فقد تنفست الصعداء عندما تم انتخاب تونس لتحل محل الكويت، كنت أخشى أن يترك السفير الكويتي القدير منصور العتيبي، فراغا لا يملأه أحد لكثرة ما كرّس وقته وجهده ومهاراته للقضايا العربية، وعلى رأسها قضية فلسطين. كانت أبواب البعثة الكويتية مفتوحة للطلاب والصحافيين والأصدقاء، ولا نسأل عن شيء إلا وكان السفير وطاقم البعثة جاهزين للرد. حرصت على التعرف على السفير التونسي الجديد منصف البعتي منذ وصوله قبل خمسة أشهر. والحقيقة أن الدولة التونسية هي التي بحثت عنه وأقنعته بالعودة إلى السلك الدبلوماسي، بعد أن قرر التقاعد لقضاء وقته مع عائلته. كانت السلطات التونسية تعرف أن هذا الموقع المهم يحتاج إلى دبلوماسي من الطراز الرفيع، الذي يجمع العلم والخبرة والحنكة واللغات والأدب الجم. وفوق كل هذا يعرف القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. من خلال لقاءاتي القليلة معه، والدخول في أحاديث مطولة ومتشعبة، وجدت نفسي أمام موسوعة في الفلسفة والسياسة والتاريخ، خاصة تاريخ تونس القديم والحديث. يعرف تاريخ الأعلام والمدن والأدب والشعراء، وحتى الأكلات الشعبية. يعرف كل تفاصيل القضية الفلسطينية، وكان يسأل عن الحياة اليومية للشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال ويتألم لمعاناة هذا الشعب الصامد الصابر على ظلم الأعداء، وغدر العديد من الإخوة وأولاد العم.

كل ذنب السيد البعتي أنه قدم مشروع قرار قويا بالشراكة مع إندونيسيا، العضو الآخر في المجلس المعني بالقضية الفلسطينية، يدين صفقة القرن، ويعتبرها انتهاكا صارخا للقانون الدولي، وقرارات مجلس الأمن، والجمعية العامة، ويعيد التأكيد على المرجعية الدولية المتفق عليها حول حل الدولتين، والهادف إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ذات سيادة، متواصلة وقابلة للحياة على أراضي حدود 1967 وعاصمتها القدس الشريف. مشروع القرار هذا أثار غضب جاريد كوشنر قبل لقائه بمجلس الأمن في جلسة مغلقة يوم الخميس الفائت، فمارس هو وإدراة ترامب الضغط من أعلى على الحكومة التونسية، بل التهديد إن لم يسحب مشروع القرار وطالب بمعاقبة كاتبه فورا، وعدم دخوله في جلسة الخميس المذكورة. الشيء المؤسف والمؤلم والمهين، أن الحكومة التونسية استجابت للضغوط، وأصدرت الخارجية أول بيان يضع اللوم على السفير، ولما لم يقنع هذا البيان أحدا أصدرت الرئاسة بيانا آخر ولم يكن بأحسن من البيان الأول.

هناك مثل في تونس يقول «إضرب القطوس (القط) كي تفهم العروس». يبدو أن الرئيس سعيّد فهم الرسالة تماما.. إدارة ترامب تعاقب كل من يقف في وجهها ويتمسك بالمبدأ، تريد أناسا خانعين كأولئك الذي حضروا المهرجان وصفقوا له.

بين ناصر بوريطة والشعب المغربي

«قضية الصحراء هي القضية الأولى للمغرب.. وينبغي أن لا نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.» هكذا صرح وزير الخارجية المغربي، الذي يريد أن يبادل قضية الصحراء بالتخلي عن فلسطين. لكن الشعب المغربي الأصيل ردّ على تصريحات بوريطة، وبعث رسالة قوية جدا تقول للسيد بوريطة، أن لا مساومة في قضية فلسطين وقضية الصحراء، وبقدر ما يلتف المغاربة حول القضية الصحراوية يلتفون حول قضية فلسطين، لأنها قضية حق وعدل وانتصار لإخوتهم المظلومين في فلسطين. سارت البلاد كلها في مسيرة الرباط الكبرى، وظل بوريطة معزولا في مكتبه، بينما خرجت الأحزاب جميعها والنقابات والهيئات الحقوقية والمدنية، واتجهوا جميعا إلى البرلمان، مرددين بصوت واحد: «فلسطين ليست للبيع، تسقط صفقة القرن، الشعب يريد تحرير فلسطين. غزة رمز العزة، إدانة شعبية لصفقة الخيانة. من المغرب لفلسطين شعب واحد مش شعبين». وهل ترك لي الشعب العربي العزيز في المغرب شيئا أضيفه. أكثر ما أعجبني في المسيرة تلك الدمى لبعض المطبعين العرب الذين يريدون أن يبيعوا فلسطين.. وضعت أمام الجماهير الغاضبة لركلها. فهؤلاء لم يعودوا فقط مرتمين في أحضان إسرائيل، بل أصبحوا سماسرة يريدون أن يوقعوا غيرهم في جريمة التطبيع حتى لا يتذوقوا طعم الخيانة وحدهم.

البرهان والطريق إلى واشنطن

ما أسوأ من العسكر عندما يشتغلون في السياسة. ومبروك عليك لقاء نتنياهو ومكالمة بومبيو يا سيد عبد الفتاح. تفضل إذهب وزر البيت الأبيض، واستمتع بصداقة الدولتين اللتين سلختا ربع السودان المحشو بالموارد الطبيعية عن السودان. يبدو أنك شعرت بالغيرة من سيلفا كير، الذي اختار أول زيارة خارجية له لإسرائيل وأول سفارة تفتح في جنوب السودان كانت لإسرائيل، ولما وقعت الواقعة وبدأت الحرب الأهلية بينه وبين رياك مشار، تركوه وحده يتلظي في نيران الحرب الأهلية ولم يسعفه إلا أخوانه الأفارقة.

فقط أقول له وللاهثين وراء السراب أمثاله أن الطريق إلى واشنطن لا تمر عبر تل أبيب، بل عبر الكرامة الوطنية ومدى التصاق القائد بشعبه. وليسمع البرهان من شباك مكتبه صيحات الشعب السوداني العريق عن فلسطين.

وسوم: العدد 864