عام على الاحتلال الروسي لسورية .. (2) الأهداف

كان الهدف الرئيسي المعلن للاحتلال الروسي لسورية هو التعاون مع النظام ( الشرعي ) فيها ، أي نظام المجرم بشار الأسد ، للقضاء على الفصائل الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم الدولة والنصرة وما يلتحق بها .

كرر المسؤولون الروس كثيرا ، أنهم ليسوا معنيين كثيرا بدعم بشار الأسد كشخص ، وأنهم يؤيدون حلا سياسيا في سورية ، يجمع عليه السوريون ، فأين وقعت كل هذه الإعلانات النظرية على ضوء الواقع العملي لتصرفات المحتلين ؟

يتفهم البعض هواجس الروس من تمكن مجموعات إسلامية توصف بأنها ( متطرفة أو إرهابية ) ، ولو في مناطق بعيدة عن روسية مثل سورية ، خوفا ، من استيقاظ الإرادات المكبوتة لدى 20 % من سكان الاتحاد الروسي محكومين على طريقة بشار الأسد في القتل والاعتقال وتهشيم الإنسانية والدوس على كل ما يسمى منظومة حقوق الإنسان .

حقيقة الأهداف التي يقرؤها العالمون ببواطن الأمور ، والتي تجعل بوتين يصر على مهمته القذرة في سورية ، ويتحمل عبء تنفيذها ؛ مع ارتفاع الكلفة التي يحملها لبلده من الناحيتين الإنسانية والسياسية والاقتصادية ؛ تقع بعيدا عن كل ما أعلن ويعلن عنه الروس .

الهدف الحقيقي الأول لبوتين في سورية ، يتجسد في رغبة بوتين في جعل سورية سلما لعودته إلى موقع القمة الدولية ، بعدما لمس الانصراف الأمريكي عن خوض صراع من أجل سورية والسوريين . كل ما يدفعه بوتين في سورية هو رخيص ، بالنسبة إليه ، إذا قارناه بما يمليه جنون الغطرسة والعظمة على صاحبه . وما كان بوتين ليجرؤ على التفكير في تحقيق هذا الهدف فيما لو كانت الولايات المتحدة مهتمة أو معنية بدخول صراع في هذا الميدان ، وانصراف الأمريكيين عن سورية له أسبابه التي يمكن أن تشرح في غير هذا المقام . إن بوتين لم يكن ليجرؤ أصلا إلى الدخول إلى الحلبة ، وقبول التحدي ، لو آنس عند الأمريكيين والناتو استعدادا جديا لدخول النزال . وهكذا دفعت سورية الوطن والإنسان ثمن: أن يقال اليوم على السنة المحللين والمعلقين : إن بوتين هو القيصر ، وأن روسية عادت لتكون القطب ، كلام ينتشي له بوتين والروس أيضا ..

وفي غضون هذا الهدف الاستراتيجي الأساسي على الصعيد الدولي ، تنضوي أهداف عديدة ، منها ما يشتق منه مباشرة مثل حرص الروس على الاحتفاظ بقاعدتهم في شرق المتوسط ، ومنها ما هو اقتصادي ، ومنها ما هو ديني طائفي يتجلى في عداوة روسية مورثة للإسلام والمسلمين .

إن الروس الذين ظلوا يكررون ، إنهم ليسوا معنيين ببشار الأسد ، وانهم إنما يحرصون على حل سياسي في سورية يمثل إرادة السوريين ، أثبتوا كذبهم بأنفسهم ، ذلك أنه كان للروس في بنية المعارضة السياسية السورية أصدقاء حقيقيون ، أصدقاء إيديولوجيون وسياسيون ، كما أن الدور الروسي الإيجابي – فيما لو كان - لم يكن مرفوضا أو مرغوبا عنه عند أي فريق من السوريين. ولكن التجارب الواقعية في كل جولات المفاوضات مع الروس، وعلى كل المستويات أثبتت كذب الادعاء الروسي بشهادة الجميع ..

وبالعود إلى الأهداف العسكرية المزعومة التي ادعى الروس أنهم جاؤوا إلى سورية لتحقيقها ، فيكفي شهادة على كذب الروس في ادعائهم أنهم جاؤوا للمساندة في القضاء على منظمات الإرهاب ، أن منظمات الإرهاب هذه على العموم معروفة في مناطق تمركزها ، ترفع عليها أعلامها ، وتحرك على الطرق العامة دباباتها وقوافلها ، فلا يعترض لها الطيران الروسي كما اعترض قوافل الإغاثة الأممية تحمل الخبز والملح للمحاصرين .

وإذا عدنا إلى محاولة إحصائية لجملة الأهداف التي استهدفها الروس في عدوانهم ندرك أن الأهداف المجملة للاحتلال الروسي لسورية يمكن أن تختصر في ثلاثة أهداف ..

الأول : تثبيت نظام بشار الأسد بوصفه نظاما طائفيا ( علويا ) ، مستبدا ، فاسدا ، يكرس سورية مزرعة روسية بالدرجة الأولى ، مع السماح بهامش محدود للمتآمر الشيعي الصفوي الإيراني ..

الثاني : جعل حياة السوريين في المناطق المحررة مستحيلة ، باستهداف كل مقومات الحياة ، ومرتكزاتها ولذلك نجد الطيران الروسي يركز على استهداف المستشفيات ، والمساجد وقت صلاة الجمعة بشكل خاص ، والمدارس ، والمخابز ، والطرقات ، والجسور ..

الثالث : تغيير الخارطة الديمغرافية في سورية ، باستهداف السواد العام لشعبها بالتقتيل والتهجير ، وهذا الذي يجري أمام الجميع الآن . حتى الآن لا نملك كسوريين ، إحصاءات دقيقة عن حصاد الاحتلال الروسي ، لا عن كم ولا عن كيف ولا عن ناتج . مئات الغارات اليومية على مناطق متعددة ، عمران يدمر ، مدنيون يقتلون ، بنية تحتية تدمر ، موارد الحياة يقضى عليها ، دون أن يمتلك المعارضون قدرات ذهنية وفنية ومادية تساعدهم على الرصد والتوثيق.

*مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وسوم: العدد 688