الفتنة تشتعل... أطفئوها يا مصريون

حسام مقلد *

[email protected]

تبين بعد أحداث ووقائع الفتنة الطائفية المتتالية في عدد من الأماكن والمواقع في مصر أن علاقة المسلمين بالأقباط هي الحلقة الأضعف التي يمكن لأعداء مصر في الداخل والخارج التسلل من خلالها لإشعال نيران  الحرب الأهلية في طول البلاد وعرضها، وخبراء السياسة يحذرون بقوة من اللعب بالنار على هذا النحو الخطير فمصر ليست أفغانستان ولا الصومال، ولو أصابها مكروه لا قدر الله فسوف يدفع العالم كله الثمن، وأول الدافعين لهذا الثمن الفادح سيكون إسرائيل وأمريكا، وملايين الناس على استعداد لحماية مصر بأرواحهم وبذل دمائهم رخيصة فداء لها فليحذر اللاعبون بالنار المستقوون بالخارج المنادون بحماية المحتلين لهم ـ ولا أدري ممَّ سيحمونهم؟!! وليثق الجميع أنه لن يحمي مصر وأبناء مصر إلا جيش مصر وشرطة مصر ومعهما كل المصريين الشرفاء مسلمين وأقباط.   

وبعد وقوع فتنة إمبابة التي كانت أشبه بالمعركة الحربية لابد أن نتدارسها بكل عناية لاستخراج العبر والدروس المستفادة، ويسترعي انتباه الجميع في البداية كثافة إطلاق النار الذي حدث!! فمن أين جاءت كل هذه الأسلحة بحيث تبادل الطرفان إطلاق النار على هذا النحو الكثيف؟!! ولو افترضنا وجود بعض الأسلحة في الكنيسة فمن أين أتى لهم هذا الدعم اللوجستي الهائل بكل هذه الذخيرة؟! وهذا يجرنا لسؤال آخر هو: هل كان الأمر كله مدبرا بمعرفة ومشاركة أشخاص كانوا في الكنيسة وتم استدراج بعض المسلمين من بسطاء الناس للذهاب للكنيسة؛ حتى يتسنى للمتآمرين إشعال نيران هذه الفتنة بدعوى تعرضهم لهجوم من السلفيين؟!! ولو كان الأمر كله مجرد أحداث عادية تصاعدت تلقائيا دون تحريض وإعداد وبدأت بإبلاغ شخص من أسيوط عن اختطاف زوجته التي أسلمت وأنها محتجزة بكنيسة في إمبابة، وأن أحد أفراد الشرطة استعان برجل ملتحٍ (سلفي...!!) من أهل المنطقة للتوسط لدى الكنيسة لمعرفة الحقيقة وإطلاق سراح المرأة التي زُعِمَ أنها مختطفة، وذهب الرجل (عمي الشيخ..!!) بالفعل ومعه بعض الأشخاص لتهدئة الأمور، إلى هنا والكلام مقبول ومتوقع لكن كيف ظهرت كل هذه الأسلحة فجأة في داخل الكنيسة ومع أفرد خارجها بحيث تم تبادل إطلاق النار على هذا النحو الكثيف؟! وكيف تم تجهيز زجاجات المولوتوف على هذا النحو السريع جدا؟! وما مبرر وجود أسلحة أساسا في الكنائس؟! هل هي دور عبادة أم ثكنات عسكرية؟!!

إن هناك ثلاثة سيناريوهات تحاول اكتشاف الأيدي الآثمة التي خططت ودبرت وارتكبت فتنة إمبابة المروعة:

السيناريو الأول: يفترض أن نفرا من المتطرفين الأقباط، وبخاصة من أقباط المهجر، هم من دبر وخطط  ونفذ هذه المجزرة البشعة على هذا النحو الفاجر؛ لتكون مبررا للأصوات التي تنادي بالتدخل الخارجي لحماية الأقباط، ويستند أصحاب هذا السيناريو على كلام سُمِعَ من أشخاص في موقع الأحداث قيل إنهم أقباط وكانوا يرددون عبارة:(عاوزينها تولع...!!) أي أن هؤلاء النفر يريدون إضرام نيران الفتنة وإشعالها على نطاق واسع في مصر، كما يتكئ أصحاب هذا السيناريو على أسئلة وجيهة تستغرب وجود هذا الكم من الأسلحة والذخائر داخل الكنيسة، وتتعجب من السرعة الهائلة التي تمت بها الأحداث، الأمر الذي يؤكد أنها كانت مرتبة فعلا وأن بعض الضالعين في هذه المؤامرة كانوا داخل الكنيسة بالفعل!!  ويظن أصحاب هذا السيناريو أن ما دفع هؤلاء لهذه الجريمة هو تفاقم موضوع كاميليا شحاتة وما خلَّفه الضغط الإعلامي  من احتقان طائفي شديد أشعر هؤلاء بأنهم مضطهدون، وأثار فزعهم ومخاوفهم من المجهول الآتي بعد الانتخابات؛ فأرادوا أن يستبقوا الأحداث ويفتعلوا قصة يظهرون من خلالها في وسائل الإعلام أنهم ضحية للاضطهاد الديني والقمع الإسلامي الذي يمارسه عليهم السلفيون المتشددون، لعل ذلك يعرقل وصول الإسلاميين للسلطة، ويجلب للأقباط  التعاطف الدولي!!

السيناريو الثاني: يفترض أن فلول نظام مبارك البائد من بقايا جهاز أمن الدولة ورجال الأعمال والأقباط المتعاطفين معه هم من يقف وراء تدبير وتنفيذ مجزرة إمبابة، فبعد انتهاء مشكلة كاميليا شحاتة بإعلانها شخصيا ـ وفق التسجيل الذي ظهرت فيه ـ أنها لا تزال على مسيحيتها وأنها تعيش هانئة سعيدة مع زوجها الكاهن وطفلها الصغير ـ وجد هؤلاء أن دورهم قد انتهى وأن الوضع سيهدأ في مصر، وسيتجه المصريون للبناء، وأن الثورة في طريقها للنجاح، فعز عليهم ذلك فأشعلوا فتيل هذه القنبلة التي يمكن أن تنفجر في أي لحظة في وجه الوطن كله، وسيكون انفجارها لو حصل ـ لا قدر الله ـ مدمرا ليس لمصر وحدها بل وللمنطقة والعالم إذ سيبدأ فصل جديد من الحروب الدينية بين الإسلام والمسيحية، وإبراءً للذمة أمام الله عز وجل يجب أن نعلن جميعا استنكارنا الشديد لهذا المخطط الآثم الذي يتم جرجرة الصبية والمراهقين إليه من خلال استفزازهم  واستثارة حميتهم الدينية سواء أكانوا مسلمين أم أقباط.

السيناريو الثالث: يفترض أن هناك أناسا يظهرون بمظهر السلفيين ويتزيون بزيهم لكنهم ليسوا سلفيين بالفعل ويعلم الله أن السلفيين الحقيقيين منهم براء، بل هم أناس كانوا مخترقين من جهاز أمن الدولة المنحل، أو أنهم بالأحرى كانوا صنيعته وأداته لتوريط الإسلاميين والسلفيين في مشاكل كثيرة للإيقاع بهم عند اللزوم، وهؤلاء اليوم يهيمون على وجوههم بلا قيادة أو رأس أو عقل يوجههم ويخطط لهم، ومن ثَمَّ فهم أشبه بكتلة حية تمتلك الطاقة والحيوية ويمكن لأي جهة كانت أن تتسلل إليهم وتستعملهم فيما كان يستعملهم فيه  جهاز أمن الدولة البائد، ولا يستبعد أصحاب هذا السيناريو أن جهات كثيرة داخلية وخارجية تسعى لاستخدام هؤلاء واستغلال الفراغ الذي يعانون منه؛ لتوجيههم لارتكاب جرائم نوعية معينة لتخويف المصريين من الإسلاميين وتنفيرهم منهم ومن أفكارهم ونموذجهم الحضاري المتكامل للإصلاح والديمقراطية.

ولا يوجد نظريا ما يمنع صحة حدوث أحد هذه السيناريوهات الثلاثة، بل في رأيي الشخصي أنها كلها يمكن أن تكون قد وقعت بالفعل سواء عن طريق تلاقي المصالح واستثمار الأحداث التي تصاعدت فجأة والمشاركة فيها بشكل أو بأخر لتحقيق الأهداف المشتركة، أو سواء كان هناك إعداد مسبق وتنسيق وتخطيط معين أُعِدَّ سلفا لتهييج الشباب من الطرفين واستفزاز مشاعرهم الدينية واستنفار عواطف النخوة والمروءة والرجولة لدى البعض لإنقاذ إخوانهم الذين يستنجدون بهم!!

وسوف تكشف التحقيقات الجارية الحقائق كاملة عما قريب، فمجلسنا العسكري ليس نائما، ويخطئ من يتوهم أن تعامل جيشنا العظيم بالرفق والحسنى مع جماهير الشعب، وتسامحه مع بعض التجاوزات هنا أو هناك هو من قبيل الضعف، أو عدم القدرة على امتلاك زمام الأمور، بل هو من حرص قواتنا المسلحة البالغ على إطلاق الحريات للمصريين كافة، ورفع الظلم والغبن عن كل فئات المجتمع خاصة فئة الإسلاميين ـ والسلفيون في القلب منهم ـ الذين كانوا مقموعين  ومحكومين بالحديد والنار في العهد السابق، ولكن ينبغي أن نكون جميعا أهلا لهذه الحرية والديمقراطية، وعلى قدر المسؤولية التي تفرضها علينا هذه الحرية، فالديمقراطية لا تعني الفوضى والتسيب وحالة الهرج والمرج التي بدأت تتفشى بين صفوف المصريين، ونداءٌ عاجل لأبطال قواتنا المسلحة أن يحصنوا مصر بالعدل والحزم والأخذ بقوة على أيدي العابثين المنفلتين الذين يشيعون الفوضى ويثيرون الهلع والذعر في ربوع البلاد، فنحن لم نسقط النظام لنقع في براثن الفوضى والفتنة الطائفية، وإنما أسقطناه لإقامة دولة مدنية قوية تحقق الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية للمصريين كافة دون تفرقة على أساس الدين أو اللون أو الجنس.

وفي غمرة هذه الأحداث المحزنة الكئيبة يحق لنا أن نتساءل: أين رجال الشرطة؟! أين الإخوان المسلمون؟! أين الأحزاب السياسية؟! أين منظمات المجتمع المدني؟! أين شباب ثورتنا الطاهرة؟! أين علماء الإسلام ورجال الكنيسة؟! أين النقابات المهنية والعمالية؟! أين وسائل الإعلام الشريفة والإعلاميون الشرفاء؟! أين الأطباء والمعلمون والمهندسون والمحامون, و... و... ؟! لماذا ولمن إذن قمنا بهذه الثورة المباركة ؟! وإذا لم نقم جميعا بحمايتها فمن الذي سيحميها؟! على الجميع أن يبادر فورا بنشر الوعي بين الناس وتخفيف الاحتقان الطائفي بين عامة أبناء الشعب، ونتمنى أن يذهب كل جار مسلم الآن وفورا بزيارة جاره المسيحي والعكس كذلك، وليتنا نشهد مليونية الوحدة الوطنية في كافة ميادين مصر الجمعة القادمة، وليتنا نرى الموظفين والعمال يعملون ساعة إضافية يوميا تطوعا منهم لزيادة الإنتاج من أجل مصر ورفاهية أبنائها، وسيكون هذا أبلغ رد على صناع هذه الفتنة الآثمة!!

                

 * كاتب إسلامي مصري