الشيخ الغزالي .. هل نتبرّأ منه؟!

قال أحمد عبد المعطي حجازي؛ مثقف السلطة وعضو الحظيرة الثقافية الشهير، إن الشيخ محمد الغزالي أصبح له اسم معروف عندما أصدر كتابا في الرد على خالد محمد خالد “من هنا نبدأ” بعنوان "من هنا نعلم" حيث هاجم الغزالي الأفكار التي قدمها خالد محمد خالد في رفض الخلط بين الدين والسياسة ورفض الكهانة، وكل الأفكار المرتبطة بفكرة المواطنة والعقل. وأضاف عضو الحظيرة: إن الغزالي قدم نفسه مدافعا عن استبداد الملك، ومدافعا عن الحلف الذي قام بين “السراي” وبين الإخوان والأزهر. وأشار إلى أن الشيخ الغزالي بعد تلك المرحلة، أصبح مشهورا أكثر عندما قاد مظاهرة يعترض فيها على نشر رواية “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ في “الأهرام، وأصبح أكثر شهرة عندما أدلى بشهادته في قضية فرج فودة، وأكد فيها أنه لابد للدولة أن تطبق حد الردة على فودة، وما لم يقله أنه إذا تقم الدولة  بتطبيق الحد، فهؤلاء القتلة يقومون به، وقد كان!” وأكد مثقف السلطة أن الغزالي في نظره لعب دورا سيئا جدا في الحياة السياسية والفكرية والثقافية المصرية، داعيا المصريين في تلك الذكرى أن يراجعوا هذا التاريخ الأسود وأن يبرأوا منه!

حجازي تشغله قضية الشهرة التي لم تشغل الغزالي أبدا. وهو يراها بديلا عن الكدح العلمي والمعرفي والموهبة، ولعل ذلك يرجع إلى محدودية تحصيله العلمي وتواضع موهبته وضعف حصاده الثقافي. إنه يتجاهل أن راقصة بطن درجة ثالثة أكثر شهرة من العقاد وطه حسين والرافعي وشوقي وحافظ وصلاح عبد الصبور. الشهرة مقياس خاطئ ورديء! إن العلامة محمود محمد شاكر لا يعرفه إلا نفر قليل من أولي العلم والثقافة، ولكنه يفوق كثيرا من مشاهير الأدب والفكر في المستوى والتحصيل مع أنه لم يكمل تعليمه الجامعي.

من المؤسف أن رجل الحظيرة يقلب الحقيقة في أحكامه بالنسبة للغزالي ويطوعها لبث أفكاره المادية الخشنة، ونسي أن الشيخ الغزالي رفض كتاب خالد ومنطلقاته، ودافع عن الإسلام وهو ما حدا بخالد في شجاعة نادرة أن ينقض هذا الكتاب بكتاب آخر عاد فيه إلى الفهم الإسلامي الصحيح، ثم إن الغزالي لم يقد مظاهرة ضد أولاد حارتنا، ولكنه كتب معترضا عليها، ولكن الناس تظاهروا من أجله عندما سخر منه رسام كاريكاتير شيوعي عدو للإسلام في زمن البكباشي الأرحل، ثم إنه شهد في مقتل فرج فودة بما يمليه عليه دينه وضميره. أما الحديث عن مساندته لاستبداد الملك فهذا افتراء كبير. لأن الغزالي ترك لنا تراثا ضخما يهجو فيه خدام السلاطين بكل أنواعهم. وكان الغزالي نفسه ضحية لاستبداد الملك ومن جاءوا بعده من العسكر، وقد نزل ضيفا في معتقل الطور وهو شاب في عهد الملك فكيف يساند استبداده؟

في مؤلفات الغزالي كتاب مهم اسمه "الإسلام والاستبداد السياسي"، وكتاب آخر اسمه "أزمة الشورى في المجتمعات العربية والإسلامية"، يشير فيه إلى إن عبادة الحكام شكّلت على امتداد العصور ديانة خسيسة عززها الحكم الفردي بالأقزام والأفاكين، ديانة هزمت الإسلام الحق في ميدان الحياة العملية، وجعلت العبقريات تتوارى، والإمعات تتكلم بصوت جهير. والغزالي ينظر إلى الاستبداد السياسي ليس بوصفه عصيانًا جزئيًا لتعاليم الإسلام، ولا إماتة لشرائع فرعية فيه، بل دمار شامل لعقيدته صَنَعَ وثنيات أعقد من الوثنيات التي اختلقتها الجاهلية. ويرى أن الإنسانية شهدت عصرًا من الشورى أيام الخلافة الراشدة، لا يقل حضارة عما يشهده الغرب في فن الحكم، صحيح أنه لم تكن هناك أجهزة وأبنية ومؤسسات للشورى بسبب طبيعة الحياة البسيطة وقتها، لكن المضمون واحد.

ويستدعي الغزالي موقفا جمع بين رئيس الولايات المتحدة في الستينيات جون كينيدي وصحفي أمريكي، حيث سأله الصحفي: هل رحلة زوجتك لأوروبا على نفقتك الخاصة أو من مال الدولة؟ وأجاب كينيدي دون غضب أو تأفف، ويعلق الغزالي على ذلك الموقف، بأن مضمون هذا الحوار حدث قبل 14 قرنًا في عام الرمادة بين عمر بن الخطاب وسلمان الفارسي الذي سأل عمر: «نرى ثوبك طويلًا وكلنا كميش الأزرار، ما حصل أحدنا إلا على ملبس قصير فمن أين لك هذا؟» فأحس عمر وكأنه متهم باستغلال الحكم، فقال قم يا عبدالله بن عمر وحدِّث الناس، وقام عبدالله وقال: «لقد منحتُ أبي نصيبي من الثياب ليكمل حلته»، فهتف سلمان على الفور: «الآن قُل نسمع». كما رفض الغزالي القول بأن الإسلام أقر الشورى في الحكم وأعفى الحاكم من نتائجها. ونعى على بعض الفقهاء، الذين يطيلون الحديث في أمور هيّنة ويصمتون في الأمور الجلل، ليدين في النهاية الاستبداد السياسي وخُدّامه الذين استطاعوا حذف أبواب مهمة من قسم المعاملات في الفقه. إنه يذهب بعيدا حين يرى أن امرأة على رأس حكم شورى أفضل من مستبد على رأس سلطة مغتصبة، فلو أن امرأة من طراز جولدا مائير أو أنديرا غاندي حكمت العرب لكان ذلك أجدى عليهم من عسكر وضعوا على صدورهم أعلى الأوسمة، فلما جد الجد تحول عمالقة الاستعراض إلى ماعز وضأن. ولو كانت هناك مؤسسة «شورى» محترمة وملزمة للحاكم، ما سمحت له بخوض حرب اليمن التي أفلست خزائن البلاد، وخلّفت آلاف القتلى والمصابين، وأنهكت قوى الجيش فكانت هزيمة 1967. هل من يقول هذا يساند الاستبداد؟

لقد واجه الغزالي عبد الناصر والسادات ومبارك، وعندما ضيقوا عليه أبواب الرزق خرج إلى أرجاء الأرض بعزة وكرامة فحظي باحترام الناس وتقديرهم والاستجابة له. قارن ذلك بقول حجازي: لم يعد أمام أي مثقف إلا الحكومة لكي يعيش!! إنه يعترف أن الثقافة لا يمكن أن تعيش  في ظل استبداد مطلق، الحكومة فيها  مقصورة  على” أجهزة الأمن”، ولكن سيادته يعيش في ظلها ويحظى بشيكاتها! ولا يتورع أن يعلن أنه يحاول ألا يصطدم بها وإن كان يجمّل ذلك بأنه يحرص على ألا يكذب!

مشكلة مثقف السلطة أنه مدمن للاقتراب من السلطة وخدمتها، مروج لها وصانع لأساطيرها بحثا عن الشهرة والزعامة، ولعل حجازي يعرف شخصا بدأ حياته في إحدى القرى فانضم للإخوان المسلمين ولما لم يجد عندهم ما يشبع تطلعاته تركهم وشد الرحال إلى العاصمة لينضم إلى الشيوعيين ولما وجدهم في ذلك الحين تحت المراقبة؛ وجد في  البعثيين السوريين ضالته، ولكن البعث العراقي أغراه ومنح قريبة له فرصه السفر والحصول على الدكتوراه في الطبل والزمر من السوربون، وعدّ نفسه من الطيور المهاجرة التي تمردت على السادات، ولكنه جاء من باريس ليزور السادات في القناطر، وقيل إنه كان يقدم تقارير أمنية عن الطيور الأخرى، وبحكم قربه من السادات كان قربه من خلفه الذي منحه منصات صحفية وثقافية لينهل من أموال الشعب الكادح المظلوم ما لا يستحق حتى يومنا هذا. كان المذكور شجاعا فقط في سنة الرئيس الأسير محمد مرسي – فك الله كربته – فهل يمكن مقارنة هذا الشخص بالغزالي - رحمه الله ؟

الله مولانا. اللهم فرج كرب المظلومين. اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!   

وسوم: العدد 714