الرؤية المغيبة وحقيقة ما يحدث في تونس من صراعات وتباينات (1من3)

يتساءل كثير من المراقبين للأوضاع في تونس مثلما يتساءل المواطنين بما فيهم الشباب المثقف وبعض النخب، ماذا يحدث في تونس تحديدا وخاصة خلال السنتين الماضيتين وهو سؤال مشروع وطبيعي طرحه في ظل تعدد القراءات والرؤى وتسرع الأحداث محليا وإقليميا ودوليا، وتعدد القراءات والإجابات فيظل أجواء الحرية التي اتت بها ثورة 14 جانفي 2011 بعد أن كلن الجميع لا يسمع ولا يرى سوى قراءة واحدة ذات بعد فرعوني تنزيلي ومؤطرة بتأثيث نخبوي في اتجاه واحد وطرح إعلامي تطبيلي بنسقية خادمة للحاشية العائلية والحزبية والاستشارية؟

الحلقة الأولى : قراءة تشخيصية لما يحدث في تونس وإسقاطات الراهن الدولي والإقليمي؟

أ- لا خلاف في أن تونس وطبيعة موقعها الجغراسياسي في المتوسط وفي شمال القارة الإفريقية وأحد دول المغرب العربي الكبير جعلها رهان القوى الدولية والمحاور الإقليمية وهذه الأخيرة تم إعادة تشكيلها كما تحولت منذ بداية العقد الحالي إلى مجرد أذرع خادمة للقوى الدولية عبر القيام بمهام وظيفية مسطرة ضمن استراتجيات وخطط بعيدة المدى بل أن بعضهما أصبحا ملحق موضوعيا بمحافل وركب وممثليات شركات كبرى وعابرة للقارات، وقد حرصت تلك الأطراف أن تواصل منهجها التوظيفي لتونس وسياسييها بنفس المنطق القديم والمعتمد طوال العقود الست الماضية حيث كانت تسميها وتعتبرها “أرض رخوة” تخترق بها خصم محدد دوليا كان أو إقليميا (لعل المثال الأبرز هو أن أول سفير عراقي استقطبه الغرب وجندته بعض دول غربية هو السفير العراقي في تونس)…

ب- تونس مثلها مثل لبنان مثلت مطمح سياسي نموذج ورافعة ترانزيت في ذهنية بعض الدول الغربية والخليجية خاصة، حتى أن بعض الدول اعتمدت في دعم أحزاب سياسية وتيارات فكرية وفروع منظمات بعينها لخدمة أهدافها ومراميها وفي مناكفة الدول الخصمة لها:

ظهور فروع لكل أنواع التيارات الماركسية ومختلف المدارس الاشتراكية التي ظهرت في الصين وروسيا وكوريا وكوبا وألبانيا… تنظيم اللجان الثورية في تونس مثلا كان له أكثر من جناح مختلف عن الثاني وفي تنافس زعاماتي معه…

عرفت تونس صراعا مريرا مثلا بين تنظيمات البعث السوري والبعث العراقي وهذه الأخيرة كانت متعددة ومتصارعة في ما بينها وكلها مرتبط بمركز دولة البعث….

ت- بعد الثورة تغيرت استراتيجيات الغرب في التعامل مع النخبة السياسية ولكن تسارع الأحداث والتطورات وظهور موجات الثورات المضادة العربية جعل الغرب يفرمل طرق عمله الجديدة واستراتيجياته ثم يراهن من جديد على عودة السياسيات القديمة، وهو ما افقد تونس فرض ومساحات من الحرية وفتح علاقات جديدة مع آسيا وأمريكا الجنوبية ومع الصين ومع بقية الدول الإسلامية ( ماليزيا – اندونيسيا – باكستان ….)

ث- مما لاشك فيه أن إرادة تمرير صفقة القرن وإدارة الصراعات في الشرق الأوسط كان وسيكون لها أثر في مسار الأحداث والتطورات في تونس، أما إقليميا فان التباين والصراع بين محورين إقليميين يتبنيان رؤيتين مختلفتين بغض النظر عن تركيبة المحورين وصدقهما في دعم وكلائهما المحليين فكريا وسياسيا واجتماعيا:

رؤية أولى، تعمل على تجسيد ودعم قيام أنظمة عسكرية في المنطقة الشمال افريقية وحرق ثورات الربيع العربي وغلق قوسها بل وتحويل مآسي الأوضاع الحالية والمترتبة عن عقود الاستبداد إلى أسباب موضوعية لعودة المنظومات القديمة واعتبار ذلك تتويج للثورات المضادة….

رؤية ثانية، تقوم على التصدي لعودة المنظومات القديمة ودعم منطق التحرر والسيادة والإنعتاق باعتباره مطمح الشعوب وطريق ممهدة لعودة العرب والمسلمون للتاريخ…

ج – قامت القراءة الغربية وأساسا في تونس على خلق جسم سياسي واسع وديناميكي يكون قادرا على منافسة التيار الإسلامي(النهضة أساسا) أو التوافق معه وفقا للمتغيرات وبناء على تطورات الأحداث الإقليمية المشار إليه سابقا في هذا الاتجاه أو ذاك، وما صراعات مرزوق/السبسي الابن ثم الشاهد/السبسي الابن وغيرها من الصراعات بين الأحزاب الدستورية والتجمعية (يُراد وسمها بالعصرية والوسطية كتحيل سياسي على الٍرأي العام)، وبين رافدي اليسار/النقابيين والدساترة في النداء إلا أن تفاصيل تجسيدية لتلك الإستراتيجية أربكت الأوضاع ووجهتها في مسارات أخرى بالتناغم مع الإقليمي

ح – إن تأسيس آفاق تونس/الجمهوري سنتي 2011و2012 ثم النداء ثم المشروع، ما هو إلا استجابة عملية بأدوات ومنازع محلية للقراءة الغربية والأمريكية تحديدا المشار إليها سابقا، لتتبلور في مرحلة ثانية في شكل بقاء الشاهد رقما رئيسيا في المعادلة السياسية ثم ليكون تأسيس “تحيا تونس” مُكملا للذهاب المستقبلي في نهج تلك الإستراتيجية ….

ح – ورثت النخب السياسية أمراض البورقيبية وسيئات وكوارث حقبتي الاستبداد وانعكس ذلك على المعارضة التونسية في بناها التنظيمية والفكرية والسياسية منذ السبعينات لتصاب بأمراض الزعامتية والمحاور داخل نفس الحزب بمنطق مرضي وتقديم الفرد ومصالحه وأنانيته على مؤسسات الحزب والتنظيم وغياب استراتيجيا الوطن وقضاياه والمشاكل الاجتماعية للتونسيين فبقيت الأهداف ضمن السياسي ولم تنزل للاجتماعي والوطني في أفقه الواسعة ( الثقافي والأمن القومي – مصالح الوطن في الإقليم وارتباطاته بالأمة ومصالحها الإستراتيجية) وهي رؤية ومخطط قوى دولية ظاهرة وخفية تعتمد التنزيل عبر مسالك التجارة ومسالك الثقافة والإعلام والعولمة وحتى عبر التكنولوجيا وفلسفة التطور والصراع …

وسوم: العدد 834