ردود قرآنية على ترّهات علمانية

تعرف الساحة العربية عموما ، والمغربية خصوصا جدلا يثيره التوجه العلماني الذي تمثله فئة تعتبر نفسها طليعة مثقفة ، وهي تهدف من وراء ذلك الجدل ترسيخ  توجهها في مجتمع يدين بدين الإسلام ، ويقر بذلك دستوره في أول فقراته .

 ومع أن هذه الفئة لا تمثل إلا القلة القليلة في هذا المجتمع المسلم أهله ، فإن الإعلام  في زمن  التطور الكبير لتكنولوجيا التواصل قد نفخ في حجمها ، وفي حجم تأثيرها  في المجتمع ، وهو مجرد تأثير متوهم إذ لا أثر له على أرض الواقع ، بل وجوده  منفوخ فيه إعلاميا  ليس غير، ذلك أن المجتمع المغربي راسخ انتماؤه الإسلامي ، وهو يتجلى في واقعه اليومي المعيش .

ومع حلول المناسبات  الإسلامية تزداد وتيرة الجدل العلماني الذي يستهدف الإسلام في موطن من مواطنه المنيعة ، وهو جدل يراهن على حلم خيالي  يحلم أصحابه بفكرة حلول العلمانية بديلا محل الإسلام ، وهو رهان خاسر أصحابه على يقين تام بخسارته ، ولكنهم مع ذلك يحاولون وهم مدفوعون بتعليمات العلمانية الغربية المؤيدة لهم باعتبارهم طوابيرها الخامسة ومرتزقتها  في البلاد التي تدين بدين الإسلام، وقد استأجرتهم من أجل امتدادها العلماني فيها  الضامن لمصالحها ، وهم أيضا يحظون بدعم جهات إقليمية مشبوهة تمولهم ، وهي  تتوجس مما أفرزه حراك  وثورات الربيع العربي من رهان  الشعوب العربيةعلى الإسلام للخروج من وضع مزرغير مرغوب  فيه تقف وراءه العلمانية الغربية وتكرسه حفاظا على مصالحها في البلاد العربية التي تدين بدين الإسلام .

ومع اشتداد وتيرة جدل التيار العلماني  ببلادنا والذي ينبري لمواجهته ثلة من العلماء والمفكرين والمثقفين صيانة لمناعة الأمة الدينية، تتنوع أشكال تلك المواجهة بتنوع المجالات التي يستهدفها ذلك التيار، وعلى رأسها مجال الأحوال الشخصية إذ لا زال الجدل بخصوصها قائما ومستمرا عندنا  فئ ظرف ما بات يعرف بتعديل مدونة الأسرة . والجدل العلماني بخصوص هذه المدونة بدأ  أول الأمر بقضية المساواة في الإرث ،  ثم ذهب  بعيدا في تطرفه من خلال إثارة قضية الحريات الفردية بما فيها ما سماه حريات جنسية رضائية، ومثلية ، وإجهاضية ... وهي تسميات تحاول رفع الطابع التجريمي عما يعتبر من المنظور الإسلامي فواحش وانحرافات أخلاقية .

 ولا شك أن هذا الجدل العلماني لن يقف عند هذا الحد بل سيمضي قدما في تنزيل الأجندة العلمانية الغربية التي لن يهدأ  لأصحابها بال حتى تصير ربوع الإسلام مقلدة لها وسائرة  في فلكها وعلى نهجها ،علما بأن مجتمعاتها تعرف خرابا فظيعا على مستوى القيم والأخلاق ، وهو ما جعل الكثير من رعاياها يلتمسون الحل في القيم الأخلاقية الإسلامية، الشيء الذي زاد من توجسها الكبير من الإسلام وهو يغزوها في عقر دارها بقيمه ، لأن قيمها المنحطة أخلاقيا  لم تستطع الثبات أما قيمه السامية أخلاقيا .

ومعلوم أن الجدل العلماني  قبل أن يستهدف القيم الإسلامية في حد ذاتها يمهد لذلك  باستهداف أسسه العقدية  كما هو الشأن بالنسبة لقضية البعث والحشر، والحساب والجزاء  في الآخرة . ويسخر العلمانيون من هذا الاعتقاد كما سخر منه من كان قبلهم من الأمم البائدة التي قص علينا القرآن الكريم أخبارها . ومع أن إنكار البعث  وهو اعتقاد فاسد  ضارب بجذوره في القدم ، فإن العلمانيين  يخيّل إليهم أنهم أول من اعتقده ، ولم يسبقهم إليه أحد مع أنهم يكررون عبارات السابقين من الغابرين ممن سبقوهم إلى إنكار البعث ، ولا يرون في ذلك تقليدا لهم علما بأنهم يعيبون على من يعتقدون بالبعث اعتقادهم ، ويعتبرونه تقليدا للسابقين ، وهذه مفارقة أو تناقض صارخ يعرضهم للسخرية .

ومعلوم أن إنكار البعث هو في حد ذاته إنكار للخلق ، وهذا الأخير إنكار للخالق سبحانه وتعالى ،لهذا واجه الرد القرآني ترّهة من أنكروا البعث من السابقين بمنطق ربط البعث بالخلق لأنهما أمران متلازمان لا ينفك الواحد منهما عن الآخر، حيث قال الله تعالى : ((  أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم )) ، ففي هذا الرد القرآني على منكر البعث إفحام له بإحالته على خلقه الذي نسيه أو تناساه ، وهو ما لا سبيل لإنكاره  على غرار إنكاره البعث ، والمنطق السليم يقتضي أن من يوجد الخلق أول مرة يكون بالضرورة قادرا على إعادة خلقه من جديد إذ لو عجز عن ذلك لما كان بإمكانه خلقه أول مرة .

إن ترّهة هذا الخصيم  منكر البعث الذي قص علينا القرآن خبره، لا زالت تتكرر عند أمثاله من العلمانيين في هذا الزمان  ، ولقد كان منكر البعث السابق وقد قيل أنه العاص بن وائل أو أبيّ بن خلف أبلغ في تعبيره عن إنكار البعث  من  العلمانيين في هذا الزمان ، وسنسرد عبارة  أحد العلمانيين عندنا وقد سبق أن سقناها في مقال سابق لمقارنتها بعبارة العاص أو أبيّ ليتضح الفرق بينهما من حيث بلاغة التعبير  وإن كانت ترّهتهما  المنكرة للبعث واحدة حيث قال :

 " السؤال الميتافيزيقي الخالد لا جواب له في الحياة، إذ لا أحد عاد من الماوراء ليخبرنا بما رأى، لكنه السؤال الوحيد الذي نجح في أن يؤدي إلى بناء أنساق فكرية عظيمة، بجوار أجوبة بئيسة تعود بالعقل البشري إلى طفولته الأولى "  » 

فمنكر البعث في السابق سأل مباشرة سؤال تحد عمن يحيي العظام وهي رميم ، أما صاحبنا  العلماني، فقد لف ودار واحتار في أمر البعث لأنه بالنسبة إليه لا أحد عاد مما سماه الماوراء أي بعد موته  ليخبره بما رأى ، وشتان بين التعبيرين عن إنكار البعث من حيث الوضوح  بل تعبير العلماني مثير للسخرية لأن التحدي الذي جاء به لا يرقى إلى  مستوى تحدي سؤال منكر البعث القديم، فهذا الأخير سأل عن القادرعلى إحياء الرميم من العظام ، بينما منكر البعث العلماني اليوم منتهى التحدي عنده أنه لا أحد  عنده بعث بعد موته ولمّا  يحين موعد البعث بعد  ، علما بأن القرآن الكريم فيه ما يسفه هرطقته ،لأن الله تعالى بعث  بالفعل من مات مائة عام في الحياة الدنيا، وهو بذلك  سبحانه أقدر على بعث الخلق في الحياة الأولى تماما كما هو الشأن في الآخرة مصداقا لقوله تعالى : (( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي الله هذه بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبث يوما أو بعض يوم قال بل لبث مائة عام فانظر إلى طعامك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلمّا تبيّن له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير )) ، وهذا النص القرآني كما جاء في كتب التفسير يروي قصة أحد أنبياء بني إسرائيل كان قد سبي في العهد البابلي ثم تخلص من سبيه، فعاد إلى  بيت المقدس التي خربها البابليون ، وتساءل عمن يحيي أهلها وكانوا عظاما بالية ، فأماته الله تعالى مائة عام ثم أحياه ، وبيّن له كيف يكون البعث حيث أنشز تلك العظام أي ركّبها من جديد ثم كساها لحما، وعاد أصحابها إلى الحياة من جديد ، وأنشز أيضا عظام حماره ، وأكثر من ذلك أقنعه بأن طعامه الذي كان معه لم يفسد، ولم يتغير طيلة مدة موته ، وفي ذلك بيان لقدرة الخالق سبحانه وتعالى الذي لا يعجزه شيء .

وكفى بهذا ردا  قرآنيا على العلماني القائل أنه لا أحد عاد بعد موته ليخبر غيره بحقيقة مارأى . ومن غرور وكبرياء هذا العلماني أنه  استخف بمن يعتقد بالبعث، ووصف ذلك بأنه جواب بئيس يعود بالعقل البشري إلى طفولته الأولى، بينما يعتبر إنكار البعث نسقا فكريا عظيما مع أنه في الواقع مجرد ترّهة إذا ما عرضت على الرد القرآني المفحم ، والذي لا يعاند فيه إلا المكابرون ، وصاحبنا العلماني منهم.

وعلى غرار الرد القرآني على ترّهة إنكار البعث يمكن أن نسوق ردودا أخرى على باقي الترّهات العلمانية التي هي اجترار لترّهات من سبقهم من منكري حقيقة البعث وكل ما يتعلق به أو يترتب عنه ، وإنكارهم لها قد ترتب عنه إنكار ما يتوقف عليها من حقائق، وسلوكات، ومعاملات .

ومما جاء في الرد القرآني على الترّهات  العلمانية وقد سبقهم إليها الأقدمون بشهادة الوحي الذي لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه قوله تعالى : (( فأعرض عمن تولّى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى )) ، وفي هذا رد على ترّهة العلماني التي  أشرنا إليها في مقال سابق  وقد جاء فيها  ما يلي :

 "عندما وُلدتُ لم يسألني أحد إن كنت أقبل بالخروج إلى هذا العالم، وعندما سأموت لن يكون ذلك مطلقا بإرادتي، يبقى المجال الوحيد الذي أملك فيه حرية الاختيار هو المسافة الفاصلة بين البداية والنهاية: أن أختار نمط حياتي، حتى لا يمُرّ بي العمرُ فارغا من أي معنى، وفي ذلك فقط أثبت وجودي، في الوقت الذي يسعى فيه غيري إلى بذل جهود مضنية لإقناع نفسه بأن الحقيقة الأهم هي وجود قوة خفية قررت خروجه إلى العالم ثم قررت استعادته في يوم ما، دون أن يعرف الحكمة من ذلك سوى العبودية الإرادية".

وفي الأخير ننبه إلى أن الردود القرآنية كافية لمواجهة الترّهات العلمانية التي هي مجرد اجترار لترّهات بالية لمن كان قبلهم في الأزمنة الغابرة . ويجدر بكل من يخوضون مع العلمانيين في جدلهم البيزنطي أن يواجهوهم بما واجه القرآن الكريم به أمثالهم لأنه رسالة الله عز وجل للناس أجمعين إلى يوم الدين ، ومن رام مواجهتهم بغير هذا القرآن، فإنه سيهدر الطاقة والجهد فيما لا طائل من ورائه ، وحسبه قوله تعالى : (( ولو أننا نزّلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون )) ،وقوله تعالى بعد ذلك : (( فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليقترفوا ما هم مقترفون ))  صدق الله العظيم .

ولن يكون حال العلمانيين في زماننا هذا مختلفا عما كان عليه حال من كان قبلهم من افتراء ترّهات لا يمكن أن تثبت أما الحق المبين مما جاء في الذكر الحكيم.

وسوم: العدد 1027