انتحار حسن نصرالله في سورية

بلا أدنى شك أن "حزب الله" تورّط في حرب سورية ورطة لا يمكن أن يعود منها إلى سابق عهده لو جنّدت إيران كل مرتزقة العالم ومليشياتها لإنقاذه، أو حشدت كل وسائل الإعلام لتبييض صورته مجدداً.

لقد خسر هذا الحزب الكثير من قادته ومقاتليه، ممّا دفعه إلى التستر وعدم تقديم أرقام حقيقية عن حجم خسائره البشرية المتتالية، حتى صار يدفن قتلاه في صمت وسرية تامة، بل وصل به الحال أن لا يعود حتى بجثثهم إلى لبنان ويدفنهم في سورية، ولا يجرؤ أهاليهم على التحدث ويلتزمون الصمت مقابل أموال تدفع لهم أو تهديدات وأشياء أخرى.

مليشيات حسن نصرالله صارت تشيّع بعض الأسماء البارزة التي تسقط في المعارك أو تغتال في ظروف غامضة، وتستغلها للترويج من أن "حزب الله" ما يزال هدفاً إسرائيلياً حتى تتم إثارة عواطف الجماهير مرة أخرى بقضية المقاومة التي لم يعد يصدقها حتى من يناصرونه.

سمير القنطار، جهاد نجل عماد مغنية (الذي قتل في دمشق عام 2008)، علي فياض، حسين الحاج، حسن جفال، غسان الفقيه وشقيقه جميل الفقيه، علي خليل عليان، توفيق النجار والكثير من القيادات الأخرى التي قتلت في المعارك الدائرة رحاها في سورية، وتوجد قيادات أخرى تمت تصفيتها على التراب السوري وآخرهم مصطفى بدر الدين المتهم باغتيال رفيق الحريري في 2004، والذي تم اغتياله بنيران حليفة بحسب موقع إيراني معارض الذي نشر الخبر ثم حذفه بعد ثلاث ساعات.

حتى داخل لبنان فقد اغتيل القيادي حسان اللقيس الذي كان من المعارضين لتدخل "حزب الله" في سورية، وكان من أشد المزعجين لحسن نصرالله وبشار الأسد بحسب وثائق مسربة من جهاز مخابرات النظام السوري في 2012.

سقوط هؤلاء القياديين وغيرهم من قوات النخبة في مليشيا "حزب الله" من أجل بشار الأسد ونظامه المتهالك، تعني الخسارة الكبرى من الناحية العسكرية، التي لا يمكن تعويضها أو الاستهانة بها.

لقد تجاوز عدد قتلى الحزب 700 مقاتل بينهم نسبة كبيرة من قوات النخبة التي يعول عليها حسن نصرالله في الحفاظ على هيمنة مليشياته على لبنان، هذا الرقم هو أقل تقدير قدم من جهات تتابع شأن الحرب في سورية.

ويوجد من يؤكد أن الحزب خسر أكثر من 2000 مقاتل ومعهم آلاف الجرحى الذين نسبة كبيرة منهم صاروا عاجزين نهائياً عن ممارسة مهامهم العسكرية.

أما من داخل الحزب نفسه، فتتحدث المعلومات عن خسارة أكثر من 1500 مقاتل أي ربع قدراته القتالية المتواجدة على التراب السوري، والمقاتلة في صفوف نظام الأسد وروسيا التي تعتبر الحليف الاستراتيجي لتل أبيب.

أما من النواحي الأخرى، فالحزب الذي حقق شعبية هائلة في حرب تموز 2006 وصار زعيمه حسن نصرالله "بطلاً" قومياً لدى عموم الشارع العربي، طبعاً جاء ذلك بسبب الزخم الإعلامي الذي سلّط عليه، وهذا يقرّ به من يختلفون أو يتفقون معه.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن علماء بلاد الحرمين وغالبية السعوديين لم ينساقوا وراء الرأي العام وتوجهات وسائل الإعلام الثقيلة، وظلوا يؤكدون أن المقاومة والممانعة وهمٌ إيراني لمخادعة الشعوب، وهذا الذي تأكد لاحقاً.

الأمين العام لـ"حزب الله" سقط في الحضيض، حيث أن هذه المليشيا المتمركزة في الضاحية الجنوبية بلبنان انكشفت عورتها وبانت طائفيتها، كما أن نصر الله صار لا يساوي شيئاً عند الكثيرين جداً ممن صفقوا له في صيف 2006، وهذا الذي يتجلى بوضوح من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

كما أن "حزب الله" صار مطارداً من قبل أغلب الدول العربية وخاصة في الخليج بتهمة الإرهاب، وهذا بحد ذاته وضعه في ورطة قانونية داخل لبنان وخارجه، وأيضاً جفف الكثير من منابع مالية كانت تدخل لخزانته ثروة طائلة بالملايين خاصة من الخليج العربي، والخروج من هذه الدوامة ليس بالأمر السهل والهين كما قد يتخيله البعض.

ترى لماذا أوصل "حزب الله" نفسه إلى هذه الحالة البائسة والورطة التي لن يخرج منها سالماً مهما ادعى حسن نصر الله ورفع من شعارات النصر كعادته؟

نفرض جدلاً أن "حزب الله" هو حزب مقاوم وممانع كما يدعي هو ومن يناصرونه من طهران ودمشق وغيرهما، فهل من المعقول أن الحزب يضحي بمقاومته هذه ويتورط في حرب ضد الشعب السوري الذي شكل حاضنة شعبية له في حرب تموز 2006 وغيرها؟

إن كان "حزب الله" بالفعل يواجه "إسرائيل" وهو في خنادق الحرب معها، فهل من المعقول أن يستنزف قواته في حرب ثانوية لن تكون إلا في صالح الكيان الصهيوني؟

ماذا لو أن الحزب تخندق منذ البداية مع الشعب السوري وضد نظام الأسد، فهل سيصل حاله إلى هذا الوضع حيث صار يشيع قتلاه يومياً؟

مهما كان موقفنا من هذه المنظمة التي نراها إرهابية وطائفية وخنجراً في ظهر الدول العربية والإسلامية، إلا أنه يجب الإقرار بأمر مهم للغاية أن الذين يقفون وراءه خاصة في طهران، والذين حولوا الحزب إلى قوة أكبر من الدولة اللبنانية ليسوا بهذا الغباء الذي يجعلهم يورطون مليشياتهم في حرب قذرة ضد السوريين، ويفقد بذلك قوته ونخبته ويشتت جهوده ويترك ضاحيته فارغة يمكن اجتياحها من قبل الجيش الصهيوني لو أراد ذلك.

ما آل إليه "حزب الله" في لبنان يؤكد أنه ليس حزباً مقاوماً كما يزعمون ولا هو موجود من أجل مقاومة "إسرائيل"، بل لديه مهمة أخرى تتمثل في خدمة مصالح إيران فقط، فحرب تموز 2006 كانت من أجل الضغط على المجتمع الدولي بخصوص الملف النووي الإيراني الذي برمج حينها للنقاش على طاولة السبع الكبار، وقد تخوّفت إيران حينها أن تتخذ قرارات ربما تصل للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

عندما تحرك الشعب السوري مطالباً بالإصلاحات، وكان بوسع بشار الأسد أن يستجيب لها وينهي الأزمة قبل بدايتها، إلا أن إيران أرادت غير ذلك فأوعزت له بالقبضة الأمنية، وبذلك دفعته إلى الحرب النجسة على الشعب السوري، الذي لو دعّمه "حزب الله" في ثورته لكان حسن نصرالله أحد ضيوف دمشق مع الرئيس الذي يأتي خلفاً لبشار الأسد، وجماهيريته ستتضاعف أكثر من ذي قبل.

غير أن إيران هدفها مع جهات دولية هو تحويل مسار الثورات الشعبية إلى مستنقع دموي، حيث يوقف التمدد الثوري الذي طال خمس دول عربية.

أمر آخر أن إيران التي تؤمن أيديولوجيتها بضرورة نشر الفوضى والحروب الدموية لتمهيد الطريق كي يخرج مهديها المزعوم، وجدت ضالتها في وحشية بشار الأسد الطائفية، كما أن وجود مستنقعات حرب تكون مفاتيحها لدى طهران يحقق لها هدفها في تفتيت الدول العربية ويجعلها في موضع قوي مع العالم، وخاصة ملفها النووي الذي كان يشكل محور التجاذبات الدولية.

مهما كانت شكوكنا في خلفية المشروع النووي، ومهما كانت طبيعة العلاقات السرية التي تجمع طهران مع قوى كبرى، إلا أن ذلك يجعلنا نؤكد على أمر هام أن المجتمع الدولي لا يمكن أن يسمح لأيّ دولة بالدخول إلى النادي النووي حتى وإن كانت بيدقاً بين يديه.

الدول الكبرى لا تثق في واقع إيران التي تنام على براكين كثيرة سواء تعلق الأمر بالمعارضة السياسية لنظام الملالي، أو الشعوب غير الفارسية التي تطالب بتقرير مصيرها، أو الأحواز المحتلة التي صارت تتشكل قضيتها وستصبح غصة في حلق منظومة "الولي الفقيه".

لو سمحت القوى الكبرى لإيران كي تصبح دولة نووية وهي غير مستقرة ومهددة بالانفجار الداخلي في أي وقت، رغم القبضة الحديدية التي يسلطها الملالي على الإيرانيين وعلى غيرهم من الشعوب الأخرى التي ترزح تحت الاحتلال، فهذا سيضع ترسانة من الأسلحة الفتاكة تحت سلطة أطراف معادية وخاصة لـ"إسرائيل" التي يعتبر أمنها من الخطوط الحمراء في المخيال الدولي المهيمن على كل تشابكات السلم العالمي.

"حزب الله" لم ولن يخرج من دائرة السياسة الإيرانية، حيث أنه لو لم يضمن عدم استغلال "إسرائيل" لفرصة تشتيت قواته بين لبنان وسورية والانقضاض عليه في عقر داره، ما غامر هذه المغامرة غير المحسوبة العواقب أبداً.

كما أن الحزب مهمته هي مساعدة نظام الأسد على الاستمرار في الحرب وليس لحسم المعركة واستقرار البلاد؛ لأن الحرب في سورية هي الهدف في حد ذاته ولا يوجد غير ذلك، ولو لم تكن الحرب هي الهدف بحد ذاته ما كان حسن نصر الله اصطف ضد الشعب السوري ولصالح نظام مهدد بالسقوط عبر مظاهرات سلمية.

الوضع الذي آل إليه "حزب الله" ينذر بتفكيك هذه المليشيا الإرهابية، وسنبقى نترقب ضربة قاصمة غامضة قد تنتهي باغتيال حسن نصر الله في وقت تختاره المخابرات الإيرانية كمحاولة لإعادة الزخم الجماهيري لهذه المنظمة التي فقدت عذريتها، أو تغيير سياستها وتحميل شرور المرحلة في عنق أمينها العام الذي انتحر في سورية بلا أدنى شك.

وسوم: العدد 668