الجاحظ

الجاحظ

(من كتاب: الحيوان)

هو أبو عثمان، عمرو بن بحر، الملقب بالجاحظ لجحوظ في عينيه. ولكن خفة روحه طغت على قبحه، وجعلته حسن المعاشرة، لطيف النكتة، فألفه العلماء والأدباء، وقصدوه من كل مكان.

كان من أئمة الأدب والعلم، ملماً بكل ألوان الثقافة الإسلامية لعهده، معتزليّ المذهب وله كتب كثيرة صوَّر فيها أحوال عصره، ونقد أخلاق الناس وعاداتهم، في أسلوب رشيق، خال من التكلف، جيد التصرف، يدل على مقدرة الجاحظ الإنشائية، وإمامته في الأدب

أصيب في أواخر أيامه بالفالج، فلزم فراشه يتابع التأليف حتى مات سنة 255هـ.

ومن كتبه: البيان والتبيين، والبخلاء، والحيوان. ومن هذا الأخير اخترنا النص التالي:

حيلة حية

حدثنا أبو جعفر المكفوف(1)   النحوي العنبري، وأخوه روح الكاتب، ورجال من بني العنبر: أن عندهم، في رمال بلعنبر(2)، حية تصيد العصافير وصغار الطير بأعجب صيد.

زعموا أنها إذا انتصف النهار واشتد الحر في رمال بلعنبر وامتنعت الأرض على الحافي والمنتعل، ورمض الجندب(3) غمست هذه الحية ذنبها في الرمل، ثم انتصبت كأنها رمح مركوز أو عود ثابت، فيجيء الطائر الصغير أو الجرادة، فإذا رأى عوداً قائماً، وكره الوقوع على الرمل لشدة حره، وقع على رأس الحية، على أنها عود، فإذا وقع على رأسها قبضت عليه. فإذا كانت جرادة، أو جُعَلاً(4)، أو بعض ما لا يشبعها مثله، ابتلعته وبقيت على انتصابها. وإن كان الواقع على رأسها طائراً يشبعها مثله، أكلته وانصرفت، وأن ذلك دأبها ما منع الرمل جانبه في الصيف والقيظ، في انتصاف النهار والهاجرة. وذلك أن الطائر لا يشك أن الحية عود، وأنه سيقوم له مقام الجِذْل للحرباء(5)، إلى أن يسكن الحر ووهج الرمل.

وفي هذا الحديث من العجب:

أن هذه الحية تهتدي لمثل هذه الحيلة.

وفيه جهل الطائر بفرق ما بين الحيوان والعود.

وفيه قلة اكتراث الحية للرمل الذي عاد كالجمر، وصلح أن يكون ملة(6) وموضعاً للخبزة.

ثم أن يشتمل ذلك الرمل على ثلث الحية ساعات من النهار والرمل على هذه الصفة. فهذه أعجوبة من أعاجيب ما في الحيات.

       

الهوامش

 (1) الأعمى.  

(2) أي بني العنبر.

(3) آلمه الحر وأحرقه. والجندب: نوع من الجراد.

(4) الجُعَلُ: دويبة سوداء.

(5) الجِذْلُ: جذع الشجرة. والحرباء: دويبة كثيرة التلون.

(6) الملة: الرماد الحار يوضع فيه العجين حتى ينضج.