أوهام

في ليلة من ليالي الصيف وقف رجل فوق تل خفيض يشرف على مدى وسيع من الغابات والحقول ، وعرف

من البدر الآفل في سماء الغرب ما لم يكن ليعرفه من مصدر آخر : عرف أن مطلع الفجر دانٍ . كان ضبابٌ رقيق يوشح الأرض ويحجب جزئيا ملامح المشهد الأكثر انخفاضا وإن كانت الأشجار الأطول قد لاحت في مجموعات

حسنة الوضوح إزاء سماء صاحية . وكان في وسع المرء أن يرى ضيعتين أو ثلاثا خلال الضباب وإن  كان من الطبيعي خلو كل منها من أي ضوء . لم يكن هناك أي علامة أو أي شيء يوحي بالحياة اللهم إلا نباح كلب بعيد

أبرز ترداده الآلي وحشة المشهد أكثر مما بددها . تلفت الرجل حوله بفضول في جميع النواحي شأن من لا يستطيع تحديد مكانه الدقيق في نسق الأشياء وإن كان ما يحيط به مألوفا له . ولعلنا نتصرف هكذا حين نقف في

انتظار النداء للحكم على أعمالنا في الآخرة بعد أن نبعث من مرقدنا . كان ثمة طريق مستقيم على مسافة مائة ياردة يلوح أبيض في نور البدر . وفي محاولة من الرجل لتوجيه نفسه _ وفق التعبير المتوقع من مساح الأرض

أو الملاح في البحر _ سرح ببصره في أناة عبر المدى المرئي من الطريق فلمح على مسافة ربع ميل إلى الجنوب من المكان الذي يقف فيه كوكبة من الخيالة رمادية باهتة في الضباب قاصدة الشمال .كان وراءها مشاة يسيرون صفا حاملين على أكتافهم بإمالة بنادق تلمع بلون كابٍ . كان الجميع يتحركون بِطاء صامتين . وتلت كوكبة من الخيالة ، ثم فيلق من المشاة ، تلته كوكبة من الخيالة ، تلاها فيلق من المشاة . كان الجميع يسيرون

في حركة لا تنقطع صوب مرمى نظر الرجل حتى تتجاوزه وتبتعد عنه . وأقبلت بطارية مدفعية كان رجالها

يمتطون عربة المدفع مشبوكي الأيدي . واستمر الموكب الذي لا نهاية له في الانبثاق من ظلمة الجنوب والغوص

في ظلمة الشمال دون أن يسمع منه صوت إنسان أو وقع حافر أو دمدمة عربة . عجز الرجل عن فهم ما يحدث

فهما صحيحا . خال نفسه أصم ، وقال ذلك فسمع صوته وإن سمعه بِسمة غير مألوفة له بعثت الهلع في نفسه

ذلك أن صوته خالف ما تتوقعه أذنه من الجرس والرنة ، بيد أنه ما كان أصم . وهذا يكفيه الآن باعثا على الاطمئنان . وتذكر أن ثمة ظواهر في الطبيعة سماها أحدهم الظلال الصوتية ، وصفوتها أنك إذا وقفت في ظل صوتي فستكون هناك ناحية واحدة لن تسمع منها أي شيء . ويقال تدليلا على ذلك أنه في معركة جينز مل

( إحدى أشرس معارك الحرب الأهلية الأميركية التي شارك فيها مائة مدفع ) لم يسمع المشاهدون الذين كانوا

على مدى ميل ونصف في الجانب المقابل من وادي شيكاهوميني أي صوت لما كانوا يشاهدونه في وضوح .

أما قصف البورت رويال الذي سمع في منطقة القديس أوغسطين الواقعة على مبعدة مائة وخمسين ميلا جنوبي

وادي شيكاهوميني فقد كان غير مسموع على مسافة ميلين شمالا وفي جو ساكن . وقبل استسلام القوات الذي

تم في منطقة أبوماتوكس ؛ لم يتمكن القائد بيكيت من معرفة خبر الاشتباك العنيف الذي وقع بين قواته وبين قوات

القائد شريديان مع أن شريديان كان على بعد ميل في مؤخر خط قواته . كانت الأمثلة السالفة غير معروفة للرجل

الذي نكتب عنه ، لكن أمثلة أخرى من نفس الصنف وإن تكن أقل إثارة منها ما كانت لتفوت مقدرته على الملاحظة . كان قلقه عميقا ، لكن لعلة أخرى خلاف الصمت الغريب لزحف القوات في نور البدر . قال لذاته :

رباه ! إن كان هؤلاء حسبما أظن فمعنى هذا أننا خسرنا المعركة وأنهم يتجهون إلى ناشفيل . ومرة ثانية شعر

بأن شخصا آخر يعبر عن أفكاره فساورته خشية على نفسه ، ساوره إحساس قوى بالخطر على شخصه ، وهو

ما نسميه عند الآخرين الشعور بالخوف . خطا إلى ظل شجرة . كانت الكتائب لا تزال تمضي قدما بطيئة في رقيق الضباب . وشدت انتباهه نسمة مفاجئة هبت على مؤخر عنقه ، وعندما التفت صوب الشرق آنس ضوءا

رماديا واهنا في الأفق : أول علامة على بزوغ الفجر ، فزاد ذلك من خوفه . فكر : لابد من أن  أنصرف من هذا

المكان وإلا اكتشفوني وأخذوني . غادر ظل الشجرة مسرعا نحو الشرق الآخذ في اكتساب اللون الرمادي . وحين

بلغ خميلة تفاح منعزلة مأمونة التفت وراءه : ابتعد رتل القوات عن مدى الرؤية . كان الطريق الأبيض المستقيم

يمتد أجرد مقفرا في نور البدر فانقلبت حيرته السابقة ذهولا لا وصف له . فيا له  من جيش هذا الذي يعبر سريعا

مع أنه يسير وئيدا ! لقد عجز عن فهم الأمر . مرت الدقائق واحدة إثر الأخرى دون أن يعي مرورها . ضاع إحساسه بالزمن . بحث في حماسة عن حل لهذا اللغز فكان بحثه بلا طائل . صحا أخيرا من شروده . رأى طرف

الشمس فوق التلال إلا أنه لم يرَ نورا آخر سوى نور النهار ، وغاص إدراكه لواقع الحال في ظلمة الريبة مثلما كان آنفا . وعلى كل جانب منه ترامت الحقول المزروعة لا تدل على أي علامة للحرب أو ما توقعه من خراب

. ودل الدخان الأزرق الرقيق المتصاعد من مداخن بيوت المزارع على التأهب ليوم هادىء . وبعد أن ختم كلب الحراسة خطبته الفانية إلى نور القمر أخذ يعاون زنجيا يعد مجموعة بغال لحرث الأرض وفي أثناء ذلك يغني

راضيا عن عمله . حدق بطل هذه القصة في مشهد المراعي في بلاهة كأنه لم يرَ لها مثيلا طيلة حياته وأتبع ذلك

بوضع يده على رأسه ، ثم خلل بها شعره ، ثم سحبها وتأمل كفها بتمعن ، وهو أمر مستغرب شاذ . وبعد أن بدا عليه الاطمئنان لما قام به مضي واثقا نحو الطريق . كان الطبيب ستلنج مالسون التابع لبلدة مرفريز بورو قد عاد مريضا على مسافة ستة أو سبعة أميال على طريق ناشفيل ، وقضى عنده الليل بطوله ، ورجع صبحا على صهوة  حصانه ، وهي عادة أطباء ذاك العهد وذاك الإقليم . وبعد أن دخل المنطقة التي دارت فيها معركة ستون رفر اقترب منه رجل قادم من جانب الطريق ، وحياه بطريقة عسكرية مع إشارة من يمناه إلى القبعة التي يعتمرها ، بيد أن القبعة لم تكن عسكرية ، والرجل لم يكن يلبس زي العسكر ولا يحمل رمزهم . أومأ الطبيب برأسه في تهذيب ظانا بعض الظن أن تحية الرجل الغريب غير المألوفة ربما تكون من باب الاحترام لملابسات

المكان التاريخية . ولما بدا أن الغريب يريد أن يكلمه أوقف حصانه متأدبا وانتظر .

قال الغريب : سيدي ! لعلك عدو مع أنك مدني .

فكان الرد الذي لا موجب له : أنا طبيب .

قال الغريب : أشكرك . أنا ملازم . من هيئة أركان اللواء هيزن .

وصمت لحظة ونظر إلى الشخص الذي يخاطبه نظرة حادة وتابع : من جيش الاتحاد .

فلم يزد الطبيب على هزة من رأسه .

تابع الآخر : لو تكرمت أخبرني بما وقع هنا ! أين الجيوش ؟ من كسب المعركة ؟

نظر الطبيب إلى سائله بعينين نصف مغمضتين نظرة فضول ، وبعد أن تفحصه تفحص محترف ،

تسامى إلى أقصى حدود الأدب وقال : عفوا ! من يطلب معلومات يجب أن  يكون راغبا بدوره في إعطاء معلومات . . .

ثم أردف باسما : أنت جريح ؟

قال الغريب : جرحي ليس خطيرا ... الظاهر ...

ورفع القبعة غير العسكرية ووضع يده على رأسه وخلل بها شعره ، ثم أبعدها وتأمل كفها متمعنا .

قال : أصابتني رصاصة وفقدت عيني . لا بد إنها كانت إصابة  ملتهبة غير متعمدة . إذ لا أجد دما ولا أشعر

بألم . لن أزعجك بطلب علاج ، ولكن هل تتكرم بإرشادي إلى أي جزء من الجيش الاتحادي ؟ إن كنت على

علم بذلك .

ومرة أخرى لم يرد الطبيب حالا . كان يتذكر الكثير المسجل في كتب حرفته . . . يتذكر ما كتب عن فقد الذات ،

وعن فاعلية المشاهد المألوفة في استعادتها . وأخيرا نظر في وجه الرجل وابتسم وقال : حضرة الملازم ! أنت

لا  تلبس الزي الذي يدل على رتبتك وعملك .

وهنا نظر الرجل إلى سترته المدنية ورفع ناظريه وقال متلعثما : صحيح . إنني . . . إنني لا أفهم بالضبط .

فسأل رجل العلم خشنا وهو ما يزال ينظر إلى الغريب بحدة نظرة لا تخلو من عطف : كم عمرك ؟

_ ثلاث وعشرون سنة . إن كان لهذا أهمية .

_ لا يبدو عليك ذلك . لا يمكن أن أقدر أنك في هذا العمر .

كان صبر الرجل يتضاءل . قال : لا حاجة بنا للنقاش في هذا . أريد أن أعرف خبر الجيش . قبل أقل من

ساعتين رأيت رتلا من الجنود يتحرك شمالا على الطريق . لا شك في أنك قابلتهم . تكرم وأخبرني بلون لبسهم

الذي عجزت عن تمييزه ، وسأكف عن إزعاجك !

_ متأكد تماما من أنك رأيتهم ؟

متأكد ؟ ! رباه ! سيدي ! كان في وسعي أن أعدهم .

قال الطبيب وقد سيطر عليه إدراك ممتع بأن الغريب إنما يشبه المزين الثرثار في ألف ليلة وليلة : لماذا ؟

هذا أمر مثير للغاية . لم أقابل جنودا .

نظر إليه الرجل في برود ، كأنه هو الآخر لحظ التشابه مع المزين . قال : واضح أنك لا تحرص على معاونتي

يا سيدي ! في وسعك أن تذهب إلى الشيطان !

واستدار ومضى واسع الخطو على غير هدى في الحقول الندية ، ومعذبه شبه النادم يراقبه من المكان الذي يوفره له وجوده فوق سرج الحصان حتى اختفى وراء خط من الشجر . وبعد مفارقة الطريق أبطأ خطوه ومضى قدما في ضرب من التحدي وقد حل به شعور جلي من الإعياء ، لكنه ما كان ليأبه به وإن كانت ثرثرة ذلك الطبيب

الريفي التي لا تنتهي قد عاودت باله في جلاء . وبعد أن اقتعد صخرة وضع إحدى يديه فوق ركبته جاعلا ظاهر تلك اليد إلى الأعلى ،وألقى عليها نظرة عرضية . كانت ضامرة هزيلة . رفع كلتا يديه إلى وجهه . كان غضِنا

مخددا حتى إنه كان قادرا على تتبع غضونه بأنامله . ما أغرب هذا ! فما كان لمحض إصابة وغيبوبة عن الوعي

وجيزة أن تجعل الإنسان حطاما بدنيا إلى هذا القدر . قال عالي الصوت : لا ريب في أنني أمضيت في المستشفى

وقتا مديدا . لماذا ؟ يا لي من أحمق ! جرت المعركة في ديسمبر ونحن الآن في الصيف .

وضحك وأردف : لا عجب في أن ذلك الشخص حسبني مخبولا آبقا . كان مخطئا . أنا معلول آبق .

ولفتت انتباهه بقعة أرض صغيرة على مسافة دانية يحيط بها سور حجري ، فنهض وقصدها دون نية جلية

التحديد . كان في وسط الأرض نصب مربع من الحجر الصلد المنحوت غدا بنيا من أثر الزمن ، وأبلت تآثير

الجو زواياه ، وفوقه رقع من الطحالب والأُشنة . وبين كتل الحجارة الضخام ترعرعت خطوط عشب أدت قوة

جذورها إلى التفرقة بين هذه الكتل . لقد وضع الزمن يده المهلكة على هذا البناء الشامخ ردا على ما يجسده من تحدٍ عنيد . وعما قريب سيؤول إلى ما آلت إليه مدينتا نينوى وصور . والتقطت عينه على أحد جانبي المبنى

اسما مألوفا له في نقش ، فاهتز انفعالا ، ورفع جسده عبر السور وقرأ : لواء هيزن _ تخليدا لذكرى جنوده الذين سقطوا في معركة ستون رفر _ 31 ديسمبر 1862 ، فسقط إعياء مغشيا عليه . كان ثمة منخفض من الأرض

على مدى ذراع تقريبا مُلِىء ماء مطر هتن أخيرا حتى غدا بركة صافية ، فزحف إليها لإنعاش نفسه . رفع الجزء

العلوي من جسده على يديه المرتجفتين وقذف رأسه للأمام فرأى صورة وجهه كأنما في مرآة فأطلق صرخة مرعبة . خانته ذراعاه فهوى على وجهه في البركة وأسلم الروح التي قدر لحياتها أن تمتد إلى ما بعد الحرب .

* للكاتب الأميركي أمبروز بييرس .

وسوم: العدد 656