إذا تشابهت التجارب تشابهت المشاعر وردود الأفعال

تنبهت تلقائيا إلى ما قالته امرأة من جدة ممن تهدم الدولة بيوتهم لإقامة مشاريع عمرانية استثمارية من أنها شعرت عند هدم بيتها بمعاناة الفلسطينيين  الذين لا تتوقف إسرائيل عن  هدم بيوتهم . مرارة تجربة هدم بيتها نبهتها إلى مرارات تجارب الفلسطينيين التي تنكبهم إسرائيل بها منذ أن زرعت شجرة خبيثة شريرة في أرضهم . وإحدى هذه المرارات هدم البيوت التي يسبق كثير منها وجود إسرائيل ، ومنها ما بني في العهد العثماني . ومن قبائح الهدم الإسرائيلي ومنكراته التي لا شبيه لها أن صاحب البيت " يخير" بين هدمه بنفسه وبين هدم إسرائيل له ، وإذا اختار الهدم الثاني ألزمته بدفع أجرته آلاف الدولارات تبعا لمساحة البيت وعدد طوابقه . وغالبا تستولي على أرض البيت المهدوم لإقامة مشروعات استيطانية تهويدية مثلما تفعل في القدس ، وعندئذ يحار صاحب البيت أين يذهب مع أسرته التي قد تكون أسرة ممتدة تشمل الجد وأولاده وأحفاده . ولن نتحدث هنا عن مرارة تجارب قتل إسرائيل للفلسطينيين عشوائيا وقصدا ، واعتقالها لهم في مختلف الأعمار من الجنسين ، وعذابات سجونها وويلاتها التي تعصر أرواحهم وتطحن أجسادهم ، وبعض المساجين محكومون أحكاما مؤبدة عديدة ، ولعائلة حميد من الضفة خمسة من الأبناء المحكومين حكما مؤبدا ، أحدهم ناصر الذي تناهت خطورة إصابته بالسرطان  . ولا تلقى ويلات الفلسطينيين في العالم العربي إلا انتباها عابرا ضحلا ، وعلة ذلك أن الأنظمة العربية قتلت إنسانية المواطن العربي ، وشغلته بهموم داخلية كثيرة تحاصره ليل نهار ، وحرمته من حرية التعبير عن مشاعره واهتماماته القومية والإنسانية تعبيرا منظما ينتهي بأعمال فعالة مؤثرة تدفع هذه الأنظمة إلى اتخاذ مواقف حازمة من إسرائيل تردعها عن اضطهادها للفلسطينيين ، وتشعرها بالنبذ والاستنكار في المنطقة . ونقيض هذا هو الحادث الجاري لتشابه هذه الأنظمة في مبرر وجودها مع مبرر وجود إسرائيل . الطرفان صناعة غربية استعمارية ، وإسرائيل تضطهد الفلسطينيين ، والأنظمة العربية تضطهد مواطنيها ، واختلاف ظروف الاضطهادين من مسببات قلة شعور المواطنين العرب بويلات اضطهاد إسرائيل للفلسطينيين . والآن ، عندما تشابه الهدم في جدة مع الهدم في فلسطين شعرت تلك المرأة بمعاناة الفلسطينيين حين تهدم إسرائيل المجرمة بيوتهم ، وهو ما شعر به أهل العريش الذين هدمت الدولة بيوتهم بحجة توسيع ميناء المدينة . وللإنصاف فإنني أستبعد ألا تعوض حكومة بلاد الحرمين الذين هدمت بيوتهم في جدة تعويضا عادلا . وإجمالا ، إذا تشابهت التجارب تشابهت المشاعر وردود الأفعال . هذه فطرة إنسانية ، وعندئذ يتعاطف الذين أوجعتهم قسوة هذه التجارب مع بعضهم بعضا ، ويسارعون إن استطاعوا إلى مساعدة أشباههم في البلاء . كان عزرا وايزمان ، زمن قيادته لسلاح الجو الإسرائيلي ، متطرفا يجاهر بأن خط الدفاع الأول عن إسرائيل يمتد فوق القاهرة ، وبعد أن قتل ابنه في جبهة سيناء في حرب 1973 ، تحول 180 درجة ، وصار داعية سلام مع العرب ، وتحمس تحمسا خالصا لمبادرة السادات ، وكان حينئذ وزير دفاع . وفي اجتماع مع شخصيات فلسطينية قال إنه مستعد للاجتماع مع ياسر عرفات ، وليقل كل واحد منهما للآخر رأيه فيه . وفي الانتفاضة الثانية ، قتلت طفلة اسمها شلهيبت لمستوطن في مدينة الخليل ، فقال من فوره : " أريد مقابلة عرفات للتوصل إلى سلام ! " . وحين أسترجع إصرار الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور في مستهل 1957 على انسحاب إسرائيل من غزة الذي تحقق في 7 مارس من ذلك العام ، ورفضه الحازم لتوسلات رئيس وزرائها بن جوريون للسماح له بالبقاء في غزة ليبين  لآيزنهاور  وللعالم  كيف ستدير إسرائيل أحوال غزة أحسن مما أدارتها  مصر ، وكان هدفه من هذا التبرير المخادع جعل غزة جزءا من إسرائيل .  

أقول ، حين أسترجع ذلك الإصرار من آيزنهاور ، أفسره بما عاناه شخصيا في الحرب العالمية الثانية حين قاد حملة الحلفاء على نورماندي لتحرير فرنسا من الاحتلال الألماني . هالته تحصينات الألمان التي تحتم عليه مواجهتها ، فبكى . تلك التجربة الصعبة غرست في نفسه كره الاحتلال  ، والشعور بما يهفو إليه من احتلت أرضهم من تحرر من سطوة المحتل ، وبداهةلا أستثني من موقفه ذاك مخطط أميركا لوراثة الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية الآفلتين .  ودائما ركز القوميون العرب على وحدة الشعور بين العرب بصفتها دعامة متينة رسِيخة من دعائم القومية العربية . ومع الزمن ، ولجريان أحداث كثيرة سلبية جسيمة  في دنيا العرب ، ولرغبة كل نظام عربي في الانعزال بإقطاعيته أو دولته التي نصبه الغرب الاستعماري عليها ، تقلص هذا الشعور وكبت وقمع . وإحياؤه وتفعيله مهمة القوى العربية من إعلاميين وكتاب ومثقفين وفنانين وسياسيين مستقلين ، فنحن أمة واحدة اختلفت تجاربنا أو تشابهت ، ومصيرنا واحد ، وعدونا واحد . ويميل بعضنا إلى الترجيح أن تطبيع مزيد من الأنظمة العربية مع إسرائيل سيعري كل المبررات التي تطرحها هذه الأنظمة لهذا التطبيع حين تكتشف الشعوب العربية أن ضرره عليها أضعاف نفعه إن كان له نفع أصلا ، وحتى هذه الأنظمة ستكتشف ذات الاكتشاف ، وأن رهانها كان على سراب خادع لا وجود له ، وحينها سيشعر كثيرون من العرب  بشعور أو ببعض شعور  الفلسطينيين الذين ابتلوا بشراذم من المهاجرين المستوطنين الذين أقاموا لهم دولة تديرها عقلية العصابة المارقة وأخلاقها الفاسقة ، وأن ذلك الشعور قد ينتج وحدة مناسبة من رد فعل عربي يخلي المنطقة من شرور وموبقات هذه الدولة العصابة .

وسوم: العدد 969