في حضرة الموت: طفلة سورية لا تفلت يد منقذها ورسالة مبكية لشاب تركي

في حضرة الموت المتدفق والمتكاثر والصادم تسقط اللغات ويخرس الأدب وتموت القصائد. فاللغة كائن حي من روح وجسد تجري فيها مياه كثيرة جداً. وذلك الكائن الفريد ينهزم أمام الأوجاع العظمى وتجف مياهه وتخنق روحه.

هذا هو حال الكلمات أمام مشهد طفلة تنظر بعينين متعبتين إلى ذلك الشاب الغريب، الذي أنقذها وأخرجها من تحت الركام لتطلب منه أن لا يفلت يدها أبداً. قالت له بكلمات قليلة فيها خليط من العذوبة الموجوعة والبراءة المثقلة والمحملة بكل آلام الدنيا:

«لا تترك يدي أنا بحب تمسك يدي…». هكذا قالت طفلة سورية لشاب أنقذها من الموت ولازمها في المستشفى. فبكى بحرقة وهو يكاد أن يفقد توازنه من شدة التأثر. ثم طلب منها أن تعده بأن تبقى بخير. لكنها رفضت، مؤكدة أنها لا تستطيع أن تقطع وعداً وتخل به. فهي لا تعرف إن كانت حالتها ستتدهور أكثر في الأيام المقبلة. طفلة بعمر برعم ندى، فيها من النبل ما يفيض على العالم أجمع. تعرف أن الوعود لا تُخذل والكلمات التي تخرج من الفم مسؤولية تعكس سمو صاحبها. كان هناك وفاء متبادل بينها وبين الكلمات، بالرغم من عمرها الصغير المعذب. تلك الطفلة لم تكن تعرف أنها الناجية الوحيدة في عائلتها. كانت تطلب يداً تعيد لها شيئاً من دفء ضائع لا تعرف كيف خسرته. وكانت تلك اليد التي تطلبها أنضج من رغيف خبز ساخن وأكثر منه قدرة على مدها بالحياة. هل بإمكان نص أن يحتوي لحظة إنسانية بهذا الحجم؟ ما أسخفنا. وما أصغرنا أمام كل تلك الآلام، التي حلت علينا في ثوان معدودة وعادت لتداهمنا مؤخراً في هزتين جديدتين متتاليتين.

أرضنا، ذلك الكائن الحي الآخر، متعبة حزينة موجوعة من كثرة الحروب والنفاق العداوة، لم تعد تحتمل كل ما فعله بها السادسة. لم تعد تحتمل مؤامراتهم وعنفهم وجرائمهم بحق الشعوب. لم تعد تحتمل التهديدات المتبادلة. ولا انتشار الدبابات والمراكب المدرعة والذخائر والمدفعية وأنظمة إطلاق الصواريخ المتقدمة والأسلحة النووية. لقد اكتفت من كل تلك البشاعة. فاستاءت وغضبت واحتدت، ثم ارتجت بسخط ونقمة وأسقطتنا معها. لم تهتز مرة ومرتين أو ثلاثة، بل هي لا تتوقف عن الارتجاج والغضب. وكان آخر هزاتها زلزالا جنوب تركيا. هزتان متتاليتان تحركت معهما سوريا ولبنان والأردن والعراق، حتى أصبحت البيوت لا تأوي أصحابها والشبابيك لا تدخل الهواء، بل تطلقه بعيداً. والأبواب لا تستقبل أصحابها، بل تهوي فوقهم. هكذا أسقطت كل الأبواب وأصبحت كلها مخلعة بكل ما فيها من ذكريات وأحلام. ولم يبق باب نطرقه سوى باب الرحمة.

لقد اهتزت الأرض فاختلط الليل بالنهار واختنقت الساعات ببعضها البعض.

بتنا نعيش ترتيباً زمانياً غير مألوف، لا نعرفه. تشقق صدر الصخور بعد أن صرخت ألف مرة في وجه الظلم، وانفسخت الجبال من شدة القهر. أما الأشجار فقد أصابتها كآبة عارمة من جبروت الساسة ونامت نومها الأخير.

هكذا هاجرت معالم الحياة فوق أجنحة العصافير الخائفة. واستمرت الأرض في هيجانها حتى أفرغت المستشفيات في هاتاي من المرضى ونزل السكان إلى الشوارع. وتكررت المشاهد نفسها في إدلب، حيث افترش السكان الطرقات وكذلك في بيروت وطرابلس ودهوك العراقية وغيرها من المدن. غصت الشوارع بالناس وكأنها آخر الأيام، وكأن الزمن يقارب على الانتهاء. لحظات حبست أنفاسنا وألغت كل حساباتنا ومشاريعنا وأصبح همنا الوحيد أن لا تبتلعنا الأرض. لحظات كان لا بد من أن تدفعنا لإعادة التفكير بمعنى الحياة وجوهره، بعيداً عن كل القشور والماديات.

لكن كيف تهدأ الأرض وكيف تعيد ثقتها بنا؟

إنها ملحمة إنسانية ضخمة تتجسد اليوم أمامنا ونعيشها بأوجاعها وفصولها المعقدة، لتنبع منها أسئلة وجودية كثيرة ما كانت لتولد إلا من رحم تلك الآلام الهائلة.

هل كان ينقصنا مشهد إضافي لسيدة مسنة عجوز تبحث بين الركام عن آثار ابنيها وأحفادها المتوفيين كي نصبح بشرا نليق بهذه الحياة، التي منحت لنا؟

من أكثر القصص المؤلمة كان مقطع فيديو لشاب تركي يدعى طه أردم، وهو يسجل لحظاته الأخيرة تحت الأنقاض قال وهو يشعر بشبح الموت يقترب منه: «أظن أن هذا آخر فيديو سأصوره لكم. ما زالت الأرض تهتز بنا، وفي الموت يا إخواني يدرك المرء بغتة من حيث لا يدري أن هناك أشياء كثيرة فعلها وندم عليها. أسأل الله أن يغفر لي جميع ذنوبي، وإن خرجت من هنا حياً اليوم، فإن هناك أشياء كثيرة أريد فعلها».

لقد تمكن جيرانه من إخراجه حياً وقد يكون ذلك الزلزال بمثابة ولادة جديدة له. ولكننا نسأل الأرض لماذا لا تغضب إلا في حضرة الضعفاء؟ لماذا لا تتشقق تحت مقاعد السياسيين الفاسدين؟ كيف تمنحهم فرصة الابتهاج وتعاقب الشعوب المتعبة؟ ليتها تغضب في قصورهم علهم يتعظون. ثم، كيف تسكت السماء أمام دماء الأطفال وصراخهم تحت الحجارة؟

وسوم: العدد 1020