الغرب الغارب

محمد فريد الرياحي

[email protected]

انظروا إلى حضارة الغرب، كيف ظهرت، وبم انتشرت، وفيم كانت وجهتها، تجدوا أنها بالدم كانت، وفي الدم صارت، وإلى  الدم انتهت، وأن خرابها قريب بيدها التي لم يفارقها الدم في مسارها الذي اتخذ في الغلبة نهجا ينهجه،  ومسلكا يسلكه، تحقيقا لما أراد من الوجود الذي لا وجود قبله، ولا وجود بعده. وفي هذا  شعور من هذا المسار بأن الدنيا إنما خلقت له يفعل فيها ما يشاء، وكيف يشاء، ومتى يشاء، من غير اعتراف بالقيم، وإقرار بالمبادئ التي بدونها يتعذر على الإنسان الذي استوى إنسانا، أن يعيش بالطريقة التي تتخذ من العدل والإحسان سلوكا لها في الذي تقدم عليه من الفعل الحياتي، وتريده من الوهج الحضاري. إن الحضارة الغربية، ويشهد جوهرها الراسخون في العلم،تحمل موتها في ذاتها، وفي الذي تشهده من الفساد والإفساد في الأرض بغية السيطرة على هذه الأرض، ولا يمكن الجمع ، في هذه الحال، بين النزعتين  نزعة تدمير الأرض، ونزعة الإبقاء عليها، في الإصرار على الإثم والعدوان. ويبدو أن ما تقوم به هذه الحضارة من تأخير اللحظة الحاسمة ، إنما يعتمد على العلاج السطحي للأزمة التي تأخذ بخناقها. ويبدو أيضا أن هذه الأزمة في طريقها السريع إلى التعقد والتعقيد، ولا سبيل إلى اقتلاعها من جذورها، واجتثاتها من أصولها، في حال من الاطمئنان إلى أن الغرب ثابت فيما لديه من القوة، راسخ فيما عنده من الامتداد والتمدد، وأن ليس في القريب العاجل أو الآجل ما يزحزح هذا الغرب عن مكانته التي بناها بالدم، وفي الدم. وفي هذا الفهم لما عليه الغرب من الأزمة، تزداد الرغبة إلى المزيد من السيطرة التي وجدت وجهتها في التقتيل والتنكيل، فلا قدرة على الحوار، ولا قدرة على الإقناع والاقتناع، ولا قدرة على فعل الخير في جو من الرغبة الدموية في تحقيق مقولة لافونتين ((حجة الأقوى هي الفضلى))، بل في جو من إغفال الحقيقة التي لا تمحي وقوامها أن القوة مهما بلغت من الأوج، وحققت من الأثر، بالغة الزوال، منتهية إلى الفناء. وهي الحقيقة التي يعرفها العارفون، بما يعون من وقائع التاريخ، وبما يدرسون من الأحوال في نشوئها وتطورها، وانكسارها واندحارها، فلا سبيل إلى رد ما هو كائن إلى ما كان عليه من القوة  بل من التظاهر بالقوة في غياب القوة المضادة ،أو في انتظار حضورها الذي لا يرتد عن وجهته ، ولا يتخلف عن موعده. إن هذه القوة المضادة هي ما يجهله الغرب أو يعلمه ويتجاهل وجوده ووقوعه بغتة في حال من العجز عن توقعه، والتحضير لوقوعه بما يمكن من تلافيه. وتلك هي الواقعة التي لا محيد عنها، ولا مفر منها، وتصنعها الإرادة الإنسانية فيما هيئ لها من الأسباب، ومكنت فيه من القدرة على رد الفعل الذي لا يخطئ غايته، ولا يضل سبيله. أفبعد هذه الإرادة التي لا ترتد ولا تنهد، تستطيع القوة الغادرة نفي ما هو كائن وما سيكون من الرغبة في التحرر الحق الذي ينفي كل ميل إلى التبعية في شكلها الخادع الذي ظاهره الرحمة ،وباطنه من قبله العذاب،. والحق أنه ما كان لحضارة الغرب الآثمة بميلها إلى فعل القمع والاستغلال أن تدوم لولا إبقاؤها هي ومن يسير في فلكها على شبه تحرر لا يقوى على المواجهة، ولا يقدر على التحدي في حال من العجز الذي لا يحرك ساكنا، ولا يسكن متحركا.