الموقف الأمريكي من الثورات العربية

خيانة الديمقراطية!!

محمد خليفة

مواقف الولايات المتحدة من الربيع العربي , متعددة , متضاربة , لا تتسم بالوضوح . ليس هناك موقف واحد للادارة , ولا للخارجية .

في الحالة التونسية ومع بداية الانتفاضة , لم تظهر واشنطن حماسا , ولم تتخذ موقفا سريعا مؤيدا للتغيير لأن المخلوع ابن علي كان حليفا نموذجيا , ولكن الأداء تحسن في الحالة المصرية , إذ طالبت واشنطن الرئيس مبارك بالتنحي بوضوح وبلا تأخر , ثم ازداد الأمر قوة في الحالة الليبية , ووصل حد المشاركة في التدخل العسكري الاطلسي . إلا أن مواقف الولايات المتحدة على المستويين ّ: أي الادارة أولا , والأجهزة البيروقراطية وخاصة وزارتي الخارجية والدفاع ثانيا , عادت فانتكست إزاء الثورتين اليمنية والسورية , ولكي لا ننسى البحرينية أيضا !.

لو كان القرار الامريكي يتخذ وفقا للمبادىء فقط , لتعاملت الولايات المتحدة مع جميع الثورات بنفس المنهجية . ولو كان القرار يتخذ وفقا لمساومة مقبولة بين المبادىء والمصالح , لكان يجب أن تتعامل أيضا مع الثورات العربية بنفس الطريقة , أو على الاقل , بطرق متشابهة , لأن مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط واحدة , كما تبلورت طوال سبعة عقود , لا تختلف بين اليمن ومصر وليبيا وسوريا وتونس .

أما حالة الاختلاف والتضارب وعدم الوضوخ في المواقف كما رأينا في العام الاخير من الربيع العربي فلا معنى لها سوى ان صناعة القرار الأمريكي إزاء الشرق الاوسط تقوم على المصالح فقط . وإذا لاحظنا أن المواقف الامريكية من الثورات العربية شهدت في الشهور الاخيرة تراجعا للخلف بدل أن تتعزز للأمام , فالارجح أن السبب كما رأى كثير من المحللين يعزى إلى أن هذه الثورات أسقطت طغاة قبيحين ولكنهم موالون مخلصون للولايات المتحدة وحملت بدلا منهم إلى السلطة القوى الاسلامية , بكل طبعاتها والوانها , الاخوانية والسلفية والجهادية , الأمر الذي أثار مخاوفها ومخاوف حلفائها الاوروبيين والاسرائيليين . وهذه القوى غير مضمونة الولاء , ولا مضمونة السلوك , خاصة تجاه إسرائيل . والارجح أن القلق من سيطرة الاسلاميين على السلطة عبر الانتخابات التي جرت في تونس والمغرب ومصر , وتوقع وصولهم في ليبيا واليمن , وكذلك في سوريا هو السبب الرئيس الذي جعل الولايات المتحدة تتردد في مواصلة دعمها للثورات , ولا سيما اليمنية والسورية , لأن الاولى ذات موقع حساس في خاصرة الخليج والممرات الاستراتيجية لصادرات النفط للغرب , وصار فيها ل " القاعدة " الف قاعدة وقاعدة ! ولأن الثانية ذات تأثير مباشر على أمن إسرائيل والطوائف غير الاسلامية في عموم الشرق الأدنى .

إننا نشهد عودة للدعاوى الاديولوجية العنصرية التي سادت طويلا في النظرة الغربية بعامة للعالم العربي , أي أن الديمقراطية لا تصلح للعرب , وهي أيضا لا تخدم مصالح الغرب والولايات المتحدة في منطقتنا , وها نحن نشهد أدلة فاقعة على هذه الانتكاسة الخطيرة .

أولا - الموقف المتساهل من جرائم الجيش المصري ضد المواطنين , وخاصة شباب الثورة , ومحاولة الجيش الالتفاف على مطالب الثورة .

ثانيا - الموقف المتخاذل من جرائم الرئيس اليمني , والمشاركة في مبادرة الخليج لإنقاذه وحمايته من شعبه .

ثالثا - الموقف اللامسؤول في العراق , والسماح للإيرانيين بملء الفراغ فيه . ثم الانسحاب منه قبل ضمان الاستقرار , وتركه نهبا للقوى والصراعات الطائفية .

رابعا - الموقف المتراخي مما يجري في سوريا من مجازر وانتهاكات صارخة وسافرة لخقوق الانسان رغم خطورتها على أمن المنطقة بعامة , وتهديدها للتعايش الطائفي والاثني في الشرق الوسط , والتراجع أمام التهديدات السورية - الايرانية السافرة .

حامسا - التواطؤ المفضوح مع السلطات البحرينية ضد الاقلية الشيعية , والحراك الشعبي معا والصمت على القمع في هذا البلد .

أمس كتب الكاتب البريطاني كون كوغلين في التلغراف البريطانية يقول إنه بفضل سياسة الادارة الامريكية الحالية أمسى بإمكان الطغاة الكبار في العالم من أمثال بشار الاسد النوم قريري العيون , لأن أوباما قرر العودة لسياسة عدم التدخل في الازمات العالمية وعدم التهديد باستخدام القوة , والانكفاء للداخل استعدادا للانتخابات الرئاسية العام القادم , وختم الكاتب مقاله بالأسف لأن العم سام لم يعد يجد حبوب الشجاعة ليتناولها .!

هذا التحول المهم هو أحد أهم أسباب تصلب بشار الاسد في مواقفه واستخفافه بالدول الخارجية عموما وإسرافه بالقتل , فلقد أدرك المجرم وعصابته أنه لا وجود لأي خطر خارجي بالتدخل ضده , لأن عدم تدخل الولايات المتحدة يعني تلقائيا عدم تدخل الناتو , وعدم التدخل التركي أو العربي .

ومن يتمتع بذاكرة قوية لا بد أنه يتذكر تصريحات أركان الادرة الامركية غير الحازمة تجاه النظام السوري منذ بداية الثورة الشعبية , بل إن تصريحاتهم أدت دورا سلبيا جدا لأنها برأيي طمأنت النظام على طول الخط , فقد تنافس الامريكيون والاوروبيون ومسؤلو الناتو على القول باستمرار : لن يكون هناك أي تدخل عسكري في سوريا , والسؤال إزاء هذه التصريحات القاطعة : لماذا لم تستخدم [ على الأقل ] سياسة الغموض الايجابي , والقول للنظام السوري : كل الخيارات واردة إذا استمر القتل والقمع , لماذا لم يجر التهديد ولو بمسدس فارغ ؟؟!!!

أوباما بدأ الاستعداد للانتخابات القادمة ليضمن البقاء في البيت الابيض أربع سنوات أخرى , ومن اجل ذلك ترك العراق للإيرانيين وأعوانهم المحليين , وترك الشعب السوري لجيش الاحتلال الاسدي القرمطي , وقال للشعوب الثائرة من أجل حريتها وكرامتها وحقوقها , أي من اجل الديمقراطية : إن الديمقراطية لا تناسبكم , ولا يناسبنا حصولكم عليها , وكان لافتا أن الناطق باسم الخارجية الامريكية أيضا بدأ يكرر مزاعم الروس والسوريين عن وجود عصابات تعتدي على الجيش السوري هي أشبه بالكائنات الفضائية الغامضة تقتل جنودا مسالمين وادعين أمنين , بلا سبب ولا مبرر ! أي أن الامريكيين في سبيل تبرير سياستهم المتخاذلة , لم يكتفوا بترك المذبحة تستمر إلى مداها المعد من العصابة , بل أخذوا يكررون الروايات الهيتشكوكية والراسبوتينية للسوريين والروس , كما صاروا يتذرعون بتفكك المعارضة السورية وانقساماتها تبريرا لمواقفهم , وهم أكثر من يعلم أن الانقسامات المذكورة من صنع دول حليفة لهم , وبإمكانهم الضغط لتوحيد المعارضة وتجاوز انقساماتها لو أرادوا الجد لا الهزل .

يا شعب سوريا البطل وأنت تتعرض للمذابح يوميا حسبك الله ونعم الوكيل , لقد خانوا مبادئهم قبل أن يخونوك .. !!