جنوب افريقيا ـ فلسطين: متى يتحقق المثال؟

أقامت بريتوريا من خلال الدعوى التي رفعتها ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية أمثولة عالمية خطيرة وذلك عبر كشف التشابه الحاصل ضمنا بين النضال الذي خاضه السود في جنوب افريقيا ونضال شعب فلسطين.

يخلق هذا المثال مشابهة أيضا بين نظام الأقلية العنصرية البيضاء التي استوطنت جنوب افريقيا وحرمت أهلها الأصليين من حقوقهم الإنسانية الأساسية، ونزعت عنهم حقهم في حكم أنفسهم أو في التمثيل السياسي، وطبقت عليهم نظاما عنصريا بغيضا، ونضال الفلسطينيين في ظروف تطورت عن احتلال كولونيالي بريطاني إلى احتلال استيطاني إسرائيلي انتقل تدريجيا من إقامة نظام عنصري يحرم الفلسطينيين من حقوقهم، ويدمر مشروع دولتهم المستقلة، إلى تدمير وجودهم الفعلي عبر العمل على طردهم من أرضهم وارتكاب أشكال الإبادة الجماعية ضدهم.

مدعوما بنضال نزع الاستعمار والعنصرية في العالم، والأحزاب الديمقراطية واليسارية في الغرب، والدول المتحررة من الاستعمار، وتضافر ذلك مع تقبل الأقلية البيضاء للتغير التاريخي، نجح شعب جنوب افريقيا في الوصول إلى تسوية سياسية كبرى صعبة نتج عنها نظام ديمقراطي سمح لسكان جنوب افريقيا بحكم أنفسهم، كما حافظ على حقوق الأقلية البيضاء وممتلكاتها، وهو ما أثار إحساسا بالإجحاف لدى كثير من السود لكنه أنهى، بطريقة سلمية، صراعا دمويا هائلا، ليس بين البيض والسود، بل بين إرث الغرب الاستعماري وتوق الشعوب للتحرر، ومثل ذلك ذروة في تاريخ نضال الشعوب لنزع الاستعمار.

ساهمت الكوارث التي تعرض لها اليهود في أوروبا، والتحالف الذي نجحت القيادة الصهيونية بإبرامه مع دول الغرب المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، والنفوذ المتصاعد للوبيات السياسية والمالية اليهودية في نظام الرأسمالية العالمية في إنشاء إسرائيل.

ساهم الدعم الغربي للكيان الناشئ، في مراحله المختلفة، في تحوّل الدولة الإسرائيلية إلى جهاز عسكري أمني ومالي هائل الأهمية للمنظومة العالمية، ولليهود في العالم، كما أدت الهزائم المتواصلة للنظم العربية، وتمكن أنظمة الاستبداد العربية من الانقضاض على موجة الربيع الديمقراطية، وانتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، في توسع كبير لعملية التطبيع مع إسرائيل، وإلى تجاهل كارثي لحقوق الشعب الفلسطيني الأساسية، للنكبة الفلسطينية المتواصلة.

ما فعلته أحداث غزة، منذ 7 تشرين أول (أكتوبر) الماضي، هو أنها كشفت بشكل فاضح الوجه القبيح، الوحشي، العنصري، لدولة الاحتلال، كما كشفت انهيار منظومة الأخلاق السياسية لدى الغرب بشكل فظيع.

إضافة إلى ذلك، كشفت الأحداث الجارية انحطاط الوضع العربيّ برمته، وأنهت، عمليا، مقولة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وخلال محنة الفلسطينيين، وحدهم، ونضالهم ضد آلة الموت الإسرائيلية، تطور وضع إقليمي، مع فتح جبهة الجنوب اللبناني، والحصار الذي ضربه «الحوثيون» على البحر الأحمر، لكن الأهم، أن الحرب الجارية أعادت فتح ملف النضال الفلسطيني، وفتحت، بالتالي، ملف ضرورة إنهاء الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي، في إطار عملية نزع الاستعمار التي لم تنته، وكطريقة لعودة السلام إلى فلسطين والعالم.

وسوم: العدد 1068