المعصية والكفر

[ بتصرّف، من كتاب واقعنا المعاصر، حاشية صفحة 427 – محمد قطب]

وهنا تعرض مسألة يختلط أمرها في أذهان بعض الناس، وهي المعصية، فإجماع الأمة أن المعصية لا تُخرج صاحبها من الإيمان، بينما هي عمل مخالف لما أنزل الله، ولا تناقُض في الحقيقة بين الأمرين. فمرتكب المعصية حين يُقرّ بأنها معصية فهو يحكم عليها بما أنزل الله، ويزنها بميزان الله، وإن خالف أمر الله فيها شهوة أو هوى. ولذلك لا يخرج من دائرة الإيمان. أما حين يستحلها فهو يحكم في شأنها بغير ما أنزل الله، ويزنها بغير ميزان الله، ولذلك يكفر. بل هو يكفر بهذا الاستحلال ولو لم يأت العمل المنهي عنه. ذلك أنه - وإن لم يرتكب بجوارحه ذلك العمل - فقد أتى بعمل من أعمال القلب يخرج صاحبه من الإيمان، وهو اتخاذ نفسه نِدّاً لله سبحانه وتعالى، يحل ويحرم من عند نفسه بغير إذن من الله، والله وحده هو صاحب الأمر في التحليل والتحريم، والإباحة والمنع، بمقتضى كونه هو الخالق وحده سبحانه: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ). {سورة الأعراف: 54}. وهذا هو الذي يفسر كون المعصية في حد ذاتها لا تخرج من الإيمان إلا أن يستحلها صاحبها، أي يعطيها حكماً مخالفاً لحكم الله. وحديثنا هنا عن المعصية المعلومِ من الدين بالضرورة أنها معصية، كشرب الخمر والزنى وأكل الربا... بخلاف ما لو كان حكمها ملتبساً فيختلف العلماء في حكمها. ومع ذلك فهناك إجماع من الأمة على أن هناك أعمالاً بعينها لا يُسأل صاحبها عما في قلبه، وهل هو مستحل لها أم غير مستحل، لأنها دالة بذاتها على الكفر، كالسجود إلى الصنم، وإهانة كتاب الله، وسب الرسول صلى الله عليه وسلم، وموالاة أعداء الإسلام، والتحليل والتحريم من دون الله، أي التشريع بغير ما أنزل الله.