بعيدا عن السياسة الخبر الذي زاد همي وغمي وأثار بلابلي .. من المسؤول عن هذا العقل الذي يكاد يسود!!

وكنت قرأت كتابا عنوانه "العقل المستقيل في الإسلام" لجورج طرابيشي فقلت في حينها، ليته كتب "العقل المستقيل عند بعض الناس" ولم يربطه بالإسلام ولا بالمسلمين.

وفي الخبر الذي طالعته هذا الصباح:

"مسؤولون ووجهاء محليون في قرية "آل شجان" في لواء "ذي قار" في العراق : يتهمون الجن بإشعال الحرائق في منطقتهم، وبعد سبعة عشر حريقا يزعمون أن الجن قد أشعلوها.. توسطوا عرافا لإطفائها!! ففعل وأطفأها لهم وتقاضى منهم خمسة ملايين دينار عراقي؛ نجح العراف أو الجن بعد أن عجز الدفاع المدني العراقي عن ذلك. وانتهى الخبر ومن أراد المزيد من التفاصيل فليراجع الوكالات..

ودائما أسأل من هندس هذا العقل في رؤوس هؤلاء الناس، من العراقيين بلد جلجامش وحمورابي والرشيد والمأمون والجاحظ وواصل وابو حنيفة والغزالي وإمام الحرمين والماوردي والتوحيدي ؟؟

من؟؟!!

هذه الطفرة من الفضائيات العربية التي تشتغل ليل نهار على حل طلاسم السحر الأسود، ودرء العين والحسد، وفك المربوط على المظبوط، وتزويج العانس، ورد المطلقة، وعلاج السكري والسرطان والايدز..

من يهيء لها الجمهور الذي يغديها وينميها ويقضي أمامها الساعات، ويبذل له وللقائمين عليها الأموال؟؟.

في كل مجتمعات العالم يوجد مهوسون بمثل هذا ولكن ليس بهذا الحجم!! ولا إلى هذه الدرجة!!

وليت الذين استعانوا بالجن لإطفاء الحرائق في سهل ذي قار ؛ استعانوا بهم ليدفعوا عن العراق أسراب الجراد التي أكلت من العراق ومن الشام أيضا أكثر مما أكلت نار الحريق..

خاتم علاء الدين..

كانوا يسمونه لنا ونحن صغار في حلب: خاتم المارد: الذي يقول لمستخدمه: شبيك لبيك عبدك بين يديك..

وما زال ناسنا يحلمون..

وما يزال فينا الرجال والثقافة التي تغذي هذا الحلم..

هذه ليست أحلام بائعة الحليب الصغيرة، نتمنى على أهالي قرية "آل جشان" أن يعيروا عرافهم لهذا العالم البائس فيوفروا عليه ليس ميزانيات الدفاع المدني فقط بل والدفاع العسكري..

في علم التربية لا نتساءل كيف يصدق الناس الخزعبلات والأباطيل، بل نتساءل أصلا عن المدخلات التي تجعلهم يصدقون الخزعبلات والأباطيل..من هيأ العقول لتقبل هذا؟؟

حين أعلن القرآن الكريم عن نفسه أكد أنه خطاب لقوم يعقلون، ولقوم يتفكرون وأن آياته لا يعقلها إلا العالمون..

علموا الناس ليعقلوا، ولكي لا تجوز عليهم أراجيف الكهنة والسدنة والمتاجرين بالأديان..

انتبهوا: لم أتساءل هل كانت قرية "آل شجان سنية أو شيعية" وربما أمام تحدي العقلانية تختفي بعض الفروق..

*مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وسوم: العدد 1048