تنفيذ حكم الموت

"صدام حسين ومعمر القذافي"

صالح خريسات

انتهى حكم الرئيس صدام حسين بالطريقة التي كان هو نفسه يحكم بها على الآخرين" الحكم بالموت". ومن الطبيعي أن يكون السؤال الذي وجه له قبل صدور قرار المحكمة الجنائية العليا العراقية، هو أفضل طريقة يفضلها للموت ؟

وحسب ما أوردته بعض الصحف الأجنبية، وتناقلته الصحف العربية، فإن الرئيس العراقي السابق، كان يفضل الموت رمياً بالرصاص. لكن الجهات العراقية المسئولة، ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية، باعدت بين هذه الرغبة، وإمكانية تحقيقها، خوفا من انعكاساتها المعنوية على شخص الرئيس، بعد تنفيذ حكم الموت.

 والفرق بين الإعدام شنقاً حتى الموت، أو رمياً بالرصاص، أن الشنق فيه إهانة للمجرم، وإساءة لكل معاني الشرف والرجولة، وهو جزء من العقوبة النفسية والاجتماعية، التي ثبتها القانون ضد المجرمين.

 لكن الإعدام رمياً بالرصاص، يشبه موت الشجعان والأبطال، الذين يقاتلون في الحروب المشرفة، دفاعاً عن الوطن، وفي سبيل أهداف الحرية والاستقلال، ضد أشكال الظلم والطغيان، والاستبداد السياسي.

 ويحرص الشرفاء، والنبلاء، والأحرار، على التشبه بهؤلاء الفرسان والأبطال في الموت. وهي وسيلة لا تترك للضحية، فرصة للشعور بالإهانة والذل، وتعفيه من العذاب الأليم، الذي يستغرقه الشنق، حتى تضغط الفقرات، وتلفظ الضحية أنفاسها . فما أن يطلق الرصاص، حتى تزهق روحه، ويلتحق فوراً بعالم الذين حكم عليهم بالموت .

 وقد وجدنا في التاريخ السياسي ، أن القادة العظام والزعماء الكبار، كانوا يحرصون على إرتداء الزي العسكري، أثناء عملية تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص . وأن الجندي أو الضابط، الذي يتولى مسؤولية الحكم، وإطلاق النار، كان يؤدي التحية للقائد العظيم، قبل أن ينفذ الأمر . ويبدو أن هذه الحركة، تعيد للشخصية اعتبارها، في اللحظات الأخيرة، ما قبل الموت .

 وكان السؤال الصعب، بالنسبة إلى علماء النفس، والخبراء النفسانيين، والأطباء، هو ما الذي يمكن أن يفكر فيه الإنسان، وهو يدخل حياً تجربة الموت الأبدي ؟ وبالتأكيد، يختلف الأمر هنا بين الإنسان الذي يموت ميتة طبيعية، بعد سن الشيخوخة ، وبين الإنسان الذي يموت ميتة الفجأة، بسبب حادث عارض، فالله هنا هو الذي يحيي ويميت، ولا اعتراض على أمره .

 وبالنسبة للرئيس العراقي صدام حسين، فقد كنا أمام شخصية تاريخية عجيبة، تصلح أن تكون مادة حاضرة في أذهان الشعوب، والقادة على حد سواء ، .. فما الذي يمكن أن يكون قد فكر فيه الرئيس صدام حسين، وهو يغادر الأرض بهذه الطريقة ؟ !

 وفي تصوري، أن الرئيس العراقي اعترف بينه وبين نفسه، بأنه كان يمتلك رؤية خاطئة للعالم، وأنه لم يكن يعرف العالم كما هو، ولا يفهمه، وبالتالي اقترف أخطاء جسيمة ، ..!

 فعندما توصل السيد الرئيس بالسلطة، أحاط نفسه بالمنافقين، وغير الموهوبين، وتخلص من القادة الكبار والسياسيين، وتلك مشكلة أدت إلى أن يكون بعيداً عن الواقع، من الناحيتين السياسية والاجتماعية، وإن كل من حوله، كانوا يقولون له ما يريد أن يسمع، وليس ما ينبغي له أن يسمع .

 إن الدولة كلها تنفذ أوامره دون مراجعة أو مناقشة، وإن اهتمام أجهزة الأمن وعملها، كان مركزاً فقط على أمنه هو، وليس على ما يدور في العالم، وإنه كان همه أن يحمي نفسه من العراقيين، وليس أن يحمي العراق من الأعداء .

 إلا أن التنفيذ الحرفي للقرارات دون مراجعة أو مناقشة، قد أضر به . وأن تفرغ أجهزة الاستخبارات للأمن الداخلي، أضعف الدولة، في تكريس إمكاناتها لأمن النظام ، فبدلاً من إرساء قواعد الديمقراطية، وتعزيز الأمن السياسي، ضاعت الإمكانات المادية والمعنوية، في القنوات التي تحافظ على بقاء الرئيس في السلطة،.

 وبالمقابل، كانت حقيقة العالم وما يجري فيه، من متغيرات وتحولات، بعيدة عن السيد الرئيس، وهو يتخذ قراره بناء على معلومات وهمية، صنعتها تصورات رفاقه المحدودة الفهم، وليس لهم أي علاقة بما يجري حولهم، لأنهم في الواقع يرون ما حولهم على غير حقيقته .

 وبالتأكيد، فإن الرئيس صدام حسين، لم يعرف أسلوباً سياسياً لصناعة القرار، ولم يكن يحتكم إلى قوانين أو مؤسسات مرجعية، ويحفظ العراقيون للرئيس الراحل، الحوارية التي كان يسأل فيها نفسه : "ما هو القانون ؟ نحن وضعنا القانون ونحن نمحيه " بيد أنه كان محاطاً بفريق من المساعدين، على درجة عالية من النفاق الذليل، والجهل بالعالم الخارجي، وفقدان الثقافة السياسية.

 كل ذلك جعل الرئيس يخطئ في اتخاذ قراراته واختيار رجالاته، فيستبعد الناصح ويشك في ولائه، ويقرب منه من ليس يصدقه القول . ولما اختلط الأمر عليه، واشتدت أزمة الثقة، توجه إلى أقرب الناس إليه وأدناهم . لكنهم أيضاً اختلفوا معه وتفرقوا .

 ويتصدر العراق الآن كل دول العالم، في حجم المعارضة، ولا توجد دولة غربية، إلا وفيها أحد أقطاب النظام السابق، ممن كانوا مع السيد الرئيس، و في الصفوف الأولى من مقاعد السلطة. وجميعهم بالتأكيد، وصلوا برضا السيد الرئيس، وبتزكية منه، وكانوا أهل دراية بالنفاق الذي يكشف ظاهرة لها قوتها الهائلة، التي تعمي العين عن رؤية الحقيقة في الحكم . وعندما كانت خيرات العراق للعراقيين، كان جل هؤلاء من المتعاونين في السلطة، يتسابقون في الجلوس إلى جوار السيد الرئيس، أو خلفه. ولطالما دخلوا في صراع مع بعضهم، من أجل التقرب إليه، فلما وقع المحظور، حملوا ما خف حمله وغلا ثمنه، وانطلقوا يؤنبون العالم على السيد الرئيس، ويحشدون له المعارضة، ويستقدمون أصحابهم، أعداء الأمس أصدقاء اليوم .

 ولم يفعلوا ذلك حبا في العدالة وانتصاراً لإرادة الشعب، وإنما خوفا من العقاب الذي ينتظرهم بعد أن انكشفوا على حقيقتهم ، فأرادوا إظهار البراءة والتماس الطهر لأنفسهم بالمعارضة الزائفة، بعد أن فقد النظام قوته وسيطرته، وانشغل بأحداثه الخارجية. ونضرب مثلا، حسين كامل ، كيف غادر العراق ؟ وكيف رجع ليلقى حتفه ؟! وبالنتيجة، فإن السيد الرئيس، ارتبط لأكثر من ثلاثين عاماً، بنمط واحد في صناعة القرار السياسي، وإن هذا النمط كان يوقعه دائماً في خطأ سوء تقدير قوة الخصم وقدراته، ويحمل معه نتائج سلبية، على شكل كوارث للعراق وجيرانه.

 ومعلوم أن أي نظام لصناعة القرار، يعتمد في نجاحه على الحذر دون تطرف، في تحديد الأهداف، وتجنب القرارات التي تحتمل المخاطر، والمعرفة الكافية بالخصم الذي يواجهه، وهذه الوسائل لم تكن تتوافر للسيد الرئيس بنمط قيادته، وطبيعة طاقم مساعديه.

 نعم لقد توصل السيد الرئيس بالسلطة، بطريقة لم تكن مناسبة، وأنه لم يكن وقتئذ يمتلك التجربة والخبرة، في السياسة وممارسة الحكم، في بلد كبير بحجم العراق وقدراته. ولكنه كان يحلم بالعظمة ، ويتصرف تماما كما تروي كتب التاريخ، عن القادة العظماء ،.. لقد حاول تقليدهم في كل شيء ، في قصوره المتعددة، وصوره المعلقة، وتماثيله المنحوتة .. كان يرى نفسه الفارس العربي، والبطل الوحيد .. بيد أنه اكتشف ، وبعد فوات الأوان، انه لم يكن يسمع ممن حوله من المتملقين، سوى ما يرضيه، وليس ما ينفعه، وما دامت تلك القاعدة هي وسيلة الوصول إلى المنصب، فلسوف يمنع هؤلاء عن الرئيس الحاكم، الرأي الصادق، والمشورة الأمينة. وهو ما كان يحدث في نظام السيد الرئيس.

 لقد كان يعيش في قصره مخدر العقل بألقاب الزعامة والعظمة، فهو فخامة السيد الرئيس ، الرفيق المناضل، الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي ، رئيس مجلس قيادة الثورة ، القائد الأعلى للقوات المسلحة العراقية، بطل التحرير القومي ،الملهم ، رئيس جمهورية العراق

 لكن هذه الألقاب جميعها، سقطت في اللحظة التي ضربت بها أول طلقة مدفعية باتجاه القصر الجمهوري، وسقط كل الرجال من حوله، وهذا هو السر في المشهد العراقي الأخير..

وباختصار، لقد أتعب السيد الرئيس العالم وأتعب من تبعه.

أما العقيد معمر القذافي، فقد كان يقطع بمشرط الجراح من لحم كل من يحاول اغتياله، ويمارس هذا العمل على مرأى ممن حوله، لكي يتعلموا منه درسا، ويذيعوه بين الناس، فيرتعبون ولا يفكرون بالاعتداء على قائد الثورة العظيم، كما كان يصف نفسه. لقد كان يريد من الشعب الليبي أن يتحولوا إلى حيوانات.

 لقد تجرأ مواطن ليبي، وقرر أن يدخل تجربة محاولة اغتيال العقيد معمر القذافي، فجلس في أعلى الشجرة، التي يمر من تحتها موكب العقيد القذافي، وحمل سلاحه الرشاش معه. ومن سوء حظه، أن حرس العقيد كشف أمره، فما كان من العقيد إلا أن أمر بتعليقه في جذع الشجرة نفسها، ثم بدأ في كل يوم يقطع جزءا من لحمه. وعلى الرغم من وفاته إلا أنه تركه معلقا وسمح للناس بإلقاء نظرة عليه.

 ولكن هذه الرسائل كانت تصل إلى الناس لتزيد في حنقهم وغضهم لهذا الزعيم المستبد، وتصوروا أنهم يعيشون حربا دون معركة، ولا بد للحرب أن تنتهي.

 لقد كان هذا الحكم المتعسف المجنون، مآله الفشل.وكان ينبه بقرب يوم التحرر من هذا الحكم البدائي. فقد أدهشه نجاحه في الانقلاب الأبيض، الذي أطاح بالملكية في ليبيا، ولم يصدق نفسه. ومنذ اللحظة التي رأى نفسه فيها زعيما لدولة غنية، ورأى الجماهير العربية تساق بالكلمة، توهم في نفسه أنه ملك الملوك.

 ولكي يضمن استمراره في السلطة، منع الفكر عن الناس، وعتم عليهم في وسائل الإعلام، وضيق عليهم بالمال، وبث جواسيسه المرتزقة في كل مكان. فكان الأجانب من الرجال والنساء والغلمان، يتمتعون بأطايب الحياة، ويتقاضون أجورا عالية، على ما يقدمونه من متع وخدمات لهذا الطاغية.

 وقد عبر الثوار عن روح السخط والانتقام، بالطريقة التي نفذوا فيها حكم الموت على العقيد القذافي..وللحديث صلة.