عندما يذبل الياسمين !

clip_image002_fb747.jpg 

في مطلع القرن الحادي والعشرين، و إبان تسليم سورية لبشار الأسد، و فورة المنتديات السياسية، و هامش حرية التعبير النادر الذي منحه الوريث بشار للإعلام الخاص، شغلت صحيفة الدومري الشارع السوري بعناوينها ومواضيعها الإنتحارية فمن الطبيب السوري الذي ترك مهنته ليعمل بائع خضروات وفواكه في سوق الهال لأن دخله محدود، للاستطلاع الشهير الذي أظهر رغبة غالبية السوريين بالهجرة من الوطن لأسباب اقتصادية و سياسية، للكاريكاتير الشهير للنظام العسكري الأمني القمعي، والذي تسبب بتحطيم أصابع الرسام السوري العالمي ” علي فرزات ” و غيرها الكثير من العناوين المجنونة في ظل حكم عسكري وقبضة أمنية طائفية .

لتأتي جارتي ” أم علي ” في عام 2011 لتختصر المشهد كاملاً حين سألتها ساخراً :

( شو يا أم علي ؟

هاي تونس و ليبيا و مصر ثاروا، ليش نحنا ساكتين ؟

فأجابتني مع ضحكة لئيمة وهي تمجّ من لفافة الحمراء الطويلة بشراهة إيييه طول بالك !

هلق عم نتفرج، وبس يخلصوا هدول، حنبلش نحنا وحنصير فرجة لكل العالم! )

شخصياً كنت أنتظر هذه الإجابة، و ربما سأصاب بالذهول لو فاجأتني بغيرها !!

لم تمر حادثة اصطدام ” ابراهيم حديد ” مع نظام البعث و استبداد الضباط الطائفيين مرور الكرام، ولم تطوِ الذاكرة حادثة اقتحام المدرعات لصحن الجامع الأموي آنذاك، وحفرت أحداث حماة في مطلع الثمانينات ندوباً مؤلمة في الجسد السوري، وكان لها ارتدادات دموية في ريف إدلب و حلب ودمشق وحمص و ديرالزور و الرقة وسجن تدمر الشهير !!

ولم ينس السوريون لبوات ” رفعت الأسد ” الشبيبيات المظليات اللاتي انتشرن في ساحات دمشق كالجراد في ثمانينات القرن الماضي، و تهجمهن على النساء وانتزاعهن للحجاب وإجبارهن على السفور، تحت مرأى وحماية نظام البعث الأقلوي !

ولم يكن الوعي السني السوري على مدى أربعين عاماً غافلاً عن تعيين أساتذة من طوائف مختلفة(غير سنية) و ( أحياناً ) غير مسلمة لتدريس مادة التربية الإسلامية، ليترك هذا الإجراء ندوباً أكثر عمقاً و إيلاماً في جسد و وعي غالبية السوريين !

و كيف لي أن أنسى في المرحلة الثانوية مطلع التسعينات إحدى حصص التربية الإسلامية، التي تحولت لشرح فوائد الخمر بإسلوب لم يخلُ من تعمد الاستفزاز ، و محاولة كشف المعترضين للإيقاع بهم بحجة التشدد !!

و دندنة مدرس التربية الإسلامية والذي ينتمي لإحدى الأقليات في سورية، بأغنية صباح فخري :

هات كاس الراح و اسقني الأقداح !!

في ظلّ عملية الهدم الممنهج لأخلاقيات المجتمع، غفلنا عن التأثيرات التي ستظهر لنا لاحقاً، ولم ننتبه لها إلا بعد اندلاع الثورة السورية أوائل عام 2011 !

‏قبل الثورة كُنّا نعرف حقيقة النصيرية والروافض جيداً وكُنّا مصيبين في حكمنا عليهم.

ولكن ماغاب عنا حقيقة (غالبية) المحسوبين على ( السنة )!!

واتضح أنهم لايختلفون عن النظام النصيري وحلفه الطائفي ، قلة دين وأخلاق منحطة وتبعية دنيوية ورياء مقرف!!

وإن غابت التقوى فالنصر للأقوى، أمة كغثاء السيل !!

‏فمنهم من خرج ينادي بالحرية وهو كاذب !

ومنهم من خرج ينادي بنصرة الدين وهو مرائي !

فأوتينا من ظهورنا وتوجر بنا، وطفت على السطح عصبيات فصائلية ومشاريع ضيقة وسادت القاعدة المقيتة الميكيافيلية:

‎(الغاية تبرر الوسيلة)

قاعدة المجرمين و قُطاع الطرق، وكان الثمن أن دفع ‎السنة الثمن غاليا.

‏كل من يظن أنه ستقوم قائمة للمتاجرين بالثورة والدين" كفصائل الدولار والجماعات المنسوبة للإسلام أو كداعش"  فهو مخطيء، والذي سيحدث والله أعلم، أنهم سيُستبدلون بقوم يحبون الله ويحبهم صادقين تُقاة، وريثما يحدث هذا سيتجرع السنة كؤوس الذل والهوان نتيجة لأنانية من سبقوا وأخطائهم وانحرافهم.

هكذا ذَبُل الياسمين، وعلينا أن ننتظر ربيعاً آخر قد يطول انتظاره ولله الأمر من قبل و من بعد !!

وسوم: العدد 773