أكثريات وأقليات.. وعرب وخليط..

وتتناطح النسب.. وكلّ يشدّ اللحاف صوبه فتسمع تناقضات رهيبة في الأرقام والنسب التي تعطى،

وأكوام من المبالغات المحشو كثيرها بالقصدية والتسييس ..

معظم" الأقليات" في هذا العصر الانبعاثي لجميع مناكيش الحفر، والزوايا والكهوف، و"الواقعية" المصبوغة بآخر طبعات العصرية تميل إلى المبالغة في تواجدها، وأعدادها والنفخ بها.. ومثلهم عديد"الأكثرية" الذين يورمون النسبة حتى إذا ما حسبت المطروح وصلت لأرقام مذهلة عن سكان سورية الحاليين ..

ـ الأكراد يرفعون النسبة بطريقة تجلب المناقرات والمشادّات..ويوصلها البعض لأكثر من12 %، والتركمان دخلوا على الخط من جديد.. وهاشوا كغيرهم ينقبون دفاتر وسجلات الماضي.. ويرجعون أصول كثير العائلات إلى نسب تركماني، ويعطون أوصافاً، وارقاماً مفاجئة حتى للمطلعين نسبياً على الأصول.. وبعض المهتمين بأشجار العائلات.. والتي باتت بدورها حالة بارزة يتسابق إليها عدد وفير وحلمهم كبير أن يجدوا غصناً، أو ساقاً، أو شرشاً يمتًّ بصلة القربى والتاريخ للعشائر العربية القديمة، وتنتفخ الأوداج إذا ما طلع معهم أن ذلك الشرش قرشي..أم من الهاشميين.. أو من آل البيت.. بينما تشمّر العشائر عن سواعد الإحصاءات ويطرح البعض أرقاماً ونسباً تشعرك أن سورية ما زالت هي هي قبل قرون، وأن العشيرة هي بيت الشَعر المستمر، وحادي العيس، وقوافل التجارة، وحروب الغزو والإغارة ..وأنها فوق الحداثة والتوزعات الطبقية، والتمايزات المختلفة، والدولة الوطنية وما تحتها، وقبلها، وبعدها  ..

ـ والآشوريون، والآثوريون.. والسريان، وحتى بقايا الكلدان المفاخرون بأنهم أصل الأصول، وبأن سورية لهم، واسمها مشتقّ من لغتهم.. وأنهم مئات الآلاف وأكثر، خاصة بحساب أعداد المهاجرين عبر القرون والعقود إلى الأمريكيتين وأوربا وبقاع الدنيا.. والذين أجبرتهم الوقائع على تغيير ديانتهم، أو أسمائهم..يطرحون، ايضاً نسباً كبيرة..

ـ ويلحق بهؤلاء الأقليات الأخرى التي تدخل على الخط أيضاً : الشركس والداغستانيين، والشيشان والآذاريين، والأرمن والبهائيين، والنوَر واليزيديين.. وكثير من أقليات عاشت عبر القرون، أو وفدت حديثاً..

                                                           ***

وحين نجيء على التوزعات الدينية والمذهبية.. وهي اليوم تنفش ريشها، وتقيم مضاربها في ربوعنا  بأوتاد وعصي و"مشروعية" غرائبية.. فحدّث ولا حرج عن التنابز في النسب.. بين التضخيم والتقزيم .. وعديد يبحث وينقّب عن وثيقة ما، أو إحصاء جرى قبل قرن وأكثر.. أو قيل خمسين سنة ويزيد..كي " يثبت لك" أنه يتكلم صادقاً، وجاداً، وقد يجري لك حسابات بآلة حاسبة حديثة جداً عن نسب المواليد.. وبعد الضرب والجمع والحذف يعطيك أرقاما مذهلة.. تجعل رأسك يدور، وقد يخبك على الطاولة بلا وعي، او يقاطعك دهراً إن عارضته، وطرحت نسباً أقل، ويقد يتهمك بالتآمر، وربما بالطائفية  أيضاً.. وما يزال الحبل على جرار التسابق .

ـ المسيحيون.. ذلك الجزء الصميمي من تاريخ بلادنا، الأصليون منهم والوافدون.. كانوا يفوقون العشرين بالمائة قبل عقود وعقود.. لكن الهجرات الواسعة جداً خفّضت النسبة كثيراً، حتى تكاد تخلو بعض المناطق منهم، وعرفت سنوات الثورة نزوحاً كبيراً من عديد المدن والمناطق التي اشتهرت بوجودهم على مدار التاريخ، وما بقي يتعرّض للتباين في نسبته.. والخلاف الكبر على أؤلئك الذي تركوا البلاد منذ أكثر من قرن وباتوا جزءا من الأوطان التي عاشوا فيها، خاصة الأجيال اللاحقة.. وبالتالي : موقعهم من المواطنية السورية ومن حساب النسبة.. التي تتعرّض بدورها لتلك العملية من الشقلبة، والاختلاف ..

ـ أما" الأقليات"..أو " المكوّنات" الإسلامية فتدخلك أتون الشدّ والجّذب، خصوصاً " أبناء الطائفة العلوية" لسببين متداخلين : نسبتهم الأكبر قياساً بالبقية، وكونهم معنيون وتحت المجهر باعتبارهم يحسبون بأغلبيتهم الساحقة على الحكم.. وممارساته الطائفية المقصودة .

العلويون.. يصرّ معظمهم أن نسبتهم تتجاوز ال13%، وهناك من يرفعها لأزيد من 15%.. بينما يصرّ الطرف الاخر على أنهم لا يتجاوزون ال10% في أعلى التقديرات.. وستسمع من يخفض هذه النسبة إلى ما دون ذلك.. إما لهدف قصدي واضح، أو عبر حساب أعداد القتلى منهم، وحالات الهجرة الواسعة التي شهدتها الفترة الأخيرة..

ـ بينما هناك ما يشبه الاستقرار، أو الاتفاق حول نسبة الدروز والإسماعيليين والشيعة الإثني عشرية، وإن كان الأخيرون يطرحون أرقاماً كبيرة حين يحسبون تلك التواجدات القديمة في المدن الكبيرة، كدمشق وحلب، وحمص وغيرها، والذين كانوا بموقع المندمج تماماً مع المحيط ..أو لم يكن الشعب السوري يحسبهم في عداد تلك التواجدات المعروفة بأماكنها، وطقوسها، وعقائدها المتميزة نسبياً .

                                                    ****

نغمة أكثرية وأقلية.. وحق الأكثرية في الحكم، وبما يشبه مظلومية" الشيعة" في العراق تطفو على سطح المجتمع السوري بقوة التصعيد الطائفي، واحتقان الوضع المجتمعي، وشعور الوسط الشعبي العام بأن السنة مستهدفون بالذات، وبأنهم كانوا على مدار حكم العسكر بيافطة البعث، مستبعدون، ومهمّشون، ومجرد واجهات ..وبأن من حق، ومشروعية الأغلبية أن تحكم.. وبما يتشابه ونغمة الشيعة في العراق الذين أسهموا في تحطيم بنية المجتمع العراقي وفقاً لمشروع الاحتلال الأمريكي ودستوره الطائفي، التقسيمي .

ـ هنا، وبالاقتراب من الفعل الطائفي المنهّج لنظام التفحيح الفئوي على مدار العقود، وبجاحة ووقاحة هذا الفعل على امتداد سنوات الثورة، وما عرفته مناطق السنة من حرب إبادية، وتدميرية وكأنها هدف مرسوم، بما في ذلك التغيير الديمغرافي، والنزوح واللجوء والهجرة، وتتويج كل ذلك بالدخول العلني لحزب الله والمليشيات الطائفية الشيعية، ومن خلفها إيران وما يشبه احتلالها لبلادنا، وترابط ذلك مع ما يجري في العراق، وحتى اليمن... فإن نمو، وطغيان الاتجاهات والأفكار والخطابات الطائفية بقدر ما تبدو نتاجاً مباشراً لردود أفعال حادّة، وقاسية..فإنها تحفر قبر الوحدة الوطنية، والوطن بالنتيجة..

ـ لقد تعامل الشعب السوري على امتداد دولته الحديثة، وعبر شتى قواه السياسية، وتوجهاته الفكرية، ونتاجه الثقافي، والإبداعي مع الشعب السوري على أساس وحدة الانتماء للوطن السوري، وللعرب ـ عند القوميين ـ بعيداً عن تلك التصنيفات، والعديد كان يرفض التخوم الطائفية.. حتى لو كانت حرية العقيدة والاختيار مقرّاً بها عند الأغلبية، وجزءاً رئيساً من حقوق البشر وحريتهم .

ـ لكن ومع فوران مخططات التقسيم العمودية القائمة على دفتي : المذهبية والإثنية، وما يجري في العراق، وجوهر المشروع الإيراني الذي فشل في تسويق نفسه كمشروع إسلامي، أو قومي عام، ودأبه المسلح بالتدخل وحركات التشييع.. دفع كل ذلك أوساطاً عديدة إلى الاتكاء على افكار وتقسيمات مخالفة لقناعاتها، ولروح الثورة التي أعلنت جوهر إيمانها بوحدة الشعب السوري التعددي بتكوينه القومي والإثني والديني والمذهبي والسياسي..

ـ ومع الإقرار الديمقراطي بحق الشعب في اختيار ممثليه في مجلش شعبي سيد تكون الأغلبية فيه متناسبة والتركيب الاجتماعي لبلادنا..

ـ ومع الإدانة المطلقة لأي فعل أو نهج طائفي، أو استثئار أية اقلية بالحكم، واعتماد نهج الفرض والقمع والوصاية المغشوشة، أو العمل على بثّ أفكار الحرب الأهلية، والتفرقة بين مكونات الشعب الواحد.. فإن سياسة المحاصصات على أسس إثنية، أو طائفية، والانزلاق إلى تغليب الهويات الخاصة : القومية والدينية والمذهبية على هوية الانتماء للوطن الواحد.. ستقود عملياً إلى انواع مبطنة، أو فاقعة من التقسيم، وتئد روح الثورة، ومبررات قيامها، واستمرارها .

ـ والذي لا شكّ فيه أن الدولة المدنية الديمقراطية . دولة الحق والعدل والقانون.. ودولة التعددية السياسية هي التي من شأنها تحقيق المساواة الكاملة بين جميع مكوّنات الوطن الفكرية والسياسية والقومية والإثنية والدينية والمذهبية..والتي من شأنها أن تؤسس فعلاً لإرساء التعايش الحقيقي الذي يتيح للجميع ممارسة حقوقهم، والقيام بواجباتهم كما ينصّ على ذلك دستور عصري يقره الشعب في استفتاء عام.. ومن خلال برلمان مستقل عن السلطة التنفيذية يمثل إرادة الشعب وخياراته ..

وسوم: العدد 626