أسرى الحرية الأبطال في مواجهة بن غفير وحكومة الأنذال

إنها الحرب القذرة في أبشع صورها وأسوأ أشكالها، وأكثرها لؤماً وأشدها حقداً، يقودها أنذالٌ لا علاقة لهم بالإنسانية، وأخساء لا صلة لهم بالرجولة، وصعاليك لا يعرفون المروءة، وخبثاء جبناء لا يحسنون المواجهة، ولا يقاتلون كالرجال، ولا يتصفون بصفات الفرسان، ولا يتمتعون بأخلاق النبلاء، بل هم للحيوانات أقرب والدواب منهم أعقل، فلا يجدي معهم النصح ولا يفيد معهم الكلام، ولا يكفون عن غيهم بالتنديد ولا يخافون من الاستنكار، ولا يوقف حقدهم شجبٌ أو بيانٌ، بقدر ما ينفع معهم السوط وتفيد العصا، وتردعهم القوة وتؤلمهم فداحة الخسارة وارتفاع الكلفة، فقد والله أساؤوا وبالغوا، وأهانوا وأوجعوا، وجرحوا وأثخنوا، وأصابوا منا القلب وكسروا فينا الظهر.

فقد أعلنت حكومة اليمين الإسرائيلية المتطرفة منذ يومها الأول، حربها المعلنة الشرسة الضروس على الأسرى والمعتقلين في سجونها، وتولى من يسمى بوزير الأمن القومي ايتمار بن غفير قيادة المعركة، وقام بالنفخ في نار الحرب عليهم، وحرض الحكومة ضدهم، وصب جام غضبه عليهم، فزار في أول أيامه سجن نفحة الصحراوي، وهو المعتقل الأبعد والأسوأ، والأكثر شهرةً بين السجون والمعتقلات الإسرائيلية لجهة الخشونة والعنف والشدة والقسوة، في تعامل الإدارة والسجانين مع الأسرى والمعتقلين، ليطمئن إلى أنهم لا يتلقون في سجونهم معاملةً كريمة، ولا يتمتعون فيها بأدنى حقوقهم الإنسانية، ويتعرضون فيها لأشد أنواع البطش والقمع والتنكيل، ويرى وجوب الاستمرار في تعذيبهم حتى يتم تشريع قانون إعدامهم.

باتت الحرب الإسرائيلية المحمومة على الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في أوجها العنيف، وذروتها الخشنة، ولم يعد هنالك قدرة على الصبر والاحتمال، فالأسرى جميعهم باتوا يعانون ويقاسون المر والويل في سجونهم، ويشكون من كل شيءٍ، ويحرمون من أبسط حقوقهم، كما بات ذووهم يلقون ذات السياسة ويتعرضون لنفس المعاملة من قبل سلطات الاحتلال وأجهزته الأمنية، فهم وأبناؤهم يدفعون الثمن الأقصى والأقسى، ويؤدون عن الأمة والشعب الفلسطيني أسوأ فاتورةٍ وأكثرها ألماً ووجعاً، والعالم كله، العربي والدولي، يقف متفرجاً ساكتاً، عاجزاً ضعيفاً، لا يحرك ساكناً، ولا يستنكر غضباً، ولا يثور غيرةً، ولا ينتفض كرامةً.

أخذت الهجمة الإسرائيلية أشكالاً عدةً وصوراً مختلفة، وهي لا تقتصر على الأسرى الرجال، وإنما طالت الأطفال ولم تستثن النساء وهم الأضعف والأكثر حرجاً، ولا تتوقف عند حد المطالبة بتنفيذ أحكام الإعدام ضد بعضهم، وإنما تتعدى ذلك لتجعل حياتهم مستحيلة، وعيشهم صعباً، وأيامهم مرةً، وليلاً ساهداً، ونهارهم شقاءً، وقد شهدت الأيام القليلة الماضية أسوأ اعتداءٍ على الأسيرات، اللاتي يكبلن بالأصفاد، ويرش عليهن الغاز الخانق والمسيل للدموع، ويجبرن على قضاء الساعات الطويلة وهن يرسفن بالأغلال، ويجلسن اقعاعاً مؤذياً مؤلماً، ويتعرضن للضرب والركل والشتم والسباب.

أما عنابر الأسرى وأقسام المعتقلين فقد تحولت بحقٍ إلى ساحات حربٍ وميادين قتالٍ ومواجهة، بين السجان المدجج بالاسلحة والعصي الكهربائية والهراوات الغليظة والقيود المعدنية، وقاذفات قنابل الدخان وخراطيم الغاز وغيرها من وسائل القمع وأدوات البطش، التي تدربت عليها وتأهلت فرق أمنية وعسكرية خاصة، مهمتها قمع الأسرى وإذلالهم، والضغط عليهم لتركيعهم، والنيل منهم لشفاء قلوبهم وري غليلهم، وقد علموا أنهم لا قِبَلَ لهم بهؤلاء الرجال لو كانوا أحراراً، ولا قدرة لهم على مواجهتهم لو لم يكونوا خلف جدران سميكةٍ، والقيود والأغلال في أيديهم وأرجلهم ثقيلة.

بن غفير لا يريد أن يتمتع الأسرى الفلسطينيون بأي امتيازٍ في سجونهم، ولا أن يشعروا بالراحة أبداً خلال فترة محكوميتهم، ويتطلع إلى سحبٍ كل امتيازٍ حققوه بدمائهم وحصلوا عليه بجوعهم وتضورعهم، وإضراباتهم وتضحياتهم، وقد باشر بالفعل في إلغاء الزيارات العائلية، ومنع لقاء المحامين مع موكليهم، وبدأ في تنفيذ قراراته في حرمان المعتقلين من شراء ما يلزمهم من "كانتينة" السجن أو من خارجها، وعمد إلى إجراء حملات تفتيش وقمع فجائية، يخرج خلالها أمتعة المعتقلين وأغراضهم الشخصية، فيبعثرها ويدوس عليها ويتلفها، ويصادر الكثير من أمتعتهم وأغراضهم، وأوراقهم وأقلامهم وكتبهم.

وعمدت سلطات السجون والمعتقلات إلى تفريق المعتقلين عن بعضهم، ونقلهم إلى سجون ومعتقلاتٍ أخرى، وأصدرت أوامرها بمنع تجميعهم في غرف واسعة ومعابر عامة، وإنما عزلهم في زنازين ضيقة لا تتسع لأكثر من معتقلٍ أو اثنين، ومنعت تكتلهم واتفاقهم على "شاويش" يتحدث باسمهم وينقل مطالبهم، ورفضت الاعتراف بممثليهم والتفاوض معهم، وغير ذلك من الإجراءات القاسية التي يتفتق ذهن السجان عنها، ويحلم بها بن غفير ويأمر بتنفيذها.

ربما لا ترى عيون الأمة العربية والإسلامية ما يجري مع أبنائها في السجون والمعتقلات، ولا يسمعون عما يواجهون ويلقون من هول العدو وبطش السجان، رغم أن الإسرائيليين يعرفون ما قام به وزيرهم الأهوج الحاقد ضد الأسرى والمعتقلين، وبعضهم يقف ضده ويعارضه، ويرى أن سياسته لن تقود إلى إخماد ثورة الفلسطينيين، بل ستقود إلى إذكاء جذوة المقاومة فيهم، فلن يسكت الفلسطينيون عن ضيم أبنائهم وقهر رجالهم، ولن يغضوا الطرف عن شرف نسائهم وطهر بناتهم، فهذه خطوطٌ حمراء تُبذَلُ دونها المهج والأرواح، ويضحي من أجل كرامتهن الفلسطينيون بأغلى ما يملكون وأنفس ما يحوزون.

وسوم: العدد 1018