حرب الصواريخ بين غزة وتل أبيب

يمكن للمتتبع أن يسرد من خلال الوقائع كيف انتقل الصراع من القدس، ابتداء من هبّة شباب باب العامود، مرورا بالمواجهات في الشيخ جراح، ثم تمركزها في معركة المسجد الأقصى، ولا سيما في 27 و28 من رمضان 1442هـ، الموافق 8 و9 أيار/ مايو 2021م، ثم تحوّلها إلى حرب مفتوحة بين غزة وتل أبيب، وإلى ما يشبه حرب شوارع داخل مدن مناطق الـ48.

قد يهتم بهذا السرد من يفسّر الانتقال إلى حرب أصبحت الحرب الرابعة في قطاع غزة، من خلال التدحرج (تدحرج الأحداث، كما مرّ أعلاه). ولكن من يدقق في الموضوع، يصل إلى قراءة أعمق، لوضع اليد على ما هو جوهري بما يتجاوز تدحرج الأحداث، أو تفسير التصعيد الصهيوني بحاجة نتنياهو إليه، لينقذ شخصه من مصير ينتظره، من قرار محكمة يمثل أمامها بتهم فساد.

فهذه الحرب كان الكيان الصهيوني يُعدّ لها منذ فشله في حرب 2014، وبعد أن راحت المقاومة (حماس والجهاد والفصائل الأخرى) تُعدّ بقوة متعاظمة لتطوير قدراتها الصاروخية والعسكرية. وكان على الجيش الصهيوني أن يوقف ذلك باكتساح قطاع غزة لو كان بمقدوره أن يفعل، كما كان الحال "أيام زمان"، من الخمسينيات إلى 2005.

ولم يفعل ذلك لحسابات تتعلق بموازين قوى جديدة، فرضت عليه بأن ينتظر حتى الحرب الراهنة، وقد راح يخوضها حفاظا على هيبته التي تزعزعت بسبب التردد الطويل من جهة، وبسبب التراجعات التي فرضتها عليه انتفاضة القدس الرمضانية من جهة ثانية، وقد وصلت إلى حد تغيير المقاومة في قطاع غزة لقواعد الاشتباك القائمة، من خلال تدخلها المباشر في معركة المسجد الأقصى لوقف المجزرة، التي راح يتعرض لها الصائمون المعتصمون داخل المسجد الأقصى في ليلة 28/29 رمضان، وبعد أن فشل اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى احتفاء بيوم 28 أيار/ مايو الموافق لعام 1967: احتلال القدس كاملة، ووقوع المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس القديمة تحت الاحتلال، ولا سيما إحياء "أحلام" إعادة بناء الهيكل المزعوم.

كان لا بد من تدخل كل قادر فلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، لوقف هذا الاقتحام/ الاكتساح للمسجد، كما وقف المجزرة داخل المسجد القِبْلي (الأقصى).

إن تغيير قواعد الاشتباك بحيث يصبح سلاح المقاومة في قطاع غزة معنيا مباشرة بالدفاع عن المسجد الأقصى، يعني، من جهة، إنهاء الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني (والمسؤول عنه تداعيات اتفاق أوسلو)، ويعني، من جهة أخرى، أن سلاح المقاومة انتقل عمليا إلى القدس. وهذا تطوّر هائل بالنسبة للقضية الفلسطينية، والنضال الفلسطيني، كما هو تطور خطير في ميزان القوى لا يحتمله الكيان الصهيوني إلاّ وأنفه راغم. ومن هنا اشتعلت الحرب لتقتصر، حتى الآن، على القصف الجوي، والصواريخ أرض- أرض، مع تجنب الكيان الصهيوني الحرب البرية التي هي وحدها صاحبة القول الفصل والحسم، وهي وحدها تصنع نصرا أو هزيمة.

أما الحرب من الجو في مقابل الصواريخ، فسيفشل بها الكيان الصهيوني حتما، مهما سمح تفوّقه في النيران بأن يحدث دمارا، ويوقع خسائر بالأرواح والأجساد، والأبنية.

فالحرب بالنيران ستنقلب عليه بالخسارة، ما دام الذين يقاومون يصمدون ويقاتلون، ويثبتون، ويردون الصاع صاعين، فيما الخسائر بالأرواح والأجساد، وبالحجر والعمارات، تدخله في إطار مجرم الحرب، ويسوء وجهه أمام الرأي العام العالمي.

ولهذا يمكن القطع، وبتقدير دقيق للموقف، بأن المقاومة والشعب في قطاع غزة سيخرجان منتصرين في هذه الحرب العادلة بالنسبة إلى الفلسطينيين، والظالمة والعدوانية بالنسبة إلى الكيان الصهيوني.

طبعا، الثمن الذي سيُدفع مقابل هذا النصر سيكون غاليا، فالشهداء والجرحى أفدح ما سيخسره الفلسطينيون، وهي ضريبة لطالما دُفعت منذ الغزوة الصهيونية وكانت تلحقها هزائم في الماضي، أما اليوم، فقد ازدادت فرص النصر بالنسبة إلينا.

ومع ذلك، هي خسائر لا بد من أن يدفعها الفلسطينيون كما فعلوا دائما من قبل، وكما سيدفعون مستقبلا أيضا. فإقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين بعد اقتلاع ثلثي الشعب عام 1948، وإحلال المستوطنين مكانه، شكل الجريمة الكبرى التي هي وراء كل ما عرفه ويعرفه وسيعرفه الفلسطينيون من تضحيات. ولا مهرب من ذلك، فنحن أمام عدو لا يُجدى معه الفرار، ولا المساومة، ولا التنازلات، ولا حتى التنسيق الأمني، ولا الخضوع التام. فهو يريد اقتلاع كل الفلسطينيين من فلسطين، ومن دون أن يبقى على أرضها فلسطيني واحد.

وجاءت تجربة التسويات والتنازلات التي وصلت إلى اتفاق أوسلو الكارثي، والاتفاق الأمني الذي تعدى كل الخطوط الحمراء، لتؤكد أن لا شيء يرضيه، أو يوقفه.

ولهذا، ما ينبغي لأحد أن يلوم صواريخ قطاع غزة، كما ما ينبغي لأحد أن يلوم منتفضي القدس، ولا كل من يُستشهدون أو يَقتلع الرصاص المطاطي عيونهم حين يذهبون إلى المواجهة في أي من مدن فلسطين وقراها ومخيمات اللاجئين، أو في حي الشيخ جراح، أو باب الأسباط أو باب العامود أو المسجد الأقصى، أو في اللد وعكا والناصرة وحيفا ويافا، وغزة.

فلا لوم في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل إذا ما قدمنا الشهداء والجرحى وتكبدنا الخسائر، فهو قدرنا نحن أهل فلسطين إذ ابتلينا بهذا العدو. ولكن علينا أن ندرك في هذه المرحلة أن الريح بدأت تهب في مصلحتنا، وبدأنا نتقدم بعد تراجع وهزائم، وبدأ عدونا يتراجع بعد غطرسة واحتلال وتوسّع. وهذا عزاء كبير لما يصيبنا إلى جانب "الحسنى" التي عند الله حيث لا تضيع ودائعه.

وتأتي الاشتباكات التي وقعت بين الشباب الفلسطيني والمستوطنين القدامى والجدد في مدن مناطق الـ48، لتشكل حداً مهما واستثنائيا، أخذ يربك العدو الذي لم يتوقعه، وهو غارق في حربه الرابعة مع قطاع غزة، وتداعيات انتفاضة القدس.

وبكلمة، إن انتفاضة القدس، بل انتفاضة فلسطين، كما الحرب في قطاع غزة، ستؤكدان موضوعي تراجع العدو، وتقدمنا. ويا ويل الذين يريدون نشر الهزيمة بحجة التباكي على الشهداء والجرحى وخسائر الحرب، أو العيون التي أطفأها الرصاص المطاطي.

وسوم: العدد 929