أين هي السيادة التي تدعيها يا نصر اللات؟!

بعد صمت طويل خرج علينا حسن نصر اللات الأمين العام لحزب اللات الإيراني، في مقابلة أجراها مع قناة العالم الإيرانية ونقلتها قناة المنار التابعة للحزب، وخلفه صورة كبيرة للخميني جالساً ووراءه خامنئي واقفاً، ليثبت أنه ذيل لكلا الرجلين وليس لبناني الهوى أو عربي الانتماء.

وجاء في المقابلة قوله: "التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج والدول العربية، جيد، تفضلوا نقعد نحكي، أنا عندي سؤالين، بالورقة ما في وقف التدخل السعودي في لبنان، الي بده يطلب من الدولة اللبنانية أو حزب لبناني ألا يتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية الأخرى عليه أن يبدأ بنفسه أولا، لأن الحرب العسكرية على المقاومة في لبنان لن تؤدي إلى نتيجة".

وتابع قائلا: "العمل الأمني لم يقف بيوم من الأيام وما قدر يمنع تطور المقاومة الضغط السياسي ما وصل على محل راحوا على الموضوع الاقتصادي والموضوع المعيشي بنحمل حزب اللات المسؤولية وبنيجي بنقول للبنانيين بدكم تاكلوا خبز بدكم تسلموا سلاح المقاومة، هذه الورقة جاءت بهذا السياق".

وعن حزب اللات والسفارة الأمريكية، قال نصر الله: "حزب الله قراره لبناني يأخذ مصالح بلده ومصالح شعبه بعين الاعتبار بشكل أساسي، ما عم يقدر يستوعبوا بأن حزب الله هو صاحب القرار تبع حزب الله بلبنان وبعض الأشخاص وبعض الأحزاب في لبنان التي تأتمر بأوامر السفارات أنا بدي أناقشهم أنت لبناني ولا مش لبناني؟".

ظاهرة “حزب اللات” النشأة والتطور

تاريخ هذا “الحزب المعجزة” من حيث النشأة والتطور، فهو الذي ولد مرتين: الثانية، ولادة سياسية كانت سنة 1985م، لكن قبلها كانت الولادة الأولى الفعلية سنة 1982م. فحزب اللات اللبناني خرج من رحم حركة “أمل” الشيعية، قبل أن تغير اسمها بالشكل الذي يضمن لها توسعاً أكبر، نحو مسمى آخر، وهو حركة “أمل الإسلامية”. ذلك أن الماضي الدموي للحركة في مراحل تكونها الأولى فرض إنشاء إطار جديد (وهو حزب اللات) قصد مداراة ما يمكن مداراته من الضلوع الفاضح في مجازر صبرا وشـاتيلا.

وتأسست الحركة على يد السيد موسى الصدر، وهو إيراني الجنسية، إمـامي العقيدة، ومن مواليد سنة 1928م، تلقى تعليمه بإيران، ومن جامعة طهران تخرج قبل أن يلتحق بلبنان سنة 1958م، ليتجنس بجنسيته، وهو الذي تربطه علاقة قرابة ومصاهرة مع قائد الثورة الإيرانية ومرشدها (الخميني).

فبمجرد دخوله الأراضي اللبنانية واستقراره عليها، أسس النواة الأولى لحركة “أمل” الرافضية في الجنوب، ومن بعدها في البقاع ثم بيروت، فصار بذلك ظل الثورة الخمينية في لبنان، وسفير النصيريين داخله، حيث تآمر مع الموارنة على الحركة الوطنية الفلسطينية (منظمة التحرير)، ثم دخل في تفاهم مع الكيان الصهيوني للقضاء على كل جيوب المقاومة الفلسطينية، فكان أن تزعم “الصدر” أعمال الذبح والتقتيل والتنكيل بسكان مخيمات صبرا وشـاتيلا، حيث خلفت تلك الأعمال العدوانية ما يناهز 80% من البيوت المهدمة، و3100 شخص ما بين قتيل وجريح، وتهجير أكثر من 40% مما تبقى من ساكني المخيمات (حوالي 15000 مهجر).

وفي هذا الصدد كتب المفكر التونسي، توفيق المديني، قائلا: “إن البرنامج الضمني لحركة “أمل” هو القضاء على الوجود الفلسطيني المسلّح؛ باعتباره يشكّل تهديداً رئيسياً لأمن المجتمع الشيعي ويعطي مبرّراً لإسرائيل للقيام بهجماتها على قرى الجنوب اللبناني”. أما السيد حيدر الدايخ، وهو أحد قيادات الحركة، فقد نطقها صراحة عندما قال: “كنا نحمل السلاح في وجه إسرائيل ولكن إسرائيل فتحت ذراعيها لنا وأحبت مساعدتنا. لقد ساعدتنا على اقتلاع الإرهاب الفلسطيني الوهابي من الجنوب”.

وقد نجح الحزب نفسه بشتى الوسائل من بسط نفوذه على كل جنوب لبنان وفرض ذاته عقب هذا النجاح بعد الصراع المرير الذي كان خاضه مع الحركة التي انبثقت منها (أمل). وهو بصفته هذه، غدا فتنة شديدة على أبناء السنة والجماعة في العالم: فظاهره فيه “الجهاد” في سبيل الله ضد اليهود والنصارى، وباطنه فيه التسويق للمذهب الرافضي الاثنى عشري، بما يتطلبه من تصدير للثورة الخمينية الإيرانية نحو باقي العالم الإسلامي.

وكان “حسن نصر اللات (الأمين العام الحالي للحزب) والملقب بـــ”حسن زميرة” تقلد مراكز قيادية في الحزب قبل أن يتربع على عرش القيادة منذ سنة 1992م، مباشرة بعد اغتيال الامين العام المؤسس (عباس الموسوي)، حيث عايش خروج الحزب من رحم حركة “أمل” التي كان أحد الناشطين داخلها، قبل أن يغادرها نحو الوليد الجديد كمسؤول فيه عن منطقة بيروت سنة 1985م، ثم عضواً في قيادته المركزية وهيئته التنفيذية سنة 1987م. وهو رافضي جعفري يتخذ من لعن الصحابة وشتمهم(والعياذ بالله) قرباناً يتقرب بهما إلى الله سبحانه وتعالى.

ومن أهم الأسس التي قامت عليها عقيدة أتباع الإمامية الاثني عشرية، ومنهم مؤسسي وأتباع حزب اللات اللبناني. يمكن الوقوف على عنصر غلوهم في “حب” الأئمة، على اعتبار أن هؤلاء الأئمة من آل البيت معصومون من الخطأ والزلل، ويعلمون الغيب، بل وهم على بينة من أمور موتهم عن طواعية ورغبة منهم، ورفعوهم مقاماً علياً فوق مقام النبوة والصديقية باستثناء مقامه صلى الله عليه وسلم. فهم –وفقاً للعقيدة ذاتها-يملكون إحياء الموتى، والأدهى أن الصفات الإلهية قالوا باتصاف الخليفة الراشدي الرابع (على ابن أبي طالب كرم الله وجهه) بها: فجعلوه مفجر الأنهار، ومورق الأشجار، والعليم بذات الصدور…والعياذ بالله.

ومن أسس هذه العقيدة أيضا، قولهم بأن القرآن الكريم الذي اليوم بين أيدينا ناله التحريف من لدن الصحابة بعد وفاة الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، ولم تعرف البشرية قرآنا في نسخته الكاملة غير تلك التي جمعها علي ابن أبي طالب على حد زعمهم، وهي النسخة الوحيدة التي يحتفظ بها صاحب العصر والزمان (مهدي الرافضة)، وليست متاحة لعموم الناس قبل ظهور الإمام المنتظر.

فهذا أحد أقطاب العقيدة الشيعية، وأحد المحدثين الإماميين المعتبرين، وصاحب أهم الكتب الشيعية(الأنوار النعمانية) الشيخ نعمة الله الجزائري، يقول: “روي في الأخبار أنهم عليهم السلام (الأئمة) أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها، والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين فيقرأ ويعمل بأحكامه”.

أما أساس العقيدة الاثني عشرية الثالث فيتمثل في الاعتقاد بعصمة الأئمة الاثني عشر من آل البيت، ووجوب القول بكفر من خالفهم، وفي مقدمة هؤلاء المخالفين أبو بكر وعمر وعثمان، الذين –حسب زعمهم- اغتصبوا الخلافة من مستحقها (علي ابن ابي طالب). وفي هذا الصدد يقول عميد محدثيهم “المجلسي” في كتابه “بحار الأنوار”: ”لا تقبل الأعمال إلا بالولاية”.

ومن الأسس كذلك، القول بردة الخلفاء الراشدين الثلاثة، ومن يسير في فلكهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى يوم الدين، والتقرب بلعنهم ومعهم عائشة بنت ابي بكر وحفصة بنت عمر (زوجي رسول الله) إلى الله تعالى، بل إنهم اتهموا ام المؤمنين عائشة بالفاحشة، وهي التي برأها الله من فوق سبع سماوات في حادثة “الافك”، بل أبعد من ذلك قالوا بأنهما (عائشة وحفصة) من قتلتا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وخامس أسس العقيدة التي قامت عليها العقيدة الإمامية، تكفير كل الطوائف الإسلامية غير الرافضية، بل إن من أتباع الطائفة ومنظريها، من كفّر حتى أولئك الروافض الغير إماميين، وشبههم بالنصارى (محمد الشيرازي). فالشيخ المفيد، وهو من المراجع العظام لدى الإمامية يقول في هذا الصدد: “من أنكر إمامة أحد الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار”.

ولا يمكن الوقوف عند العقائد التي تحكم سلوك حزب اللات اللبناني دون معالجة النظرية المرجعية للشيعة (أو لغالبيتهم على الأقل)، وهي نظرية “ولاية الفقيه” ومدى انقياد حزب اللات اللبناني في أعماله وأقواله ومبادئه بما جاءت به من مقتضيات.

فولاية الفقيه ما هي إلا عقيدة دينية ابتدعها الخميني، وبدعة سياسية رافضية، وتعني أن الأحق بالزعامة ورئاسة الدولة، نيابة عن الإمام المعصوم الغائب، هو الفقيه الديني على الأمة بصفته المرشد والمرجع الأعلى في كل القضايا الدينية والدنيوية.

فقد كتب الخميني نفسه قائلاً: “فالفقهاء اليوم هم الحجة على الناس كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم حجّة عليهم، وكل من يتخلف عن طاعتهم فإن الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك”. ولقوله يضيف المرجع اللبناني الرافضي الأعلى (محمد حسين فضل الله) قوله: “رأي الفقيه هو الرأي الذي يعطي للأشياء شرعية بصفته نائباً عن الإمام، والإمام هو نائب النبي صلى الله عليه وسلم”.

وعن الجهة الداعمة لحزب اللات اللبناني، يمكن الوقوف، وبالأرقام، عند حجم المدفوعات الإيرانية لفائدة الحزب، حيث ارتفعت هذه المبالغ من ثلاثة ملايين ونصف المليون دولار سنة 1990م، إلى خمسين مليون دولار سنة 1991م، فمائة وعشرون مليون دولار سنة 1992م، لتبلغ سنة 1996م المائة وستون مليون دولار، قبل أن ترتفع صاروخياً في عهد رفسنجاني إلى حدود المائتين والثمانين مليون دولار، وأضعافها مع خاتمي ومن بعده أحمدي نجاد، قبل أن بلغ الكرم مداه مع قيام الثورة السورية التي يحارب فيها الحزب إلى جانب طاغية الشام بأوامر من خامنئي.

إن هذا الدعم المالي الخيالي لم يكن يوماً مجانياً، بل تٌرجى من وراءه خدمة أجندة إيرانية في المنطقة وفي باقي العالم الإسلامي من لبنان، عن طريق مساعدة الحزب على تلميع صورته في مواجهة الغير، ومن ثم انتزاع ود الناس وعطفهم من السنة كما الروافض المخالفين. وما تعهد إيران بالتدخل لإعادة إعمار ما دمرته الحرب الإسرائيلية فوق الأراضي اللبنانية، بسبب العدوان الانتقامي السافر جراء إقدام حزب اللات على أسر الجنديين الإسرائيليين، إلا صورة من صور تسويق صورة الحزب اجتماعياً ولأهداف سياسية.

ومن أجل سبر أغوار حقيقة حزب اللات اللبناني، لا بد من تخطي الإطار اللبناني لإبراز امتدادات الحزب فكراً وعقيدة ونشاطاً في المنطقة، والتوقف عند علاقات التأثير والتأثر بين حزب اللات وغيره من الأحزاب والحركات ذوي التوجه العقدي ذاته، خاصة في كل من البحرين والسعودية فالكويت وأخيراً اليمن.

حزب اللات في البحرين

بالنسبة لحزب اللات البحريني، والذي انبثق عن حركة الرافضي “هادي المدرسي” التي أطلق عليها اسم الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين”، والتي اتخذت طهران مأوى لها، فلم يخرج عن الأهداف الأولى للحركة الأم (الجبهة)، من إسقاط لحكم آل خليفة، إلى العمل على تشييع أسس النظام السياسي في البحرين، وصولا إلى نأي البحرين عن عالمها الخليجي نحو الارتباط بالحكومة الإيرانية وبنظام الولي الفقيه بطهران.

فالجبهة لم تتوانى يوماً عن إثارة القلاقل داخل البحرين، وتأجيج المعارضة الشيعية بمدها بالمال والسلاح، وزرع الفتن، واستهداف النظام والمؤسسات والمنشآت، وكل ذلك بدعم وإشراف من أجهزة التخابر الإيرانية.

وفي مرحلة لاحقة، تم إنشاء الجناح العسكري للجبهة تحت مسمى “حزب الله-البحرين” بزعامة عبد الأمير الجمري ومن بعده علي سلمان، حيث تم مباشرة بعد الإنشاء، تجنيد ما يناهز الثلاثة آلاف رافضي بحريني سبق تدريبهم في إيران ومعسكرات حزب اللات اللبناني، قبل إطلاقهم للعمل المسلح ضد الدولة والنظام مدعومين بتغطية إعلامية من إيران تدعو إلى التمرد على الدولة والطعن في شرعية نظامها وقراراته، لا لشيء إلا لقلب النظام وتحويل البحرين إلى دولة صفوية شيعية. فالبحرين -في نظرهم- كما صرح بذلك المرجع الشيعي “آية الله” روحاني”تابعة لإيران، بل هي جزء من الجمهورية الإيرانية”.

وقدرت خسائر أنشطة الحزب ضد الدولة والمنشآت ما يناهز الخمس عشرة مليار دولار (وبالضبط 15.224.658 دولار/دون الأخذ بعين الاعتبار حجم الخسائر الفادحة في الأموال والأنفس عن أحداث البحرين – أحداث دوار اللؤلؤة 2011-2012.

وفي تخطيط ذي صلة، اكتشفت الحكومة البحرينية سنة 2006م المخطط الذي عزمت إيران تنفيذه داخل البحرين على المديين المتوسط والبعيد، بتسخير أتباع الحزب والمتعاطفين معه في شراء أكبر قدر من الأراضي في مختلف مناطق الدولة قصد إعادة تغيير التركيبة السكانية وإعادة توزيع الطائفة الرافضية داخل البحرين.

ومن باب العمل الجماعي لخدمة الأهداف المشتركة، تعهد حسن نصر اللات بدعم القوى الرافضية البحرينية لمواصلة المشروع الذي يريدون الوصول إليه والعمل من أجله، باختلاف السبل ووحدة الهدف، على غرار العمل على تقوية الذراع الاقتصادي للرافضة البحرينيين ودفعهم إلى الإمساك بعجلات الاقتصاد البحريني وإقامة الشركات، واحتكار المواد الأساسية بدعم من طهران.

لم تتوقف محاولات إيران – بشكل مباشر أو غير مباشر-النزول بكل ثقلها على العمليات الانتخابية البحرينية لغاية التأثير في الخارطة السياسية، وبالشكل الذي من شأنه ضمان تبوؤ الروافض مكانة متقدمة في مراكز التشريع والتقرير، ومن ثم إفراز ترسانة قانونية وتنظيمية تخدم الطائفة الشيعية البحرينية في المنظور القريب، وتقوي النفوذ الصفوي الإيراني الفارسي على البحرين فمنطقة الخليج العربية وصولاً إلى مجموع العالم الإسلامي في المنظور البعيد.

المصدر

*الشرق الأوسط-9/2/2022

*هسبريس-5/3/2016

وسوم: العدد 968