محمد منلا الغزيّل

محمد منلا الغزيّل

رائد التوفيق الثوري بين التراث والمعاصرة

محمد منلا الغزيّل

حاوره / براء العويس

عن رابطة نون للثقافة والحوار

ولد المفكر والشاعر الإسلامي الكبير محمد منلا الغزيّل المنبجي في مدينة منبج أواخر عام 1936 ثم نال الشهادة الابتدائية من مدرسة نموذج منبج عام 1950 التحق بثانوية المأمون في حلب للدراسة الإعدادية المتوسطة بين العامين 1950 و 1954 ثم أتم المرحلة الثانوية في ثانوية المعري ثم ثانوية سيف الدولة وأخيراً ثانوية إبراهيم هنانو حيث نال شهادة الدراسة الثانوية الأدبية فرع الآداب واللغات سنة 1957 ، ثم انتقل إلى دمشق ليدرس في جامعة دمشق في قسم اللغة العربية كلية الآداب بين 1958 حتى عام 1961 حيث نال الليسانس في الآداب آداب اللغة العربية ، وبعد ذلك في عام 1962 نال أهلية التعليم الثانوية في صورة دبلوم عامة في التربية ، ثم زاول التدريس مدة من الزمن حتى أحيل إلى التقاعد لأسباب صحية خاصّة ، وانصرف بعد ذلك إلى الإنتاج الأدبي وتدريس بعض الساعات في اللغة العربية تكليفاً حتى عام 1977 حيث اعتزل التدريس تماماً .

أما الإنتاج الذي عبر عن معالم تجربته فيتمثل في عدد من الدواوين الشعرية أولها \" في ظلال الدعوة \" وصدر في حلب عام 1956 وكان الشاعر في العشرين من عمره ، ثم \" الصبح القريب \" وصدر عام 1959 وهو في السنة الثانية في قسم اللغة العربية شهادة تاريخ العرب والإسلام ثم مجموعة \" الله والطاغوت \" عام 1962 وهو في صف الدبلوم العامة في كلية التربية وجمع مختارات من شعره في المجموعات الثلاث السابقة بديوان مستقل عنوانه \" اللؤلؤ المكنون " عام 1962 ثم لزم الصمت فلم يكتب شيئاً حتى مطالع عام 1971 حيث استأنف إنتاجه الأدبي فأصدر عدداً من المجموعات هي \" طاقة الريحان \" 1974 ثم البنيان المرصوص عام 1975 ثم \" اللواء الأبيض \" 1978 ، وإلى جانب هذا الإنتاج الشعري كان يكتب في مجلة حضارة الإسلام بعض المقالات التي جمعها في ثلاثة كتب نثرية أولها بعنوان \"على طريق الوعي الحضاري العربي الإسلامي \" ثانيها بعنوان \" في رحاب الأدب العربي \" ويضم عدداً من المحاضرات الأدبية ثالثها بعنوان \"كلمات على طريق الوعي الحضاري \" وظل يكتب حتى أواخر عام 1977 حيث صدرت أعماله الشعرية في مجلد واحد وكذلك صدرت أعماله النثرية موزعة على العناوين الثلاثة السابقة ثم لزم الاستجمام إن جاز القول .

أما عن مصادر ثقافة ومرجعيات الغزيل هي المادة أو المناهج الرسمية المقررة في المناهج أو الجامعات يضاف إلى ذلك المطالعات الخاصة وقد عرف الشاعر بولعه بهذه المطالعات والقراءات ، كان في حلب يتردد كثيراً إلى دار الكتب الوطنية ويقرأ ألوناً مختلفة من الثقافات التاريخية والدينية والأدبية . ويركز على أن المادة الثقافية التي أسهمت في بناء ثقافته هي المادة المدرسية ولا سيما في ظل بعض الأساتذة الموهوبين مثل \" فاضل ضياء الدين \" الذي كان له تأثيره الخاص على الغزيّل وعلى تشجيعه لاقتحام الميدان الأدبي بجدارة .

@ أريد أن أتساءل عن رابطة الوعي الإسلامي التي كانت حلم أو تجربة ربما لممارسة إيديولوجية بشكل جماعي أو نواة لمؤسسة مجتمع مدني فكرية تنويرية ، أريد تسليط الضوء على هذه التجربة .

في الواقع هذه الرابطة كان اسمها أكبر من واقعها التاريخي ، لأن الفتى كان خلال ثلاث سنوات تمثل المرحلة الثانوية في حياته قد انتمى إلى إحدى الجماعات الدينية التي لم تكن محظورة في ذلك الحين ، وكانت شأنها شأن أي نادي ثقافي مرخص به فكان يتردد إلى مكتبتها وإلى محاضراتها وندواتها وكانت تُصدر جريدة كان اسمها \" الشهاب \" فكان هذا الشاب يكتب إنتاجه في تلك الفترة من خلال تلك الجريدة .

أما عن ظروف نشأة هذا الرابطة كانت رد فعل طبيعي بحكم الصراع الإيديولوجي حيث كانت هناك رابطة تدعى رابطة الكتاب السوريين يديرها بعض المثقفين اليساريين الشيوعيين والتي أصبحت رابطة الكتاب العرب ثم اندمجت في اتحاد الكتاب العرب ، فأملى هذا الصراع على الشاب أن يبدأ بتأسيس نواة رابطة أطلق عليها باسم \" رابطة الوعي الإسلامي \" متأثراً باتجاهات لجنة الشباب المسلم في القاهرة والتي كانت تصدر رسائل المودودي وغيره والتي كان يديرها الدكتور رفيق سالم .

ورابطة الوعي الإسلامي كانت نواة رابطة لم يكن لها مكتب ولم تكن لها أوراق ، وأخذت فيما بعد اتجاهها ، وخير ما يغنينا عن هذا الكلام هو ما كتبه عبد الله الطنطاوي في كتابه \" محمد منلا الغزيل في ظلال الدعوة \" فقد أرّخ لهذه الرابطة على نحو مناسب لأنه كان أمين سرّها .

@ هل كان فضاء الحرية في تلك المرحلة أخصب وأرحب منه الآن ؟

في الحقيقة الغزيل لم يعان أزمة حرية حادة ، لأن كل مايريد أن يقوله فقد قاله ضمن الشروط التي كانت قائمة في ذلك الحين ، الآن عندما ينظر إلى أعماله الشعرية الكاملة ويجد فيها الإشارة إلى بعض الأشخاص أو الرموز التاريخية التي كانت حينها ، أحياناً يتلف هذه النصوص لصلتها بالجانب الشخصي ، لأن التجريد عنده أهم بكثير من الشخصنة مهما كان قدرهم ولو كان سيد قطب الذي كان يمثل في حياته الأستاذ الحبيب والرائد الكبير فأهمية الفكرة أكبر من أهمية الشخص ، وأنا أردد منذ أكثر من ثلاثين سنة مثلاً صينيّا يقول : إن ذوي العقول الكبيرة يتناقشون في الأفكار ، إن ذوي العقول المتوسطة يتناقشون في الأشخاص ، إن ذوي العقول الصغيرة يتناقشون في الأشياء ، فعالم الأفكار أهم بكثير من عالم الأشخاص ، وهذا لا يعني أن الشخص ليست له أهمية إذ لا بد للفكرة من حامل يرفع لوائها .

@ بين التطرف والإيديولوجيات التكفيرية وبين دعاوى أخرى متهمة بإدخال مفردات أو مظاهر مدنية غربية ربما لا تتفق مع التراث أو الموروث العربي وتمهد لاختراق ثقافي أو استتباع حضاري يلغي جميع مفرادت الحضارة العربية ويجعل من التغريب غلافاً لأي ممارسة حضارية مستقبلية. أريد إضاءة نقطة نظام وموقف عقلاني واع بين هذه التوجهات.

في الواقع أنا أعتبر نفسي رائد التوفيق الثوري بين التراث والمعاصرة وهذا كان عنوان آخر محاضرة لي في رابطة البحتري رابطة اتحاد شبيبة الثورة في منبج ، \" التوفيق الثوري بين التراث والمعاصرة \" أتخذ شعاراً من قول الإمام علي كرّم الله وجهه : \"خير هذه الأمة النمط الأوسط يلحق به التالي ويرجع إليه الغالي ، اليمين مضلّة والشمال مضلّة والجادة هي الوسطى\" ، وهذا تفسير لقوله – تعالى – : \"وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً \" ، فالوسطية التي تجمع بين محاسن أهل اليمين وأهل الشمال هي ما أتحراه في موقفي الحضاري موفقاً بين الولاء للتراث وبين المعاصرة ، وفي هذا الصدد يقول المستشرق الفرنسي \" رينان \" إن قادة سفينة التقدم هم الذين اتخذوا احترامهم العميق للماضي نقطة انطلاقهم ويقول الشاعر العربي القديم :

لسنا وإن أحسابنا كرمت ...... يوماً على الأحساب نتكل

نبني كما كانت أوائلنـا........ تبني ونفعل مثلما فعلـوا

وقد سرني اليوم إعلان في جامعة الاتحاد الخاصة \"فرع منبج \" يقول : نبني المعرفة ونحافظ على القيم ، فلو أخذنا الجانب المعرفي ممثلاً للمعاصرة في زمن ثورة المعلومات والمعلوماتية لرأينا في الحفاظ على القيم الجانب التراثي الأصيل .

@ من هذه الموازنة أريد أن أستوضح عن إمكانية صياغة حداثة عربية إسلامية تتخذ مرجعية ثابتة لا تتنكر للتراث وما هي خصوصية هذه الحداثة العربية الإسلامية ؟

في الحقيقة هنا يحضر إلى الذاكرة المفكر الكبير والشاعر الفيلسوف \" محمد إقبال \" ، وإقبال له ست محاضرات في جامعة \"مدراس\" حول تجديد الفكر الديني في الإسلام وقد جعل إحدى هذه المحاضرات بعنوان خصائص الثقافة الإسلامية ومحاضرة أخرى بعنوان الاجتهاد مبدأ الحركة في الإسلام فخصائص الثقافة الإسلامية وأبرز معالم خصوصيتها هو التوحيد ، فقد جاء كل الأنبياء بتوحيد الله – تعالى – والدعوة إلى مكارم الأخلاق هذا ما يتعلق بخصوصيات الثقافة ، أما عن الاجتهاد فيذكر هذا المبدأ الحركي في الدين يذكر بقول عمر بن عبد العزيز: \" يجد للناس من الأقضية بقدر ما يجد في حياتهم من القضايا \"، وهذا القول مهم لأن النصوص مهما كانت تتناهى أما الوقائع فلا تتناهى فمن هنا جاء مبدأ الاجتهاد صيانة للثوابت وانطلاقاً لمواجهة الجديد بما يكافئه مع الحفاظ على جوهر القديم ، قيل : قيمة القشور بلبابها وقيمة الرجال بألبابها وقيمة القصور بأربابها ، فالوقوف عند ظواهر النصوص فهو وقوف عند القشور كما يقول الصوفية ، أما العبور إلى اللباب والجوهر فهو الموقف الصحيح ، يقول الله – تعالى – : \"فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ألئك الذين هداهم الله وألئك هم ألوا الألباب\" وقال عبد الله سراج الدين : \" ألوا الألباب هم الذين عبروا حجاب الحس إلى اللباب \"

@ بعيدا عن الثابت الذي لا يمكن المساس فيه كيف يمكن إيجاد متحول يستوعب الإشكاليات المعاصرة وما هي معالم هذا المتحول ؟

المتحول في الفروع وليس في العقائد ، خاصة العقيدة التي هي \" لا إله إلا الله \" وهي التي جاء به رسل الله جميعا \" ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت أما المتغيرات اليومية فما من يوم ينشق فجره إلا ومناد ينادي يابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة فالجديد نواجهه بأقدام ثابتة هناك القيم الراسخة والمعطيات الناسخة معطيات الواقع ، فالثبات على القيم هو المقدمة الطبيعية لأي لأي تطوير أو تحديث .

@ كيف تكون عملية المزاوجة بين التراث والنهضة ثنائية كفيلة بإنتاج مولود فاعل ومؤثر في الثقافة على اعتبار أنها نواة أي عمل حضاري ؟

في الحقيقة مفهوم النهضة تتعدد فيه الأقوال ، ولكن أنا يستهويني أن أنوه بــ مالك بن نبي وكتابه شروط النهضة ، فله تجربه خصبة كتبت عنها غير مرة ، ابن نبي يقول مشكلة الإنسان هي مشكلة الحضارة ومشكلة الحضارة إنما هي مشكلة الثقافة ، وليست الحضارة إلا منظومة من القيم الثقافية في مجال التحقق ، فهي علم وعمل ، وقد قيل في القديم من أراد أن يكون الكامل فليكن العالم العامل ، فهناك الأساس العلمي والثقافي والمعرفي ثم يأتي العمل التطبيقي ، من النظرية إلى التطبيق فإذا كانت الثقافة تعني القيم والأفكار ، فإن الحضارة هي تطبيق وبعث إحيائي لتلك الأفكار في الواقع ، لذلك إذا استلهمت تجربة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في مكة ، في نشر الأفكار في (الطور الحلبي) قديماً وحديثاً فإني أطمح بعد الاستقرار المدني مجازا في تحقيق هذه الحضارة لأن البشرية تتطلع إلى نموذج جديد للحضارة بعد أن أفلس النموذجين الغربي والشرقي معاً في تحقيق وضمان إنسانية الإنسان وسعادته ، أنا هنا أذكر ما يقول الشاعر الصوفي :

ألا إنـه الإسـلام يـنبوع iiحكمة
سرى في شرايين الزمان حضارة
فـصارت بها الدنيا سماءاً iiلأنجم
لـقـد عـقمت أم الزمان فلم iiتلد



تـدفق من سلـساله كل مـورد
كـفـى أنها سـوّت مسوداً بسيد
يـضـيء دجاها فرقد بعد iiفرقد
ولـن تـلـد الأيـام مثل محمد

ولكن شيخاً أزهرياً يمدح الإمام \" محمد عبده \" فيقول :

لكل زمان من بنيه مجددٌ فما أبلت الأيام من دين أحمد

فمبدأ التجديد والحداثة في هذا الدين هو الذي يحفظ ديباجته مع مراعاة منطق العصر ، وكما في صحف إبراهيم وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه ، حافظاً للسانة مقبلاً على شانه .

@ العالم العامل هل يوجد هذا النموذج في هذه المرحلة ، أم أن المثقف العربي ينعزل في برج عاجي ويدعي الخصوصية ، ويمارس نوع من الديكتاتورية الثقافية وهل سبب عزلته وامتناعه عن ممارسة دوره السوسيولوجي ناجمة عن عدم قدرته على التغيير ؟

@ ثمة في العالم العربي رموز ثقافة وفكرية من مشارب عدة ، ما سبب ضآلة الانتاج المعرفي لدينا علماً أن بلجيكا/ 20 مليون نسمة/ تنتج من العناوين سنوياً أكثر مما ينتجه العرب مجتمعين ؟

والأمور بمقاصدها فمن هنا أنا لا يعنيني الواقع الحضاري كثيراً ، لأن التميز العقائدي عندنا هو مصدر تفوقنا ، \" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله \" فالإيمان بالله ثم الحفاظ على مكارم الأخلاق هو سر تفوقنا الحضاري ، فالله عندما يقول \" كنتم \" فالتفسير يقول \" أنتم \" ، وإذا كان فضّل بني إسرائيل على أناسي زمانهم فقد انحرفوا وزاغوا ، أّما هذه الأمة فلا تزال طائفة منها ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله .

@ بعيداً عن الشعارات التقليدية مع عدم إغفال الثابت قطعاً ، ما هي في نظرك آليات الإصلاح في العالم الإسلامي ومن أين تبدأ ؟

إذا أردنا أن نتحدث بشكل عفوي كما يقول الشاعر :

فهذه محاولات ضمن القنوات الممكنة ، في ظل أزمة حرية خانقة تغلف العالم ، تمثل لوناً الاختراق ونقطة للانطلاق في مواجهة التحديات ، فبالتالي لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو بشق تمرة ، فلعينا أن نعير الجهد الخالص الأهمية والعناية \" إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا \" فمعيارنا في الحكم على الأشياء ليس معيار آراء الرجال ، وإنما هو معيار الصدر الأول للمسلمين في أول هذا الدين وهم خير من أحيا في حياة البشر ما كان مع الرسل السابقين وأتباعهم ولا سيما المسيح وحوارييه فكان - عليه السلام – هكذا يخاطب أبناء زمانه وحوارييه وهذا أمر درجت عليه واتخذته منهاجاً للعمل التنويري منذ ربع قرن كامل مع مطلع القرن الخامس عشر للهجرة عنيت بالحكم والأمثال ، وشعاري هو طرائف الأمثال في مواجهة اليهود والدجال ! والدجال هنا يمثل الفتنة المادية التي تريد أن تصرف الناس عن العقيدة الصحيحة والخلق الكافي .

@من مِن المفكرين الإسلاميين المعاصرين في نظرك يمثل مرجعية ثقافية يمكن أن تتخذ أدبياته منهجاً لبعث قيم إصلاحية حركية ؟

@ في ظل الانفتاح العالمي ، وظهور مفهوم \" العولمة \" ، وهي مفردة تتردد كثيرا على الوسائط العربية والعالمية ، كيف يمكن التعامل مع هذه المفردة وهل تشكل نقطة مركزية لاختراق الخصوصية الثقافية للعرب أم أنها تساهم في إبراز الصوت العربي أمام الرأي العام العالمي ؟

@ لماذا هي مدانة وباطل ؟

@ إذن تتفق معي أنه يمكن التعامل معها بشكل عقلاني وواعي ؟

التعامل قائم نحن نتابعهم وهم كذلك ينصتون إلينا ونحن ننصت إليهم ، يراقبوننا ونراقبهم فالتعامل قائم شئنا أم أبينا ، ولكن من موقع الصراع والصدام لا من منطق الحوار ، لأن الحوار يتم مع الإنسان الذي يعترف بك أما الآخر فلا يعترف بنا !

@هل تعتقد بأن لدينا أسلحة الصراع – كما تسميه – أو هل نملك مقومات إحراز شيء في هذه المعركة ؟

قناعتي بأننا متفوقون ، لست مغروراً بما أنا عليه ، وكما يقول عمرو بن معد يكرب الزبيدي : كل امرئ يجري إلى يوم الجلاد بما أعدّ ، فنحن عندنا القرآن الكريم النص المعصوم ، الله أعطى البشرية التوراة والإنجيل وزاد على ذلك ربع يس ، فنحن عندنا في المجال العلمي العقائدي الأخلاقي الثقافي التشريعي التاريخي عندنا القرآن الكريم فمن أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن كما يقول النبي - عليه الصلاة والسلام – أي يقرؤه قراءة ثورية ميدانية حركية كما يقول محمد عمارة ، فهؤلاء مالذي يمتلكونه ؟

أنا أقرأ السياسة الأميركية برمتها من خلال بعض الأمثال الإنجليزية ، فلا يملك هذا الإمبراطور الراهب أن يخرج على بعض ما قام به أسلافه من قبل في مواجهة تحديات عصرهم ولكنه مغرور بما هو عليه في هذه المرحلة من وساوس ذاتية أو إيحاءات شيطانية .

@ هل ترى أن معطيات الآخر المادية يمكن أن تحسم الصراع لصالحه ؟

لا أبداً ، نحن نصرنا بالمدد ولم ننصر بالعدد كما يقول مفتي الجمهورية الجديد د. أحمد حسون في بعض أحاديثه ، نحن تعاملنا تعامل رباني مع الدين أما هؤلاء يقولون بأن الإسلام ليس بشيء أمام المسيحية لأن الإسلام يدفع أبناءه إلى القتل بينما المسيحية فبعث الله ولده – بزعمهم – بها إلى البشر ، هم يتصورون أن هذه الرومانسيات كما يفهمونها هي الصحيح وما عداها خطأ ويستعملون كلمة الإنجيل استعمالاً ادعائياً ، \"وكل من ليس معنا فهو علينا \" والدعاوى مالم يقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء ، وإلا كيف يستقيم لمسيحي أن يمشي في ركاب اليهود المخربين والمسلمون يحترمون المسيح والعذراء كل الاحترام ، وكان الشيخ أحمد كفتارو – رحمه الله – يقول : \" نحن مسيحيون أكثر من المسيحيين لأن سورة مريم تضم من التكريم لمريم ما لم تضمه الأناجيل جميعاً وموقف الإسلام من المسيحية في جوهرها موقف واضح يقول – عليه الصلاة والسلام – : \" أنا أولى الناس بعيسى بن مريم ليس بيني وبينه نبي \" والأنبياء إخوة أمهاتهم شتى ودينهم واحد نحن دين واحد إذن من منطلق قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون هذا هو الذي جاء به المسيح وموسى ، هذا دين الله الواحد وهذه هو جوهر الحضارة والقيم الإسلامية .

@ يقول سيد قطب في مقدمته لكتاب \" ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين \" للندوي ، يقول : من أسباب فشل الحضارة الغربية ، ويقيمها بأنها حضارة منقوصة ، أنها اتخذت من الجانب المادي منطلقاً وأهملت الجانب الروحاني ومالت إلى المحسوس ميلة واحدة ، هل ما نعاني منه حالياً هو نتيجة لممارسة معكوسة ؟

قطب عندما قال هذا الكلام كان ثمرة تجربة حقيقية عاناها عن كثب ، فعندما ظهرت بوادر الفكر الثوري عند سيد قطب في الساحة الدينية في مصر كان موظفاً في التربية والتعليم ، فهيأوا له فرصة الذهاب إلى أميركا وذهب وعاش أكثر من سنتين وعاد ليكتب \" أميركا التي رأيت \" عرف الحضارة عن كثب لا عن كتب ، فحكمه هذا كان ثمرة شهادة لهذا الواقع ، بل أكثر من هذا فــ محمد أسد المستشرق النمساوي من أصل يهودي - رحمه الله – يقول : \"ما أ شبه هذه الحضارة الغربية بالأعور الدجال ، لأنها تنظر بعين المادة عين البصر ، لا عين البصيرة \" ومن هنا أخذ القرضاوي عنه هذا الوصف قال : الحضارة الغربية حضارة عوراء \" دون أن نلغي أوصاف الدجال الرجل الأعور .. إلى ما هنالك ولكن إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز ، ففعلاً نحن نريد أن نعطي هذه الحضارة السند الروحي ، عبد الرحمن عزان – رحمه الله – أول أمين للجامعة العربية له كتاب نفيس اسمه الرسالة الخالدة كان مجموعة أحاديث في الإذاعة المصرية 1946 صدر في صورة كتاب ، يقول : \"ما أحوج الحضارة العالمية الراهنة إلى السند الروحي ورسالة محمد الخالدة هي التي تقدم السند الروحي\" ، وهذا هو الخيار الأفضل ، وكان هذا الأمر يمضي بطريقة مناسبة في الغرب وفي أوروبا وأميركا حتى في البلاد الشيوعية السابقة مع التغيرات الأخيرة ، ولكن هناك واقع جديد يملي علينا أن نلطف من حدّة الصراع ، يقول الله تعالى عن اليهود \" كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً \" فوراء الحروب والكروب ووراء الفساد الأخلاقي أيدي المخربين المفسدين في الأرض وهم اليهود أكثرهم لا أقول كلهم ، لذلك نحن نحاول أن نضع بإزاء هذا الخط الإفسادي خطنا الإصلاحي خط الهداية خط العدالة خط الإنسانية ، فالله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً للاقتصاد ولا جانياً لما يسمونه الإرهاب فنحن بحاجة لإعادة جلاء الديباجة الإسلامية في وضوحها وجلائها ، حتى صورة محمد – عليه الصلاة والسلام – مشوهة عند هؤلاء ، بل ويراد التعتيم عليها لتظل مشوّهة ولا يستطيعون ، فمحمد كما أخبرتك يقول أنا أولى الناس بعيسى بن مريم بل في أدبياته بشرى لنزول عيسى بن مريم ونزول المسيح يعني زيادة المحبة والحضارة والعدالة والإخاء .

@ لو انتقلنا إلى اصطلاح \"الإسلام السياسي\" كيف تقم أداء الأحزاب السياسية الإسلامية والحركات الراديكالية في العالم العربي والإسلامي ؟

في الواقع الإسلام دين ودولة أو بمعنى أدق عقيدة وشريعة ونظام وهو هداية روحية ونظام اجتماعي ، وإن كانت الأولوية للهداية الروحية بالأصل ، إلا أن النظام الاجتماعي يتناول الفروع أما الهداية فتتناول العقيدة ، وفي البدء كان القلب ، إن الهدية هي فكرة الأفكار ،

ويقول البوصيري : وإذا حلّت الهداية قلباً ...... نشطت في العبادة الأعضاء

فالعقيدة والعبادة هي مصدر السعادة والسيادة في الدنيا والآخرة ، ولكن هذا الدين فيه قانون شامل اجتماعي لا يمكن إغفاله لو أغفلناه لوقهنا في ازدواجية وانفصام ، فحواها أن العقيدة شيء والواقع شيء مغاير هذا لا يستقيم . فنحن نوفق بين الأمرين ولا سيما في مثل هذه الظروف فالأولوية للإسلام الثقافي ، لا السياسي ، لأن الإسلام السياسي قد يكون مفتونا بصيغة خاقان البرين والبحرين ( الخليفة ) ، أما الإسلام الثقافي فهو المفهوم الأعم والأشمل والشاعر القديم يقول :

إن الأكابر يحكمون على الورى ........وعلى الأكابر تحكم العلماء

فالقيادة الإيديولوجية والروحية والقيادة الثقافية أهم بكثير من القيادة السياسية ، ولكل دوره ومهمته ، و قناعتي هي أن القائد الفكري أهم من الزعيم السياسي بكثير ، فقد تكون سلطة الزعيم السياسي على ثوب الإنسان وبدنه وبالقوة ، أما السلطة الروحية والفكرية على قلب الإنسان وعلى روح الإنسان ، ومن هنا تأتي أهمية الشيخ والطريقة ، أهمية التصوف الإسلامي ، كتيار يوازي الإسلام السياسي وقد يفوقه أحياناً وليس في التصوف الإسلامي ما يمنع أصحابه من الجهاد في سبيل الله حتى القتال والكفاح المسلح إذا احتاج الظرف ، ولو رجعت إلى تاريخ عبد القادر الجزائري لوجدت أنه كان صوفياً عريقاً ومجاهداً كبيراً .

@ ماذا عن الحركات اليمينية الأصولية كالقاعدة ؟

هذا الأمر لا يعنيني كثيراً ، إنما أذكر من باب المعلومة عن القاعدة ، أسامة بن لادن شاب سلفي تقليدي جاءه أيمن الظواهري المتأثر بتيارات الدعوة الإسلامية في مصر من إخوان مسلمين وغيرهم ، فطوّر الظواهري وعيه باتجاه وعي سياسي ما ، ولا سيما في مواجهة الهيمنة الأمريكية والصهيونية العالمية ، فمن هنا كان التأثير عليه وكلمة القاعدة هذه التي شاعت إنما مصدرها الأساسي هو سيد قطب في كتاب معالم في الطريق ، إذ يقول : \" لا بد من قاعدة واعية صلبة ، ولا بد من بعث إسلامي ولا بد بهذا البعث من طليعة \" فكانت الفكرة أصل إعادة الحركة الإسلامية بتنظيم جديد ، وهذا ما بذل سيد قطب حياته بسببه رحمه الله . فهؤلاء حاولوا في ضوء أفكارهم أن يقيموا هذا التنظيم ، أما ممارسات هذا التنظيم فلا تعنيني بالمرة ، فالجانب الفكري أقول شأنه شأن أي مثقف من أبناء المسلمين يتعامل مع أفكار زمانه والالتزام بالإسلام مفخرة وليست عيباً وإن أخطأ أبناؤها .

@ هل تصنّفه بأنه العالم العامل ؟

لم أطلع على الكثير من أدبياتهم ، ولو كان لدي وسيلة اتصال كالانترنت أو اطّلاع موسع على بياناتهم وكتبهم لأبديت جواب أفضل من هذا ، أنا لا أعرف بالضبط ماذا يريدون وإنما أقرأ ما يقوله خصومهم عنهم ، وآخذ بعض المعلومات التي تشير إليهم .

@ الإخوان المسلمون كحزب سياسي كيف تقيم تعاطيهم للسياسة في هذه المرحلة ؟

الإخوان المسلمون في جوهر الدعوة ، خير من كتب عنهم هو المفكر الفلسطيني اسحق موسى الحسيني من أسرة مجاهدين من القدس ، كتب عنهم بالإنجليزية كتاباً ترجم إلى العربية هو \" الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة \" هذا الكتاب وإن انتقدهم فيه في بعض المواضيع هو خير من عرّف بهم لأنك لو وضعت هذا الكتاب إزاء كتاب آخر صدر بعنوان \" نشأة مشبوهة وتاريخ أسود \" لوجدت أن المعلومات لم تكن دقيقة أبداً ، فعندما يحدثك عن كلية الشريعة في الثلاثينيات فهذا يخالف الواقع التاريخي ، فكلية الشريعة في سوريا قامت عام 1954 ، الذي يحدثك على أن المودودي كان عضواً في الإخوان المسلمين في مصر هذا يخلط في الحقائق التاريخية ، فمن هنا كتاب اسحق موسى الحسيني وهو ينتقدهم مع شيء من التعاطف وأنا في شبابي انتفعت بهذا الكتاب وهو الآن شبه مفقود وله في الأصل طبعة إنجليزية معبرة .

@ ماذا عن الممارسة الساسية للإخوان ؟

لا تعنيني ، مامضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها ، نحن نتلقّى هذا الواقع من خلال صرّح فلان المرشد العام .. وإلى ماهنالك ، أما أنا فمشدود إلى الأدبيات والتراث أملك أن أقول لك أنا ملكي أكثر من الملك أعرف عن أفكارهم أكثر مما يعرفون ولست ومنهم ، وقالها أحدهم قال: إن هذا الغزيّل ليس جديراً بأن يكون في صفوف الإخوان المسلمين ، فقلت له والله أصبت صفتي الأساسية ، أنا قراري المستقل يملي عليّ ألا أخضع لتبعية لأحد ولكن هذا لا يعفيني من الإنصاف مع الأعداء كيف مع الأصدقاء ؟!

يقول القرآن \" ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى \" ،

@ حزب التحرير الإسلامي ؟

هو حزب التحرير ليس التحرير الإسلامي ، (الإسلامي) صفة جاءت من الآخرين ، هو يقول حزب سياسي مبدؤه الإسلام ، وبياناتهم موقعة دائما بــ \" حزب التحرير \" لا يضيفون كلمة (إسلامي) وأنا اطلعت على بعض بياناتهم ولا علاقة لي بهم ولقد وجدت يوماً من يتهمني بالانتماء لهذا الحزب ، المهم هناك كتاب أظن أنه للجهني أمين رابطة الشباب المسلم العالمية - رحمه الله – موسوعة الأديان والمذاهب يؤرخ فيه لكل الدعوات وبنوع من الإنصاف ، تحدث عنهم فيه ، فهؤلاء بدؤا بداية معينة غلّبت الجانب السياسي ، ثم انتهت إلى التحجر على بعض المصطلحات على بعيداً عن الواقع ، فأصبحت كلمة الخلافة كأنها نوع من الوثنية الفكرية ، كأنه يتصور أن حل قضايا العالم مرهونة بما يسميه الخلافة ، نحن نؤمن أن خلافة الرسول قائمة بمعنى أنه ينبغي أن يكون للمسلمين خليفة ولكن هذا لا يعني الوقوف عند هذه النقطة ، فنحن في أشراط الساعة ، فالعودة إلى النبع المباشر إلى القرآن والسنّة الصحيحة يبتعد بالإنسان عن لغة الصحف والجرائد والتحليلات السياسية وآراء الرجال ، ولكن أنا أعتبرهم فصيلاً إسلامياً ، وإن خالفتهم الرأي ومنهم مخلصون ومنهم موهوبون ومنهم من ضحوا وبذلوا ، وأنا أشكر القيادة السورية التي أفرجت عن بعض شبابهم في المدة الأخيرة لأن وجودهم في فضاء من الحرية على علاتهم يتيح لهم أن يقدموا لوطنهم أكثر منهم لو عاشوا في سراديب السجون ، ولكن أنا أقرب في أدبياتي إلى الاعتدال الوسطي إلى الاخوان المسلمين أو من كان منهم مثل القرضاوي الذي استقبله الرئيس الأسد منذ أسابيع ونوه بجهده الانفتاحي في تعزيز الخطاب الديني المعتدل الصحيح .

@ حزب الله اللبناني ؟

أيضاً فصيل إسلامي وحزب الله منطلقه ديني في الأصل ، صحيح لا يبالغ في أمر الخلافة على نحو التحريريون ولكنه شيعي في منبته والإمامة عند الشيعة أمر أساسي ولكنهم طوروا خطابهم في ضوء الواقع الوطني الذي يواجهه لبنان ، وخاصة عندما سلكوا طريق المقاومة الباسلة وأفلحوا بتحقيق بعض الأهداف وكان لهم دور في تعزيز العاطفة الدينية بين أبناء المسلمين جميعاً من سنة وشيعة ، عندما يرى الطفل المسلم والشاب المسلم العالم الديني مثل حسن نصر الله أو حسين فضل الله يقوم بدور السياسي أو المحاور أو المناور فهذا يضيف إلى الدين رصيداً إيجابياً ، وكما قلت لك نتفق ونتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه ، وهي قضايا تاريخية ليست مثارة ، تلك أمة قد خلت فأنا لست مع طرح سني أو شيعي ، ولكنه واقع لا أهمله ، وأنا أقول لا سنة بلا شيعة بمعنى أن التعاون بين السني والشيعي تحت لواء الإسلام هو الموقف الصحيح .

منبج / تموز / 2005