التمييز في مكان العمل سلسلة التمييز بين البشر (7)

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

 عرّفت المادّة السادسة من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية حق العمل بأنه (إمكانية كسب الإنسان رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية)، والحقّ في العمل ضروري لإعمال حقوق أخرى من حقوق الإنسان، وهو جزء لا يتجزأ من كرامة الإنسان.

 ويقرّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأنّ (كلّ فرد يملك الحق في العمل، وفي حرية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومواتية، وفي الحماية من البطالة)، كما نصّ على الحق في العمل كحق من حقوق الإنسان في العديد من الصكوك القانونية الدولية والإقليمية والوطنية.

 مع ذلك، يرى المختصون في مجال حقوق الإنسان أن مكان العمل هو البيئة الأكثر استعمالا للتمييز بين البشر، ويعني التمييز في مكان العمل هو (التعامل المختلف مع شخص ما على أسس غير مهنية، سواء في شروط قبول العمل، أو في اثناء القيام بالعمل، أو بعد انتهاءه)، حيث يصب التمييز في مكان العمل-في العادة -فئات اجتماعية محددة؛ لأسباب تتعلق بطبيعة الأشخاص المنتسبين إلى تلك الفئات.

 قد يُصيب التمييز في المكان العمل النساء؛ حيث تستمر النساء في المعاناة من التمييز في جميع جوانب العمل تقريبا، بما في ذلك الوظائف التي يمكن أن يحصلن عليها وأجورهن والاعانات وظروف العمل، وإمكانية وصولهن إلى مناصب صنع القرارات. وبينت الأبحاث أن الثغرات في الأجور بين الجنسين والفصل المهني والعمودي، والصعوبات في إيجاد توازن بين العمل والحياة الاسرية، وتركيز النساء على نحو غير متناسب في العمل بعض الوقت، والعمل الهش والعمل في الاقتصاد غير المنظم، والتحرش الجنسي، والتمييز القائم على الامومية أو الوضع الزوجي، كلها عوامل تمييزية ضد المرأة مازالت موجودة بالرغم من المبادرات التشريعية والسياسية العديدة.

 وعلى هذا الأساس، يظهر تقرير (المساواة بين الجنسين في مكان العمل) لمجموعة البنك الدولي أن المرأة في مختلف أنحاء العالم مازالت تواجه فجوات هائلة ومستمرة بين الجنسين في مكان العمل، ويدعو إلى اتخاذ إجراءات جريئة ومبتكرة لإتاحة فرص متكافئة أمام الجميع وإطلاق العنان للقدرات الاقتصادية للمرأة.

 ويؤكد تقرير أنه بكل المقاييس العالمية تقريبا فإن المرأة هي الأكثر تعرضا للإقصاء الاقتصادي من الرجل. وتشير التوجهات إلى أن مشاركة المرأة في القوى العاملة أصابها الركود في مختلف أنحاء العالم على مدى الثلاثين عاما الماضية، حيث انخفضت عالميا من 57 في المائة إلى 55 في المائة، رغم تراكم الأدلة على أن الوظيفة تفيد المرأة والأسرة وأنشطة الأعمال والمجتمعات المحلية، حسبما يفيد التقرير.

 بحسب منظمة العمل الدولية (تشــير المؤشــرات الاقتصادية إلــى أنــه مــن بيــن أكثــر مــن عشــر دول تظهــر فيهــا أعلــى مســتويات مــن الفجــوة فـي العمـل بيـن الرجـل والمـرأة، نجـد 6 دول عربيـة وهـى قطـر ومصـر والعـراق والأمارات والمغـرب والمملكـة العربيـة السـعودية، حيـث تحتـل الأخيرة المرتبـة الأولى مـن حيـث الفجـوة فـي العمـل بيـن الرجـل والمـرأة. وهنـاك 4 عوامـل أساسـية تحـول دون تحقيـق المسـاواة بيـن الرجـل والمـرأة فـي مختلـف أشـكال العمـل، وكل مسـتويات التنميـة، وهـي تشـمل: العـادات الاجتماعية الرجعيـة، والتمييـز فـي القوانيـن ضـد المـرأة، وعـدم وجـود حمايـة قانونيــة للمــرأة، والفجــوة بيــن الرجــل والمــرأة فــي مجــال العمــل غيــر المدفــوع الأجر فــي المنــزل والخدمــة بالمنــزل، بالإضافة إلـى عـدم وجـود مسـاواة فـي تملـك الأصول، سـواء كانـت ماليـة رقميـة أو عقاريـة)

 وقد يحدث التمييز في مكان العمل على أساس السن، حيث إن الشيخوخة هي إحدى الوسائل التي يحرم كبار السن بواسطتها من حقوق الإنسان، أو تُنتهك عن طريقها تلك الحقوق. ويحدث أن تتحول الصور النمطية السلبية لكبار السن وإساءة معاملتهم إلى قلة اهتمام المجتمع بهم، بما في ذلك خطر التهميش، والحرمان من تساوي الفرص، ومن الموارد، ومن الاستحقاقات.

 وحيث إنه ينبغي تمكيــن كبــــار السن من مواصلــــة العمــــل المــــدر للدخــــل ما أرادوا وما استطاعوا ذلك بصورة منتجة، غير أن البطالة والعمالة الناقصة والقيود الصارمة في أسواق العمل عادة ما تحول دون ذلك، مما يضيق الفرص المتاحة أمام الأفراد ويحرمون المجتمع من طاقاتهم ومهاراتهم، إلا أن بعض الدول مثل هولندا نجحت في الحد من التمييز في الوظائف على أساس السن من خلال حرصها بشكل استباقي على تمحيص الإعلانات المنشورة عن الوظائف الشاغرة منعاً للتمييز في شغلها على أساس السن.

 وقد يحدث التمييز في مكان العمل ضد الأشخاص المعاقين،

 ويعني التمييز على أساس الإعاقة بحسب ما عرفته المادة الثانية من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بأنّه (أي تمييز أو استبعاد أو تقييد على أساس الإعاقة يكون غرضه أو أثره إضعاف أو إحباط الاعتراف بكافة حقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة مع الآخرين، في الميادين السياسيّة أو الاقتصاديّة أو الاجتماعيّة أو الثقافيّة أو المدنيّة أو أي ميدان آخر. ويشمل جميع أشكال التمييز بما في ذلك الحرمان من ترتيبات تيسيريّة معقولة)

 ويتراوح التمييز المرتبط بالعمل ضد الأشخاص المعوقين بين الحصول المحدود على التعليم والتدريب والتأهيل المهنيين وبين الاختلافات الجلية في الأجور بين العمال المعوقين وباقي القوى العاملة، إلى جانب الاستبعاد من وظائف بعينها. حيث إن حوالي ١٠ في المائة من سكان العالم، أو قرابة ٦٥٠ مليون شخص، يعانون من شكل من أشكال الإعاقة الجسدية أو الحسية أو الفكرية أو الذهنية، وأكثر من ٤٧٠ مليون شخص منهم في سن العمل.

 وتشير الإحصاءات المتاحة إلى أنّ معدل الاستخدام بين هؤلاء الأشخاص متدنٍ مقارنة بالأشخاص غير المعوقين. وتقدر الأمم المتحدة بأنّ ٨٠ في المائة من الأشخاص المعوقين في البلدان النامية يعيشون في الفقر، والكثيرون منهم في المناطق الريفية. ووفقاً للبنك الدولي، يعاني ٢٠ في المائة من فقراء العالم من شكل من أشكال الإعاقة. ومن بين الخطوات المهمة التي اتُخذت في مجال إنفاذ تشريع بشأن الإعاقة، دخول اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الصادرة عن الأمم المتحدة، حيّز النفاذ في ٢٠٠٨.

 وقد يصيب التمييز في مكان العمل الأشخاص على أساس ديني أو مذهبي، وهو التمييز الذي يمارس ضد العاملين على اعتبارات الانتماء الديني أو المذهبي، فمع زيادة ملحوظة في ممارسة التمييز الديني والمذهبي في العديد من البلدان نتيجة الصراعات الدينية والمذهبية في العصر الحديث، فان التمييز الديني في العمل والاستخدام قد ازداد أيضا.

 وقد يحدث التمييز في مكان العمل للأشخاص على أساس الآراء السياسية، حيث يمكن أن يكون الولاء لسياسات السلطات الحاكمة عاملاً في الحصول على الوظائف. وفي بعض البلدان، تتطلب التشريعات أن يفي المتقدمون للوظائف ببعض الاشتراطات السياسية للتمكن من الحصول على وظائف في الخدمة العامة. ناهيك عن أن بعض الأحزاب السياسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالهوية الإثنية أو اللغوية أو الدينية. وفي مثل هذه الحالات، قد يتزامن أي تمييز قائم على الرأي السياسي مع التمييز القائم على أسباب أخرى.

 ويحث التمييز في مكان العمل بشكل واضح وجلي على أساس المواطنة، حيث يقع العمال المهاجرون ضحية لهذا النوع من التمييز في مكان العمل. إذ يشكل العمال المهاجرون في بلدان عديدة نسبة ٨ إلى ٢٠ في المائة من القوى العاملة، وفي بعض الأقاليم قد تكون هذه الأرقام أعلى بكثير.

 وتظهر البحوث أنّ العمال لا ينفكون يواجهون تمييزاً مستمراً وواسع النطاق في الحصول على الوظائف، والكثيرون منهم يواجهون التمييز عند استخدامهم. كما تأثر العمال المهاجرون على وجه التحديد، بالأزمة الاقتصادية مع تدني فرص العمل والهجرة وزيادة كراهية الأجانب، وتردي ظروف العمل وحتى ظهور العنف، ويواجه المهاجرون ظروف عمل غير منصفة في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء.

 وتستبعد بعض البلدان العمال المهاجرين من برامج التأمين الاجتماعي، وتسمح بلدان أخرى للمهاجرين ببرامج قصيرة الأجل، مثل الرعاية الصحية، لكنها تحرمهم من الإعانات القابلة للنقل على الأجل الطويل من قبيل المعاشات التقاعدية. وقد تسمح البلدان أيضاً الحصول على إعانات طويلة الأجل دون أن تسمح بإمكانية نقلها بين البلدان مما يثبط بدوره عودة المهاجرين.

 في الواقع، إن القول إن مبدأ المساواة وعدم التمييز في مكان العمل على أساس الجنس أو السن أو الإعاقة أو التوجه الديني أو السياسي أو المواطنة وغيرها، لا يعني إطلاقا تطبيق نظام واحد على جميع العاملين بغض النظر عن طاقاتهم ومعارفهم ومهاراتهم وأوقاتهم وغيرها من معايير العمل الموضوعية التي ينبغي على أساسها التفريق بين هذا العامل وذلك العامل، فليس من المعقول أن نساوي في الاجر بين العامل الماهر وغير الماهر. وليس من المعقول أن نساوي في الاجر بين من يعمل بنصف دوام وبين من يعمل بدوام كامل. وليس من المعقول أن نساوي في الضمانات بين من يعمل في حقل خطر على الحياة، وبين آخر يعمل في مكان مكتبي على سبيل المثال.

نخلص مما تقدم إلى ما يأتي:

1. إن العمل حق من حقوق الإنسان، بل هو حقي جوهري لا ينبغي التفريط به من أجل حياة الناس وكرامتهم.

2. لا يجوز التفرقة والتمييز في مكان العمل بين العمال على أسس غير مهنية وغير موضوعية، لاسيما على أساس الجنس، أو السن، أو العوق، أو الانتماء الديني، أو الرأي السياسي، أو المواطنة، أو أي أساس آخر ليس موضوعيا.

3. لابد من اعتماد تدابير إيجابية فعّالة لزيادة فرص العمل للأشخاص المحتملين للتمييز في مكان العمل في القطاعين العام والخاص، من خلال تعزيز برامج العمل الحر غير التمييزية، ومساعدة مؤسسات التدريب والتعليم المهني والفني لإزالة القوالب النمطية عن تلك الفئات المستهدفة.

4. إن على أصحاب العمل، ومنظمات العمال والموظفين المعنيين بالموارد البشرية أن يولوا اهتماما أكبر للممارسات الناشئة في أماكن العمل، المحلية منها والدولية، التي من شأنها أن تعزز فرص العمل اللائقة إمام الفئات الاجتماعية المعرضة للتمييز في مكان العمل.

5. إن تعزيز اسـتخدام تكنولوجيـا المعلومـات والاتصالات من شأنه أن يحفـز الشرائح الاجتماعية مثل النساء وكبار السن والمعاقين على التواصل مع مراكز العمل لاكتساب المهارات والمعارف، واسـتحداث فـرص عمـل جديدة.

وسوم: العدد 834