الرمزية في شجاعة الشهيد عمر أبو ليلى

في كل العالم ، وفي إسرائيل ذاتها ، إعجاب وذهول من الشجاعة التي انجلت شمسا ساطعة مبهرة في مهاجمة الشهيد عمر أبو ليلى لمجموعة من الجنود والمستوطنين الإسرائيليين في مفترق مستوطنة أرئيل قرب نابلس ، وقتل جنديين ومستوطن ، ويقابل هذا الإعجاب والذهول استغراب وذهول من وفرة جبن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين . وفي إسرائيل  شعور كاسح بالخزي والاكتئاب من هذا الجبن الذي جَهِدَ الإسرائيليون في حروبهم مع العرب لإخفائه ، وأعانتهم انتصاراتهم التي نالوها في ظروف ملائمة لهم ، وعديمة الملاءمة للعرب في هذا الإخفاء ،مع أنه حتى في تلك الحروب بان من جبن الجندي الإسرائيلي وسرعة الهلع إليه ما يكفي للتأكد والاستخلاص أن الجبن في نفوس الإسرائيليين فطرة متغورة مستحكمة ، وبان من شجاعة الجنود العرب الفردية في تلك الحرب ما يكفي للتأكد والاستخلاص أن الشجاعة غريزة متغورة مستحكمة في النفس العربية ، وفي حرب أكتوبر 1974 دمر الجندي المصري محمد عبد العاطي _ رحمه الله _ بين يومي 8  و10 أكتوبر 27 دبابة ومجنزرة إسرائيلية بصواريخ مضاد ة للدروع . مستوطن إسرائيلي وصف عمر برامبو ، وفورا  صار وصفه وسما اتسع انتشاره . وعزز الإسرائيليون الدلالة على عمق جبنهم حين قصدوا الأماكن المحتمل  وجود عمر فيها بالطائرات والعربات العسكرية وآلاف الجنود ، وعندما عثروا على مخبئه في قرية عبوين شمالي رام الله أطلقوا عليه صواريخ مضادة للدروع ، وتواصلت تعريتهم ذاتيا لجبنهم ، فأرسلوا إليه كلبا يحمل آلة تصوير للتوكد من قتله . ولن يُعلي قتله  معنويات الإسرائيليين المتردية المنخذلة ، ومن يتفحص حقائق الصراع بيننا وبينهم يعلم أنهم لا موازنة بينهم وبين الفلسطيني في شجاعة القلب ، وعمليات لا عد لها قبل عملية عمر صنعت هذه الحقيقة ، وكثير منها محفوظ في صور أو فيديوهات شوهدت  سابقا ، ويمكن مشاهدتها  تاليا في أي وقت ، وزخرت الانتفاضة الأولى والثانية بالرائع الوفير  من هذه الصور في بعديها ، بعد الشجاعة الفلسطينية النادرة ، وبعد الجبن الإسرائيلي النادر .ويؤلمنا عميقا كون كثير من صور الشجاعة الفلسطينية ، خاصة في الانتفاضة الأولى ، لم يرصد ولم يحفظ . إذن لماذا نتقهقر في قضيتنا العادلة ويتقدمون في باطلهم ليقتربوا الآن ،  مثلما يحلمون ، معززين بثقل أميركا والعمالة العربية ، من قتلها ؟! الأسباب متعددة ، وكلها كبيرة فاعلة ، فالصراع الآن في صورته الحربية بين الدول لا يعتمد كثيرا على الشجاعة الفردية مثلما كان في صراعات وحروب القديم حين كان السلاح فرديا ، سيفا ورمحا وقوس رماية وسواها . مع تطور السلاح عصريا يستطيع أي جبان أو حتى مجنون أن يقتل الآلاف أو الملايين . ولئن كانت الشجاعة والجبن صفتين فطريتين في النفس فثمة معينات خارجية تفضي إلى ازدهارهما وتوهجهما أو ذبولهما وخمودهما ، ومن هذه المعينات عدالة القضية أو باطلها . وفي الحالة الفلسطينية ، كل فلسطيني يؤمن إيمانا مترسخا في كل خلجة شعور ، وفي كل قطرة دم ، وفي كل نسمة نفَس ، أن هذه الأرض أرضه ، وأن لحمه من ترابها ، وأكثر الإسرائيليين ، وإن أنكروا وخادعوا  أنفسهم ، يتغور في أعماقهم هاجس موار بأنهم مهاجرون إلى هذه الأرض ، غرباء فيها ، ويتعرى هذا الهاجس جليا حين تمسهم وخزة خوف أو هبة خطر ، فيلوذ ساكنو الحدود بالداخل ، ويلوذ بعض الإسرائيليين بالهجرة إلى الخارج . وتحارب إسرائيل الشجاعة الفلسطينية فتصفها بالإرهاب ، وتناصرها في هذا الوصف أميركا ، والمخزي ، يناصرها فيه نفايات من العرب ، ولا يخجل بعض هذه النفايات من المباهاة بأنه في خندق واحد مع إسرائيل في محاربة " الإرهاب الفلسطيني " . والتزامنا وطنيا وأخلاقيا أن نعظم هذه الشجاعة الفريدة ، ونقتدي بها في كل تبديات قولنا وسلوكنا . شجاعة أن نقول للمسيء إنه مسيء مهما كانت قرابتنا منه أو علاقتنا به ، وشجاعة أن تكون جادا في عملك ، صادقا في حبك لتأديته في أكمل حالة ، وشجاعة أن تحب وطنك وأسرتك ، وشجاعة أن تتواضع ، وشجاعة أن تقر بخطئك أو تقصيرك ، فالفضائل كلها من شجرة واحدة طيبة ، والرذائل كلها من شجرة واحدة خبيثة . وما أقل ان نعظم هذه الشجاعة ! ، وما أقل أن نقتدي بها ! وشعب أنبت الشهداء الشجعان عمر أبو ليلى ، وأحمد جرار ، وأشرف نعالوة ، وصالح البرغوثي ، وباسل الأعرج ، وهم أحدث النجوم الزهر في سفر الشجاعة الفلسطينية الكثير الصفحات ، سيكون له النصر في النهاية في أرضه ووطنه ، ودائما أخر هذا النصر غيبة قيادة صالحة لهذا الشعب ترتقي إلى شيء من شجاعته وصدقه في التضحية ، وهذه ظاهرة عربية عامة ، ويقترب من الدلالة على هذه الظاهرة المأساوية قول سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان المصري الأسبق : " السياسة العربية جنت على العسكرية العربية ".

وسوم: العدد 817