طريق النصر

طريق النصر

عزة مختار

[email protected]

النصر ، بغية المحاربين ، وأمل المظلومين ، ورجاء المستضعفين

ونحن اليوم كمسلمين عامة ومصريين خاصة نمر بظروف لم نشهدها من قبل

حرب معلنة وغير معلنة علي الإسلام وأهله في كل بقعة من بقاع الأرض قاطبة ، وقد تصدي لها حفنة من الشباب والرجال والنساء والفتيات ، ممن باعوا عرض الدنيا القليل ومتاعها الفاني بالآخرة الباقية ، وبرضوان الله تبارك تعالي

لكن الحرب تشتد والابتلاء يمد جذوره ليصير فوق قدرتهم علي المواجهة ، فيقفوا جميعا في حيرة من أمرهم

متى النصر ، ولمن نلجأ ، وبمن نستعين ، وكيف نكون مستجابي الدعوة  ؟

بحثت في كتاب الله وسنة بيه عن الطرق الأقصر والأقرب لاستجابة الدعاء والخروج من الابتلاءات واستشعار معية الله ، والاستقواء به سبحانه ، فلم أجد إلا طريق الحب

نعم الحب

أن تكون محبوبا من الله

وليا له

في صحيح البخاري قال رسول الله صلي الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه وتعالى :

 قَالَ : مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ،

وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ،

فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ

نعم ، ما أجمل الحب ، وما أطيب مذاق حروف الكلمة ، وما أخفها علي اللسان ، وما أروعها في القلب المؤمن حين يسلم لأمر الله ليس لعجزه وإنما " لأنه  يحب " .

ليس لاستجلاب النصر فقط يكون الحب

وإنما أيضا لاستجلاب حب الناس

هل يمكن أن يعيش إنسان دون أن  يحبه أحد ؟ هل تريد أن يحبك الناس ؟ إذن فكن ممن يحبهم الله

ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء - قال - ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء أن الله يبغض فلانا فأبغضوه - قال - فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض)

إن حب الله عز وجل من أعظم العطايا ومن أعظم ما يمكن أن يرزقه الإنسان علي الإطلاق وخلافا علي ما يحسبه بعض الناس أن الله تعالى إذا وسع لإنسان في الرزق فهو يحبه ومن ضيق عليه في رزقه فهو سبحانه لا يحبه وفي هذا قال رب العزة مصححا هذا التصور الخاطئ : (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ، كلا ....) الفجر 15 ، 16

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله ليعطي الدنيا من أحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الدين، فقد أحبه ) رواه الحاكم وقال:هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.‏

وإذا أردت أن تعرف من يحبهم الله تعالى ومن لا يحبهم كي تعرف أين أنت من حبه سبحانه فتعال نقف مع صفاتهم من خلال كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم

أولا:صفات وردت في القرآن

الإحسان

      قال تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)  البقرة 195

إن الإحسان الذي يذكره الله عز وجل في الآيات الكريمة هو الإحسان بمفهومه الشامل: إحسان في العقائد وفي العبادات، وفي الأخلاق، وفي معاملة الخلق، أمر الله به ووعد بالجزاء الحسن في الدنيا والآخرة على من أحسن في دنياه، قال تعالى: }هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ{ [الرحمن : 60].

وفي حديث جبريل الشهير حين يسأل النبي صلي الله عليه وسلم عن الإحسان فيقول عليه الصلاة والسلام " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك " الحديث متفق عليه

 ومرَّ عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- على غلام يرعى أغنامًا لسيده، فأراد ابن عمر أن يختبر الغلام، فقال له: بع لي شاة. فقال الصبي: إنها ليست لي، ولكنها ملك لسيدي، وأنا عبد مملوك له. فقال ابن عمر: إننا بموضع لا يرانا فيه سيدك، فبعني واحدة منها، وقل لسيدك: أكلها الذئب. فاستشعر الصبي مراقبة الله، وصاح: إذا كان سيدي لا يرانا، فأين الله؟! فسُرَّ منه عبد الله بن عمر ، ثم ذهب إلى سيده، فاشتراه منه وأعتقه. وهذه القصة تجسد معني المراقبة لله عز وجل من ذلك الغلام التقي المحسن في تقواه في علاقته بالله عز وجل

ما هو الإحسان؟

فالإحسان إذن هو مراقبة الله في السر والعلن، وفي القول والعمل، وهو فعل الخيرات على أكمل وجه، وابتغاء مرضات الله.

أنواع الإحسان:

الإحسان مطلوب من المسلم في كل عمل يقوم به ويؤديه. وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، ولْيحد أحدكم شَفْرته، ولْيُرِح ذبيحته) [مسلم].

ومن أنواع الإحسان:

الإحسان مع الله: وهو أن يستشعر الإنسان وجود الله معه في كل لحظة، وفي كل حال، خاصة عند عبادته لله -عز وجل-، فيستحضره كأنه يراه وينظر إليه.

قال صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [متفق عليه].

الإحسان إلى الوالدين: المسلم دائم الإحسان والبر لوالديه، يطيعهما، ويقوم بحقهما، ويبتعد عن الإساءة إليهما، قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا} [الإسراء: 23].

الإحسان إلى الأقارب: المسلم رحيم في معاملته لأقاربه، وبخاصة إخوانه وأهل بيته وأقارب والديه، يزورهم ويصلهم، ويحسن إليهم. قال الله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} [النساء: 1].

وقال صلى الله عليه وسلم: (من سرَّه أن يُبْسَطَ له في رزقه (يُوَسَّع له فيه)، وأن يُنْسأ له أثره (يُبارك له في عمره)، فليصل رحمه) [متفق عليه]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فَلْيَصِل رحمه) [البخاري].

كما أن المسلم يتصدق على ذوي رحمه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة)

[الترمذي].

الإحسان إلى الجار: المسلم يحسن إلى جيرانه، ويكرمهم امتثالا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورِّثه). [متفق عليه].

ومن كمال الإيمان عدم إيذاء الجار، قال صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُؤْذِ جاره) [متفق عليه]. والمسلم يقابل إساءة جاره بالإحسان، فقد جاء رجل إلى ابن مسعود -رضي الله عنه- فقال له: إن لي جارًا يؤذيني، ويشتمني، ويُضَيِّقُ علي. فقال له ابن مسعود: اذهب فإن هو عصى الله فيك، فأطع الله فيه.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن حق الجار: (إذا استعان بك أعنتَه، وإذا استقرضك أقرضتَه، وإذا افتقر عُدْتَ عليه (ساعدته)، وإذا مرض عُدْتَه (زُرْتَه)، وإذا أصابه خير هنأتَه، وإذا أصابته مصيبة عزَّيته، وإذا مات اتبعتَ جنازته، ولا تستطلْ عليه بالبناء، فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذِه بقتار قِدْرِك (رائحة الطعام) إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهدِ له منها، فإن لم تفعل، فأدخلها سرًّا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده) [الطبراني].

الإحسان إلى الفقراء: المسلم يحسن إلى الفقراء، ويتصدق عليهم، ولا يبخل بماله عليهم، وعلى الغني الذي يبخل بماله على الفقراء ألا ينسى أن الفقير سوف يتعلق برقبته يوم القيامة وهو يقول: رب، سل هذا -مشيرًا للغني- لِمَ منعني معروفه، وسدَّ بابه دوني؟

ولابد للمؤمن أن يُنَزِّه إحسانه عن النفاق والمراءاة، كما يجب عليه ألا يمن بإحسانه على أصحاب الحاجة من الضعفاء والفقراء؛ ليكون عمله خالصًا لوجه الله. قال تعالى: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم} [البقرة: 263].

الإحسان إلى اليتامى والمساكين: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى الأيتام، وبشَّر من يكرم اليتيم، ويحسن إليه بالجنة، فقال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وأشار بأصبعيه: السبابة، والوسطى، وفرَّج بينهما شيئًا. [متفق عليه].

وقال صلى الله عليه وسلم: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله) [متفق عليه].

الإحسان إلى النفس: المسلم يحسن إلى نفسه؛ فيبعدها عن الحرام، ولا يفعل إلا ما يرضي الله، وهو بذلك يطهِّر نفسه ويزكيها، ويريحها من الضلال والحيرة في الدنيا، ومن الشقاء والعذاب في الآخرة، قال تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} [الإسراء: 7].

الإحسان في القول: الإحسان مطلوب من المسلم في القول، فلا يخرج منه إلا الكلام الطيب الحسن، يقول تعالى: {وهدوا إلى الطيب من القول}

[الحج: 24]، وقال تعالى: {وقولوا للناس حسنًا} [البقرة: 83].

الإحسان في التحية: قال الله -تعالى-: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86].

الإحسان في العمل: والمسلم يحسن في أداء عمله حتى يتقبله الله منه، ويجزيه عليه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) [البيهقي].

الإحسان في الزينة والملبس: قال تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31].

جزاء الإحسان:

المحسنون لهم أجر عظيم عند الله، قال تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60]. وقال: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً} [الكهف: 30]. وقال: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: 195].

قرأ ـ صلى الله عليه وسلم ـ  هذه الآية: { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } وقال: ( إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادي منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقّل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويزحزحنا عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فو الله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقرّ لأعينهم )، { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ { 22 } إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } ... [القيامة: 22 ، 23].

تلك هي الصفة الأولي لاستجلاب محبة الله ومعيته وتمكينه ونصره ، ثم محبة الناس وكسبهم ومن ثم ضمان تأييدهم وإلي صفة أخري في الحلقة القادمة ان شاء الله كي نستكمل معا طريق النصر.