دستور يا حاضرين

معاذ عبد الرحمن الدرويش

 “دستور يا حاضرين”، في قديم الزمان كان أجدادنا إذا أرادوا أن يشقوا طريقهم في أماكن يظنون أنها مسكونة بالجان، كانوا يستخدمون هذا التعبير، لكي يفتحوا لأنفسهم طريقاً من دون أن يؤذوا أحد المغفلين أو الغافلين ـ من الجان ـ على قارعة الطريق، وفي حال حصل إيذاء فإن هذه الجملة كفيلة للإنسان بالبراءة من أي جرم ارتكبه بقصد أو بدون قصد.

باختصار هذا هو دستور الحياة ما بين الإنس و الجان في قديم الزمان، واليوم نحن بصفتنا سوريين نقول “دستور يا حاضرين”. نريد أن نشق طريق حياتنا في أمن و سلام، نحن نريد أن نؤمن طريقنا وطريق أجيالنا من أذى الجان والشياطين التي تحتل البلاد بطولها وعرضها.

من قال لكم إننا لا نريد دستوراً جديداً للبلاد؟ نحن الذين نطالب بدستور جديد للبلاد، لكن على أن تكون أولى بنوده أن تحاكم الشياطين التي قتلت أهلنا وأرعبت أطفالنا على مدى ما يقارب ثمان سنوات، و ثاني بنوده أن يحكمنا شخص من بني جلدتنا، طبعاً ليس المقصود أن ينتمي إلى ملة أو طائفة معينة، المهم أن يكون بني آدم و لا يمت للجان والشياطين بأي صلة.

و إذا كانت شياطين الجن تحترم الأقوال وتخضع للدساتير وتحترم المواثيق، فالشياطين التي عندنا لا تفهم بلغة الكلمة ولا تعترف بدساتير أو بقوانين، وليس لها عهد أو ذمة.

فثورتنا لم تخرج لكي نحصل على دستور ورقي لا يسمن من جوع و لا يغني عن موت ، لأن أي دستور سيوضع بوجود الشيطان كما يقول المثل “علينا أن نبله و نشرب ميته”، وإنما خرجت ثورتنا للقضاء على الشيطان نفسه.

دستور سوريا الجديد لا يكتب بالحبر، و إنما يكتب بدماء أكثر من نصف مليون شهيد. دستور سوريا الجديد لا يكتب على الورق وإنما يكتب على جباه أكثر من نصف مليون معتقل في غياهب السجون الأسدية. دستور سوريا الجديد لن يطوى في سجلات الدوائر والمحاكم، وإنما سيبقى مفتوحاً فوق ركام نصف سوريا المدمرة.

دستور سوريا الجديد مرهم لأكثر من مليون إنسان جريح وعاجز، فقد إحدى أطرافه أو عُطِبَ جزء من جسده. دستور سوريا الجديد ليس كتاباً أو دفتراً وإنما سقف لملايين السوريين الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في الصيف والشتاء سنوات وسنوات. دستور سوريا الجديد وطن بعد أن أصبح الوطن غربة وصارت الغربة وطناً لأكثر من نصف السوريين.

وسوم: العدد 812