لماذا يكون لأبنائهم المُلك، ولأبنائنا الموت

لماذا يكون لأبنائهم المُلك، ولأبنائنا الموت؟

أ.د. ناصر أحمد سنه - كاتب وأكاديمي من مصر

E.mail:[email protected]

يستنكر كثيرون عدم قيامي ـ ترغيبا أو ترهيباً، وبكافة الأساليب المشروعة وغير المشروعة ـ بـ"توريث" ابني لذات المهنة والمكان والمكانة العلمية والأكاديمية. ويتحفظون لتركي له يتخذ قراره بنفسه وفق رغباته وميوله وقدراته وطاقاته . وهم يشيرون إلي أن الكل ينفذ  تلك المقولة "المُقدسة":"ابن الوز عوام". فابن الطبيب طبيب (وقد رأينا من يدخل السجن لتزويره نتائج ابنه ليحصل علي أعلي الدرجات)، وابن المهندس مهندس، وابن مدير البنك مدير، وابن الصحفي صحفي، وابن الفنان فنان، وابن اللاعب الشهير لاعب شهير، وابن الميكانيكي ميكانيكي، وابن .... وابن.... الخ.  ويبقي هذا الأمر ـ مهما اتسعت دوائر تأثيره، ومهما سادت فيه الوسائل الميكيافلية، والمطامع والأهواء الشخصية ـ  يختلف عن الشأن العام وأهميته ومسئولياته الجسام.

وعلي الرغم من تلكم المسئوليات الجسام، نجدهم وأولادهم يموهون ويتحايلون ويقاتلون من أجلها. لا غرو أنها غنيمة ومُلك وتملك ومتعة واستمتاع لا عبئا ثقيلا ومهاما ثقالا يتخوف منها من يعرف قيمة المسئولية أمام الشعوب ثم أمام الله تعالي من قبل ومن بعد.

يحكي القرآن الكريم: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الزخرف:51)، ويقول تعالي:" وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (القصص:38).

وفي هذا الخضم الهادر، والسيل العرم، تثور الأسئلة المشروعة التي تحتاج لإجابات.

- كيف يعطي "من لا يملك لمن لا يستحق"؟

- أين الشرعيات والسلطات المستمدة من الشعوب وفق أرادتها الحرة النزيهة الماضية، دون تزوير أو تزييف أو وعد أو وعيد؟.

- لماذا يكون لأبنائهم المُلك، وقصوره، ومنتجعاته ويخوته، ولأبنائنا ـ شركاء الوطن الصالحين المُصلحين ـ الفقر والمرض والشتات واللجوء والموت وقواربه؟؟. لقد باتت أغلي أماني أولادنا أنْ تغرق بهم ـ مرة بعد مرة بعد مرة ـ قوارب الموت القديمة التي تلقي بهم أمام شواطئ أوربا. لقد فعلوا كل ما بوسعهم ـ تعلماً وتعليماً، قدرة ومُقدرة، كفاءة ومهارةـ يلقون حتفهم ـ يأساًـ في "قوارب الموت" بحثاُ عن "فرصة عمل".

ما أقسي أن تجاهد أسر من أجل تربية وتعليم أبنائنا وتأهيلهم للحياة، ثم يقبعون بجوارهم في البيت أو علي المقاهي، لا يجدون فرصة عمل لائق بمكانهم ومكانتهم. ثم نجد جدل المنافقين والمرتزقة والمنتفعين، وأعوان وعلماء السلطان في تحديد نسبة البطالة هل هي: 16% او  20% أم 30% من طاقة العمل. إن حالة تبطل واحدة كآلاف الحالات من البطالة.. سُبة وعجز عن القيام بالمسئوليات في دول ليست فقيرة بمواردها ودخلها القومي العام.

ليس أقسي علي أسر أن تبلغ بناتها الثلاثين والأربعين ولا تجد زوجاَ(وأنّي له زواج وهو لم يجد عملاً)، ولا تحقق كينونتها في بناء أسرة وإنجاب أطفال. ثم نجد جدل المنافقين والمرتزقة والمنتفعين وأعوان وعلماء السلطان في تحديد نسبة العنوسة هل هي: 16% أم  20% أم 33% من سن الشباب الصالحين والصالحات للزواج. إن ارتفاع معدلات العزوبة والعنوسة والطلاق والجريمة والمخدرات والعنف الاجتماعي والذي بلغ معدلات ـ كما وكيفاً وتنفيساُ عن غضب عام ـ غير مسبوقة لسُبة وعجز عن القيام بالمسئوليات في دول ليست فقيرة بمؤسساتها وعلمائها واختصاصيها ودراساتها العلمية الوافرة.

أن أقواماً يقودهم الجهلة والفاسدون المُفسدون..أعداء ومحتقري شعوبهم، ويزج بالأكفاء والأمناء علي أوطانهم،  وراء القضبان الصدئة، وفي الزنازين القذرة لمعرضون لكل الهزائم والبلايا والأرزاء. دول فاشلة تنهار، خاوية علي عروشها، قاعاً صفصفاً تذروه الرياح، تسخر من أمكانية تحقيق" اكتفاء ذاتيا"حتى في محاصيل برعت في زرعتها منذ سبعة آلاف عام.

نهضت بلدان عديدة من لا شيئ. أما هم فقد حظوا أعلي العلامات، ليس في سلم التعليم والبحث العلمي والمكانة الجامعية، أو حتى في مجال المسابقات الرياضية بل في جداول الفساد والإفساد، والفقر والإفقار، ونسب التشريد والتشتيت واللجوء وهجرة العقول والكفاءات، وتكريس التخلف والارتهان والتبعية (فمن لا يملك قوته لا يملك قراره).

- لماذا لأبنائهم صولجان المُلك، وأبهة السلطان، ولأبنائنا ـ شركاء الوطن، الأسوياء، الصالحين المُصلحين ـ عصا الذل، ومهانة الحرمان؟؟.

- لماذا احتكروا و"اغتالوا حلم" الأبناء.. الأكفاء الأقوياء الأمناء:" قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ" (القصص: 26)، بتبوء مكانهم ومكانتهم، ومساهماتهم ومشاركاتهم في الشأن العام؟.

- لماذا كرسوا"عقم أرحام الأوطان" عن أن تنجب أمثال أبنائهم؟، ولماذا استباحوا الأوطان، وجاءوا علي "دبابات الحرية والديمقراطية". كرسوا الحروب والفتن والفتنة والتفريق والتفتيت لتدمير نسيج المجتمعات والأوطان ليسهل السيطرة عليها. قزّموا الأوطان فجعلوها كضيعة تُـدار، وتتناقص من أطرافها كل يوم..  

- لماذا لأبنائهم القرارات والتشريعات والامتيازات اللامحدودة، ولا خيارات لأبنائنا؟. فهم "محدودي الدخل" إن كان ثمة دخل لهم. لقد امتصت قرارات صندوق النقد والبنك الدوليين وأنياب الخصخصة دمائهم.

إن أبنائهم ليسوا بأفضل من أبنائنا. فلسنا من ذوات الدم البارد، وهم من ذوات الدم الملكي الأزرق. وإن كانوا يحرصون علي مستقبلهم فنحن أكثر حرصا علي مستقبل أولادنا. شوهوا الماضي، ودمروا الحاضر، وباعوا المستقبل. إن مستقبل أولادنا لجحيم.

خلاصة القول: ستبقي الأوطان، وستبقي المواطنة والمساواة في الواجبات والحقوق، والعدل والعدالة، وحرية الاختيار، وإرادة التغيير، والشفافية والنزاهة. وسيبقي أهل هذه القيم والسُبل .. العقلاء المنافحون عنها قبل أن تغرق السفينة، فلا تبقي ولا تذر من أبنائهم وأبنائنا.