الصراع الداخلي الإيراني و العقدة السعودية

ماذا يجري حالياً  في إيران  ؟ وما هو مغزى التصعيد الإيراني المفاجئ  والمبرمج  تجاه المملكة العربية السعودية ؟ وما هي أسبابه وأهدافه  وتبعاته الداخلية والخارجية ؟ وهل لخامنئي وللقوى الثورية دور مهم في هذا التوجه  ؟ رغم وجود أسباب كثيرة  تدعونا إلى الاعتقاد بأنه سيغيب قريباً عن المشهد وهو  الشيء شبه المؤكد. وعليه فإن حلفاءه وأدواته هم المستفيدون فقط من هذا التصعيد  تجاه الخارج  .

التطورات في إيران باتت  تسير على صفيح ساخن ، وما كان صالحاً بالأمس لتحليل المشهد الإيراني لم يعد صالحاً الآن .

لا شك بأن هناك تطورات خطيرة متلاحقة تجري في إيران  ، الصراع على السلطة وعلى موقع الولي الفقيه يحتدم بشكل محموم بشكل غير مسبوق عشية المسرحية التي ستجري لاختيار مجلس الخبراء ، وسط تخطيط  التيار الثوري بقيادة المعتل خامنئي  لعدم قبول  مرشحين من المعارضين الخطيرين على النظام .

ما حقيقة ما يجري من حراك داخل إيران  الآن  ؟.

ما أن أعلن رفسنجاني عن مخططه الساعي لتشكيل لجنة لإدارة شئون إيران في حال غياب المرشد بالوفاة أو بالغيبوبة حتى بدأت تصدر تصريحات غير مسبوقة هنا وهناك لتبين حجم الصراع في إيران أولها : اتهام رفسنجاني بقيادة تيار الفتنة  الساعي لتدمير إيران ، حيث خرج علينا محمد علي محسن زاده ممثل  خامنئي في الفيلق 41 المعروف بجيش ثأر الله بتصريح غير مسبوق يقول فيه أن هناك مؤامرة وفتنة يجري إعدادها والتحضير لها من خلال بيت الخميني في جماران هذه المرة ،معتبراً أن عائلة الخميني هي أقدس عائلة في إيران بصفتها الروحية والسياسية ، لكن ينبغي أن تبقى عائلته بعيدة عن السياسة ، متهماً رفسنجاني  بالمبتدع من خلال محاولته إحياء فتنة كواقعة الجمل من خلال محاولة إعادة أحمد الخميني حفيد الخميني إلى سدة القيادة في إيران بعد خامنئي .

ثانيها : في مقابل ذلك شن التيار المحافظ المؤيد لخامنئي حملة شرسة ضد مخطط رفسنجاني   المتهم  بوضع مخطط هدفه تدمير إيران ، وقد أطلق على قادته : تيار المفسدون في الأرض ، والذي ضم حسب التصنيف الرئيس السابق خاتمي ، ومير حسين موسوي ، ومهدي كروبي ، مطالبين باعدامهم قبل فوات الآوان .

مخطط الفتنة كما أصطلح على تسميته اليوم  يقوم على أساس  دفع أحمدالخميني المعروف بمواقفه الإصلاحية المعارضة لخامنئي وللتيار المحافظ  بالترشح  لانتخابات  مجلس الخبراء إلى جانب رفسنجاني وعدد من صحبه الاصلاحين ، تمهيدا لإنتخابه كمرشد لإيران ، ومن شأن ذلك الاطاحة بالمحافظين ، وتحييد الحرس الثوري والمؤسسات الثورية عن إدارة السياسة العامة في إيران .

السيناريوهات المضادة :

لا شك أن خامنئي والتيارات والقوى المنضوية معه بدأت الاعداد لخطة محكمة عنوانها الأساسي الاطاحة ما أصطلح على تسميته  بتيار" المفسدون في الأرض" من خلال التوسل بعدة آليات :

 أولها : رفض شرعية بعض المرشحين من خلال توظيف مجلس صيانة الدستور المخول برفض وقبول صلاحيات المرشحين ، كما حصل مع رفسنجاني في انتخابات رئاسة الجمهورية السابقة عندما رفض هذا المجلس أهليته إلى جانب رحيم مشايي صهر نجاد ؛ فلم يتحرك رفسنجاني ضد هذا الإجراء حيث عدها واحدة بواحدة ، معتبرًا في الوقت نفسه  أنه قد نجح باقصاء مشايي وحرمان نجاد من مخططه القائم على أساس سياسة تدوير الكرسي كما فعل بوتين ومدفيدف ، وهو بهذا انتقم من نجاد الذي حاول استهداف رفسنجاني وعائلته.

الآن هل سيتكرر المشهد ويتم رفض أهلية رفسنجاني من انتخابات مجلس الخبراء وحرمانه من تحقيق مخططه ؟ بدأت الخطوات فعلياً تسير نحو هذا الاتجاه ، حيث  قام «تجمع المدرسين المناضلين» و« جمعية رجال الدين المناضلين» المحسوبين على تيار خامنئي بالمطالبة  بحذف إسم رفسنجاني من قوائمهما لمجلس الخبراء ، فيما كان رفسنجاني في قوائمهما سابقاً دون إعتراض يذكر ، فماذا استجد الآن.

في تقديرنا أن  هذه المرة  سيكون فيها الأمر مختلف تماماً ؛ لأن رفسنجاني يُدرك تماماً أن مخطط إقصائه ستتبعها خطوات سيكون لها عواقب مدمرة عليه ، حيث من شأن هكذا خطوة أنها ستُسهم في نهاية حياته السياسية إلى الأبد ، وتُمهد الأرضية  لاستهداف عائلته التي استطاعت بناء إمبراطورية اقتصادية بمليارات الدولارات على حد تعبير الرئيس السابق نجاد ، الذي نشر غسيل النظام الإيراني بشكل فاضح ،  ومن ثم سيتبع ذلك خطوات قد تفضي بتجريد رفسنجاني  من منصبه كرئيس لمجمع تشخيص مصلحة النظام لصالح محسن رضائي الرجل القريب من المرشد والحرس ، كونه قاد الحرس الثوري الإيراني لسنوات عديده ، وهو بالتالي خير من يكون أميناً للحفاظ على مصالح الحرس والقوى الثورية .

بالمقابل نعتقد أن رفسنجاني لن يقف مكتوف الأيدي في حال رفض أهليته للترشح على غرار ما سبق ، وسيقاتل حتى أخر نفس دفاعاً عن نفسه وعائلته ، وسيقلب الطاولة على الخصوم ؛ خصوصاً أنه لا زال لديه أدوات نافذة داخل النظام ، سيما وأنه مستودع أسرار الثورة والدولة .

إن خطورة ما يجري الآن  أن المرشد يُدرك ذلك تماماً ، فلن نتفاجئ إذا تم تصفية رفسنجاني بصورة أو بأخرى للتخلص منه قبل الوصول إلى هذا السيناريو  . في مقابل ذلك فإن الانهيار الاقتصادي وفشل السياسات الحكومية  في إيران هي سيدة الموقف إلى جانب احتدام الصراع الداخلي ، فالمبشرللنظام أن العملة الإيرانية قد هوت  لتصل إلى 3800 تومان بعد أن كانت 3200 تومان الشهر الماضي ،والمبشر للشعب الإيراني إعلان حكومة روحاني  بشكل مفاجئ وعلى غير عادتها بأن الحكومة الإيرانية مديونة ب 120 الف مليار تومان للبنوك المحلية ، وغير المفاجئ كذلك تأكد إحتمالية انخفاض مداخيل الموازنة الإيرانية بعد انهيار أسعار النفط في السوق العالمي ،  ومن مؤشرات فشل روحاني وحكومته تفشي مشكلة البيئة من خلال التلوث البيئي غير المسبوق في موسم الشتاء  الذي جعل الحكومة تضطر لتعطيل المدارس والجامعات لمدة أسبوع في طهران وتبريز كبرى المدن الإيرانية ، وهذا يعكس سياسة الفشل الحكومية لحل مشاكل الدولة في الوقت الذي يتساءل فيها المواطن الإيراني ، لماذا أعلنت الحكومة عدم قدرتها لحل هذه المشكلة المستمرة ، متعذرة بضعف الامكانات ، في الوقت  الذي  تقدم فيه المليارات لإدارة حروب الوكالة في سوريا والعراق واليمن ولبنان ..... مما رفع من الأمنيات والدعوات الشعبية التي تصلي ليل نهار  للإطاحة بالنظام الإيراني ومن والاه دون تردد .

من هنا يمكن بناء تصور واضح لكيفية فهم سلوك النظام الإيراني للهروب من مشاكلة الداخلية المتفاقمة  في وقت يعاني فيه نظام ولاية الفقية أزمات داخلية وخارجية عديدة بعد قبول الإتفاق النووي و الهزائم المتتالية التي اصيب بها.

من هذا المنطلق بدأ نظام ولاية الفقيه بتبني مجموعة من الاستراتيجيات لتغطية اخفاقاته : أولها افتعال مشكلة مع المملكة العربية السعودية لتعبئة الداخل الإيراني وإشغاله عن الداخل ومشاكله المعقدة بالخارج والمحيط ، فما أن حدثت واقعة النمر حتى سابقت طهران الخطى لتأجيج الخلاف مع الرياض ونقله إلى مستويات خطيرة ، وما زيارة عراب خامنئي علي لاريجاني لمنشآة عماد الصاروخية بهدف توصيل رسائل ردع للسعودية إلا استعراض مقيت . فطهران فشلت في هذا التصعيد بامتياز  ، وتعرت سياستها القائمة على العرط والتشبيح بالمواجهة ، فاأين كانت ممانعتها أثناء حروب غزه، وعندما تم تدمير جنوب لبنان ؛ بالتأكيد غابت ، لأن دولة ولي الفقيه هي جمهورية حروب الوكالة بامتياز ثانيها : وسط هذا الانشغال والاشغال  يتم التمهيد لمخطط الإعداد لولاية الفقيه ، حيث تُمهد المؤسسات الثورية الأرضية لأعمال تزوير في انتخابات مجلس الخبراء ومجلس الشورى القادم ، حتى يتسنى لها اختيار المرشد وفق مقاسها ومخططاتها التدميرية   . 

وفي هذا المضمار أكد خامنئي « اذا كان الناخب والمرشح  شخصا غيرصالح، فلايجوز له المشاركة في الإنتخابات لا ترشحاً ولا انتخاباً - واذا كان شخص غير مؤهل ونحن نغض النظرعنه...فمعناه إبطال حق الناس، ، وهو ما  لن نسمح به ،  كما أعرب عن خوفه  من تكرار انتفاضة عام 2010 مشددا على وجوب «قبول نتيجة الإنتخابات من قبل الجميع» وأضاف أن  في عام 2010 طرحوا كلاما منكرا ومستهجنا أن في الانتخابات جرت عملية تزوير و لابد ان تعاد الإنتخابات ، مؤكداً أن الانتخابات كانت نزيهة وشفافة .

 إلى جانب ذلك بدأ خطباء  صلاة الجمعة المحسوبين على هذا التيار الدخول على نفس النغمة بتوجيهات مباشرة من خامنئي ، من خلال التأكيد على أهمية المشاركة في هذه  الإنتخابات على نطاق واسع ، فكلما يشارك عدد أكثر كلما زاد ذلك من  تحصين النظام من المخاطر داخلياً وخارجياً ، وبالتالي يمكن اعتبارإيران باتت أكثرأمناً واستقراراً  . 

كذلك تناقلت  وسائل الإعلام المحافظة  تحذيرات احمد جنتي أحد أقطاب المحافظين ،  ورئيس مجلس صيانة الدستور تأكيده  إن بعضًا من المرشحين لمجلس الخبراء من المقامرين ومن وشاربي الكحول والمخدرات  والفاسدين أخلاقياً .  والبعض الآخر من المدنيين المرتدين اللباس الغربي من السترة والبنطلون وهناك كذلك بعض النساء الفاسدات ، وهناك  المنهزمون في المجال السياسي الطامحين للجلوس على مقاعد السلطة والبرلمان من جديد... هؤلاء الأفراد  اذا استطاعوا أن يحصلوا على الأكثرية في مجلس الخبراء فهم يستدرجون عناصرهم المندسين في المجلس، لتنفيذ مؤامرتهم ، معتبراً أن القوة تأتي عندما تتمركز القيادة الرشيدة  في يد شخص واحد ،مهاجماً مشروع القيادة الجماعية الذي اقترحه رفسنجاني ،  لأن القوة  ستتوزع حينها بين عدة افراد .

النتيجة أن النزاعات والصراعات والانشقاقات العامودية والأفقية ، وإشغال الداخل بافتعال الأزمات مع الخارج ، ووضع مختلف السيناريوهات للاطاحة بخصوم المرشد وتياره عن طريق تزوير إرادة الشعب الإيراني المغلوب على أمره ، والتحذير من هبه شعبية على غرار انتفاضة 2009 هي العنوان الأبرز لوصف المشهد الإيراني الآن .

د.نبيل العتوم

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية

مركز أمية للبحوث و الدراسات الاستراتيجية

وسوم: العدد 650