لا يوقف الإرهاب بكل أشكاله الدينية والغير دينية إلا العدالة

لا يوقف الإرهاب بكل أشكاله

الدينية والغير دينية إلا العدالة

محمد المليص

إن أي فكر إرهابي قائم على مبدأ إخضاع الآخر بالقوة على غير وجه حق, إن هو على مستوى الفرد, أو الجماعة, أو الحزب, أو الدولة, أو الدين, هو فكر يهدف إلى إهدار كرامة الإنسان وسلبه إنسانيته وجعله مجرد شاة يستفاد من حليبها وصوفها, ولا ضير من ذبحها عند الحاجة إلى لحمها أو جلدها, أو حتى إرضاءاً لهذا الطرف أو ذاك حرصاً على التوازن مع أي فكر إرهابي آخر ينافس هذا الفكر الإرهابي.

وباعتبار أن الله خلق الإنسان مفطوراً على الإنسانية والخير, وبنفس الوقت مفطوراً على الأنانية وحب السيطرة والتملك والتميز وحب القوة والجاه والمال, فإن هذا الإنسان ليس ملاكاً, ولن يكون يوماً ملاكاً ينتظر منه أن يكون إنسانياً وعادلاً وخالي من الأنانية والنفاق والإنحياز, لكن بالتأكيد سيكون هناك تمايز بين إنسان وآخر وفقاً لدرجة إنسانيته وسيطرته على أنانيته. لذا لا يمكن لأي كيان إجتماعي إن كان أسرةً أو حزباً أو مؤسسةً أو قريةً أو مدينةً أو دولةً أو مجتمعاً دولياً أن يبنى على مبدأ استعطاف الناس كي يكونوا إنسانيين وعادلين وأمناء وصاحبي ضمير حي وخوف من الله, رغم أن هكذا دعوات تفيد, لكنها لا تغني. من هنا جاء مبدأ الحاجة إلى قوانين صارمة تردع الشاذ من البشر وتجزي المنضبط. ومن هنا جاءت حاجة البشر إلى الأديان التي تحرم الظلم وتفرض العدالة بين الناس.

لكن بإعتبار أن الإنسان ليس ملاكاً وهو خليط من الإنسانية والأنانية والعدل والظلم والنفاق, فإن جميع الأديان تعرضت إلى تشويه وتحريف على مقاس أنانية الإنسان وحبه للتسلط وللظلم ولتملك الأرض ومن عليها. وبسبب ذلك تم تمزق الأديان إلى إتجاهات ومذاهب وشيع متناحرة, منها من تتمسك بالقيم النبيلة للدين من عدل وإخاء ورحمة بشكل مقبول إلى حد ما, ومنها من تتمسك بالمكاسب التي حققتها من خلال هذا التشرذم الديني, كالسلطة والأرض والأتباع الذين يقدسون هذا التشرذم الذي أمن لهم أنانيتهم المرتبطة بمصير هذا التشرذم الذي يرفع راية الدين في يد ويسرق ويقتل ويظلم باليد الأخرى. وطالما أن الأتباع ينعمون بما يجنيه لهم هذا التشرذم, فهم مستعدون أن يقاتلوا ويضحوا دفاعاً عن قيادات شرذمتهم.

كمثال حي على هذه التشرذمات الدينية العديدة في اليهودية والمسيحية والإسلامية, هو العداء التاريخي بين الكاثوليك والبروتستانت, وبين تكتلات يهودية عديدة, والعداء التاريخي بين السنة والشيعة. علماً بأن كل مذهب هو من صنيعة نظام سياسي استغل الدين لسوق البشر والحجر ضد النظام الآخر الذي أيضاً بدوره استغل الدين لسوق البشر والحجر للتغلب على النظام الآخر, أو على الأقل للمنافسة على السلطة والجاه مع النظام الآخر. وكل نظام سياسي بنى صرحاً دينياً كبيراً يبدع ويتفنن في نشر الأكاذيب والتضليل ضد النظام الآخر ومذهب أتباعه و الذي بدوره نهج نفس النهج الإرهابي, لكن بشكل مضاد. وبإعتبار أن عامة الناس مربوطين برغيف عيشهم, فإن كل نظام ربط أتباعه برغيفهم اليومي كي يأتمرون بأمره ويطيعونه رغماً عنهم, وليس حباً بمذهبه أو دينه الكاذب أو سلطانه الظالم.

وهكذا انتشر على المعمورة مراكز إفتاء لا حصر لها تفتي لهذا النظام أو ذاك وفقاً لجهة التمويل والإيواء والحماية والمصير المشترك. أي أضحى الدين مجرد رمز مافيوي يجمع أعضاء كل مافيا تبعاً لمصالحهم ومكاسبهم نتيجة لصراعاتهم مع المافيات الأخرى. وبنفس الوقت تم الدوس على كل القيم النبيلة وقوانين العدالة التي جاءت بها الأديان كافة.

ونتيجة لهذا التشويه الديني الذي بدلاً من أن يتم نشر العدالة والإخاء والمساواة, تم نشر الطغاة والأنظمة الإرهابية القامعة لشعوبها والخاضعة لأنظمة مافيوية أقوى منها, لجأ الإنسان إلى حركات تمرد هنا وهناك, تنعت بالإرهاب من قبل الأنظمة الإرهابية المافيوية وأبواقها المأجورة أو الحاقدة, علماً بأن حركات التمرد هذه منها الدينية ومنها الغير دينية, لكن جميعها يتطلع للعدالة بعيداً عن إرهاب الأنظمة الدولية المافيوية. أي بعض حركات التمرد هذه هي ناقمة على الأديان بسبب التشوهات التي عمت البشرية, فراحت تدعو هذا الحركات إلى إحقاق العدالة من خلال فرض مبادئ إنسانية عادلة تحمي البشر من المافيات الدولية التي تمكنت من السيطرة على المعمورة وبأشكال مختلفة. ولم تكن الثورة الشيوعية إلا ردة فعل على الظلم الكنسي الذي أذل البشر وسفك دماءهم وسلبهم كل حقوقهم باسم الدين. ولم تكن الثورة الشعبية الأمريكية إلا ردة فعل على سيطرة الكنيسية وبأسلوب مافيوي لا يمت للإنسانية وللعدالة بشيء. ولم يكن الربيع العربي أيضاً إلا ردة فعل على أنظمة مافيوية أرهبت البشر والحجر ونشرت الفساد والرشوة والفرقة كي تسيطر وتنهب خيرات الأوطان والعباد, بينما هي تحني الرأس ذليلة للمافيا الروسية أو الأمريكية وفقاً للتاقسم الدولي لهذه الأنظمة التي هي أوهن من بيوت العنكبوت.

لكن ماذا حدث لثورات العدالة هذه؟ إذا كانت الأديان التي لها قدسية ووقع كبير لدى الإنسان, وخاصة أن الدين هو روح الإنسان ومصدر سعادته وأمله والشاحن الذي يقوي الإنسان في مقاومة الظلم والقهر والإرهاب,  قد تعرضت هذه الأديان للتشويه والتحريف بما يتناسب مع أنانية الإنسان ونفاقه وحبه للسيطرة, فهل من المعقول أن يكون للثورة الشيوعية أو الأمريكية أو الفرنسية وغيرهم حظ أفضل من الأديان؟ أبداً! إن تشويه وتحريف ومسخ هذه الثورات هو أسهل ألف مرة من تشويه الأديان, لأن الأديان حافظت على بعض الأتباع الذين قبضوا على مبادئ الدين العادلة, رغم كل الظلم والقتل والإرهاب والتشريد والتجويع والإقصاء. هؤلاء هم ملح البشرية الذين لولاهم لتوحشت البشرية أكثر ولسفكت الدماء أكثر ولتعذرإقامة العدل في أي مكان في العالم.

من يعتقد أن الأديان ذهبت في خبر كان, أو أضحت من الماضي, أو يمكن في يوم من الأيام أن تصبح من الماضي, فهو واهم. إن رؤساء أمريكا أجمعين وإلى الآن يحنون رؤرسهم للكنيسة ويصغون جيداً للفاتيكان, وهم ينسقون من خلال أجهزتهم المخابراتية مع المراكز الكنسية في سراديب تصل بين مراكز المخابرات الأمريكية والأوربية مع الفاتيكان ومراكزها الدينية المنتشرة في كل بقاع الأرض. إن قرار إنشاء إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني, تم في هذه السراديب, حيث الإرهاب المسيحي وجد في الصهيونية مخلباً وخنجراً في خاصرة المسلمين تعويضاً لدحر الغزو الصليبي لفلسطين, وأملاً في أن يتم الرجوع إلى هذه المنطقة من خلال دولة إسرائيل. من يتابع عشرات المحطات الفضائية في أمريكا وغيرها عن ضرورة دعم إسرائيل لأن المسيح لن ينزل إلى الأرض إلا عندما تسيطر إسرائيل على المنطقة, يندهش لشدة هذا الحقد وهذا الدعم المخابراتي لهذه المحطات العديدة والقوية والغنية والتي لها تأثير كبير بين الرعاع الأمريكي والمسيحي بشكل عام. هناك مليارات الدولارات ودعم مخابراتي لا يصدق لهكذا حملة إجرامية بحق العرب والمسلمين. إن بعض اليهود أدركوا خطورة إستخدام الشعب اليهودي كقفاز في يد الإرهاب المسيحي ضد العرب والمسلمين من خلال دعم الحركة الصهيونية العالمية, فرفض هؤلاء اليهود فكرة الصهيونية وفكر بناء إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني, لأنهم أدركوا أن الهدف هو استخدام اليهود كبسطار في قدم الإرهاب المسيحي ضد العرب والمسلمين, وبالتالي إن اليهود سيكونون في فرن يتم إشعاله في أي لحظة

العنوان الرئيسي المعلن لدى التحالف المخابراتي الأمريكي الغربي والفاتيكان أمام الرعاع البشري هو الإنسانية والعدالة وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب بكل أشكاله وخصوصاً الإرهاب الإسلامي. بينما العنوان السري لهذا التحالف, والذي لا يعلن أما الرعاع البشري, هو تحالف للسيطرة على الأرض والسماء وما بينهما والتأكد من أن الإسلام وكل أتباعه مهما تشعبوا واختلفوا فيما بينهم, هم في الدرك الأسفل من الفقر والضعف والإقتتال الذاتي والجهل والمرض. وحبذا لو تم دفنهم جميعاً, لأن الإسلام هو أكبر محرض في التاريخ الإنساني على مناهضة الإمبراطوريات الإستغلالية ودحرها, وهو الذي دحر الإمبراطورية الإستعمارية الرومانية التي كانت تمثل العالم المسيحي, لذا لا استقرار لنا طالما أن هناك من يقول الله أكبر. فجيشوا الكنائس والإعلام والمدارس والجامعات وكل حي وشارع ضد الإسلام جملة وتفصيلاً بمعتدليه وبمتشدديه, وحتى بملحديه, لأن بعض ملحديه تنجسوا بالفكر الإسلامي الذي يدعوا إلى مجابهة الظلم ودحر الإمبراطوريات الإستغلالية.

ماذا يعني عندما يعلن بابا الفاتيكان السابق أن أوروربا تتعرض إلى غزو إسلامي, حيث عدد المسلمين يزداد في أوروبا, لذا يجب العمل على مجابهة ذالك. إن هكذا إعلان من أكبر رمز ديني لدى أمريكا والغرب, هو بمثابة إعلان حرب شاملة وبلا هوادة ضد مسلمي أمريكا وأوروبا والعالم المسيحي بشكل عام. في الماضي ثقبوا آذاننا بأن الإسلام انتشر بالسيف. فهل الآن ينتشر الإسلام في الغرب بالسيف؟ الحمد لله إن التطور التكنلوجي لا يمكن البابا ومخابراته من أن يكذبوا الحقيقة. إن من يدخل الإسلام في أوروبا هم قساوسة ومفكرين ومثقفين, وهم يعلمون أنهم قد يتعرضون للمضايقات, لكنهم وجدوا في الإسلام العدالة والرحمة والإنسانية, وهذا لا يعني أن المسيحية غير عادلة وغير رحيمة وغير إنسانية, لكن هذا يعني أن درجة التشوه والتحريف الذي تعرضت له الديانة المسيحية السمحاء, وكذلك اليهودية, تفوق آلاف المرات التشوه والتحريف الذي تعرض له الإسلام, وما يميز الإسلام هو وجود قرآن واحد, وليس عدة أناجيل متضاربة. في الأصل اليهودية والمسيحية والإسلام نبع واحد هدفه إشفاء الإنسانية من الظلم والقهر والطغيان. تعكر كثيراً نهرا اليهودية والمسيحية, ولا زال نهر الإسلام أقل تعكيراً وذو قرآن واحد, لكن قوى الشر تحاول أن تعكره تماماً كما عكرت نهرا اليهودية والمسيحية, لذا المعركة دائمة طالما أن هناك قرآن واحد يدعو إلى العدالة ودحر الظلم بكل أشكاله, بما في ذلك ظلم غير المسلم.

إن الشاذين من المسلمين الذين يؤذون غير المسلم, هم أقلة ولا يمثلون غالبية المسلمين. إن الثقافة الإسلامية, ثقافة الشعوب وليس ثقافة الأنظمة, هي ثقافة إسلامية تحترم الأديان الأخرى, لذا في عهد لم يعرف فيه هيئة أمم متحدة ولا حقوق الإنسان, بقيت الكنائس محترمة في بلاد المسلمين, حيث يمارس المسيحييون واليهود عباداتهم بكل حرية وإحترام. إن تلك الثقافة الرحيمة بنيت على قول رسول الله (ص) من آذى ذمياً فقد آذاني, لكن عندما يرفع الذمي خنجره ويسلطه على رقاب المسلمين, وجب التصدي له ومقاومته حتى ولو تم نعت تلك المقاومة بالإرهاب. في منطق الإسلام الصحيح لا يجوز أن يؤذى حتى الكافر, من شاء فاليؤمن ومن شاء فاليكفر, لكن عندما الكافر يصبح جندياً في ظلم المسلمين, عند ذلك يجب الجهاد ضد هذا المعتدي إن كان كافراً أو مسيحياً أو مسلماً. الظلم خط أحمر, ومن يتجاوزه هو عدو الإسلام. إن وجود بعض الشواذ من المسلمين الذين يظلمون الآخرين باسم الدين, هم أقلة ويعدون على الأصابع, ومعظمهم نتاج فوضى دولية وظلم وقهر في كل بقاع الأرض.

إن هذا التحالف السري بين مراكز المخابرات الغربية الأمريكية التي تسيطر من خلال الجيش والشرطة على بلادها بالحذاء في ظلام دامس بعيداً عن أعين البرلمانات الكرتونية المصممة وفقاً لسيطرة من خلف الستار, وبين مراكز الفاتيكان هنا وهناك, والقائم على بناء الإمبراطريات الغربية الأمريكية على جماجم الشعوب الأخرى, هو الذي مسخ الديانة المسيحية وحولها إلى كلمة سر تجمع مجموعات كبيرة من أتباعها, وليس كل أتباعها, لأن هناك من المسيحيين الذين كغيرهم من باقي الأديان هم إنسانيون ويرفضون الظلم, لكن لا حول ولا قوة لهم, وهم مهمشون, وخاصة إذا ما أعلنوا تذمرهم من هكذا تحالف دموي إرهابي بإمتياز. أي إن عصابات الأنظمة الغربية والأمريكية وباستغلالها الدين مسخت الثورة الشعبية الأمريكية التي ضحت بدماء عشرات الألاف من أجل العدالة

في أعقاب الثورة الأمريكية وأعقاب الثورة الفرنسية, انتعشت البشرية ابتهاجاً في رفع راية العدالة, وما الحضارة الأمريكية التي أذهلت العالم, إلا نتيجة حتمية لتلك الثورة التي اجتذبت الناس من كل أصقاع الأرض حباً في العدالة وهرباً من الظلم والقهر. لكن التحالف السري بين المخابرات الأمريكية والغربية والفاتيكان كان بالمرصاد لمسخ هكذا ثورة إنسانية تدعو لمكافحة الظلم والقهر. لذا نرى اليوم أن أمريكا رمز الفساد والظلم الدولي, هي متجهة حتماً للإنهيار والتجزئة ولو بعد عقود. سيحدث لأمريكا تماماً ما حدث للدولة الإسلامية التي ابتهل العالم لراية العدالة, فازدهرت الدولة الإسلامية وعمت العدالة بين الناس, لكن ما أن سيطر على الدولة مافيات قبلية تظلم وتسرق وتفسد العباد, حتى انهارت الدولة الإسلامية وتفسخت كما تتفسخ الجيفة بسبب الظلم والدوس على مبادئ الإسلام الحنيف الذي جوهره وجوهر كل الأديان السماوية هو العدالة. وهذا هو مصير أميريكا حتماً. كما كان مصير الإتحاد السوفيتي الذي قامت ثورته على مبادئ العدالة ودحر الظلم القيصري الذي ظلم الحجر والبشر, لكن سرعان ما تحولت تلك الثورة إلى مراكز مافيوية أشد فتكاً وظلماً من القياصرة, فانهار الإتحاد السوفيتي وأضحى أضحوكة البشرية.

أما في الدول العربية والإسلامية, فإن هذه الدول هي ليست دولاً مكتملة الخلق, وإنما هي هياكل سياسية ولدت مشوهة من مخلفات الحرب العالمية الأولى والثانية, وهي مسلوبة الإرادة وخاضعة إلى هيمنة دولية ظالمة مبدؤها الإرهاب الدولي لكل الضعفاء لمص دماء شعوبهم وأوطانهم. لذا إن هذه الأنظمة الضعيفة, الوطنية والغير وطنية, كيفت نفسها مع هذه الظروف الدولية بأشكال مختلفة. منها من رفع راية الدين بيد, وحافظ على وضع يده الأخرى بيد هذا القطب المافيوي أو ذاك حرصاً على الحفاظ على العرش وعلى الأوطان أيضاً. ومنها من رفع راية الإشتراكية والعدالة بيد, ووضع رأسه تحت حذاء روسيا كما فعل حافظ الأسد حرصاً على نظامه الطائفي الذي حول الجيش العربي السوري إلى عبيد بيد طائفته التي لا تتجاوز العشرة بالمئة, فزرع الحقد بين أبناء الشعب الواحد, مغرراً بالكثيرين من طائفته بأن يدافعوا عن نظامه لأن حياتهم مرتبطة بمصير هذا النظام, فلم يجد بداً غالبية الشعب من مقارعة هذا النظام المافيوي الطائفي ومقارعة كل من يتبعه بغض النظر عن الطائفة والعرق.

صحيح أن  هناك تصرفات طائفية في بعض أطياف الثورة, لكنها هي ليست أكثر من ردة فعل على إجرام طائفي من قبل النظام, لذا اللوم الأكبر هو لمصدر الإجرام الطائفي وليس لردات الفعل. وإن ردات الفعل هذه هي محدودة. إن الثورة السورية هي ثورة ضد الظلم وليست ضد طائفة, لكن باعتبار أن الكثيرين من الطائفة العلوية انخرطوا في الدفاع عن النظام وإجرامه, فإن الكثيرين من الطائفة العلوية ومن الأقليات الأخرى الذين انصاعوا لأنانيتهم وأحقادهم ومطامعهم, بما في ذلك المنحرفين من السنة الذين يدافعون عن النظام حفاظاً على مصالحهم, هم أهداف للثوار لأنهم قتلة ومصرين على الإجرام لأنهم ربطوا أعناقهم بأحذية النظام الذي ربط عنقه بحذاء روسيا وإيران.

إن الثورة السورية هي ثورة عالمية بامتياز, هي لا تهدد الأنظمة العربية والإسلامية فحسب, وإنما تهدد الإمبراطوريات المافيوية الدولية. إن النظام الدولي الذي تأسس أعقاب الحرب العالمية الثانية بني على إعفاء الدول الخمس الأقوى في ذلك الحين من أي محاسبة. وتم تقاسم دول العالم بين هذه القوى. وبحيث كل قوة تراعي مصالح القوى الأخرى كي لا يدخلون في حرب طاحنة مرة أخرى. لذا كل أنظمة العالم الأخرى هي مسلوبة الإرادة بطريقة أو بأخرى وفق التقاسم الدولي بين الكبار. وباعتبار أن الوطن العربي, بشكل خاص, والدول الإسلامية بشكل عام, هي ذات جغرافية استراتيجية, وتحوي على مصادر إقتصادية وبشرية ضخمة, فإن هذه الأنظمة جميعاً خاضعة للهيمنة الدولية وبالنواجز.

إن تحرك الشعوب العربية لنيل العدالة والإستقلال من الأنظمة التابعة للنظام الدولي المافيوي, أرعب الدول الكبرى واهتزت نواجزهم القابضة على هذه الأنظمة. فزأرت كل دولة كبرى وبصوت مرعب وفقاً لمصالحها. واختلت المعادلة الساكنة بين هذه الدول العظمى, فراح كل منهم يؤثر على الثورات العربية بما يخدم مصالحه بعيداً كل البعد عن مصالح شعوب المنطقة, وإن بالصدفة قد تتوافق بعض مصالح الشعوب مع مصالح هذه الدولة أو تلك, لكنه توافق مؤقت غايته السيطرة والإخضاع مرة ثانية وبأسلوب جديد يؤسس نظام عربي وإسلامي جديد تابع ومسلوب الإرادة يعامل شعوبه كأغنام للحليب والذبح وفقاً لمصالح هذه الدولة العظمى أو تلك.

من هنا جاءت ضرورة التحرر من هيمنة أي دولة عظمى مهما قدمت هذه الدولة أو تلك لهذه الثورة أو تلك. لا شك أن هذه الشعوب المقهورة والمحكومة بالحديد والنار والظلم والقتل والإقصاء, هي بحاجة إلى مساعدة الشعوب الأخرى, لكن للأسف إن أنظمة الشعوب الأخرى, وخاصة الكبرى منها هي أنظمة دموية يهمها الهيمنة وبأي ثمن. وباعتبار أن الثورة السورية رفضت أن تباع في المزاد العلني, رغم أن بعض الثوار تابعين لهذه الدولة أو تلك, لكن لم تستطع أي دولة بما في ذلك أمريكا وروسيا أن تجمع كل فصائل الثورة تحت قيادة واحدة لمساعدتها في بناء نظام سوري جديد تابع للنظام الدولي المافيوي, فإن أمريكا وروسيا انتقمتا من الثورة السورية ووضعا خطة مشتركة لهزيمة الثورة ولهزيمة النظام الأسدي الطائفي معاً. وبناء نظام جديد رغماً عن أنف الشعب السوري ورغماً عن أنف الدول العربية جميعاً. ولو كان النظام الأسدي الطائفي قابل للحياة, لكان كل من أمريكا وروسيا حقنوه ببعض المقويات كي يتم إعادة إنتاجه وتسويقه باسم محاربة الإرهاب وباسم الدفاع عن الأقليات, ويتم غض الطرف عن قتل مئات الآلاف وتشريد الملايين, وإقصاء غالبية الشعب عن السلطة, لكن إن كل من إمريكا وروسيا تعي جيداً أن النظام الأسدي الطائفي أضحى في عداد الموتى, وهما فقط يصورانه على أنه قوي وقادر على الإستمرار كي يوهموا الشعب السوري ويحبطوا تطلعات الثورة, أملاً في أن يتم بناء نظام جديد وفقاً لأهواء أمريكا ورسيا وبما يخدم مصالحهم, حتى ولو كان نظاماً طائفياً مهلهلاً تستنزفه الأحقاد الداخلية لقرن من الزمن.

لكن قوة الشعوب أقوى من كل إمبراطوريات العالم. إن الثورة السورية أضحت اليوم ثورة مليار ونصف المليار في أصقاع المعمورة. نعم إن هيجان أمريكا وروسيا الغير عقلاني والوحشي والمافيوي, قد أيقظ كل مسلمي العالم لضرورة التحرر من نير القوى العظمى المافيوية, وبناء نظام ديمقراطي غير خاضع لأي سلطة عسكرية. كما أن شعوب العالم بدأت تعي خطورة النظام الدولي المافيوي الذي لن يجلب لهم إلا الويلات والفقر والدمار. إن البشرية تتقدم نحو عدالة تعم البشرية, بعيداً عن هذا النظام الدولي المافيوي المجرم.

إن الدعاية الدولية التي عمت الكرة الأرضية وبأسلوب فاقع ومقزز بشأن الإرهاب الإسلامي كالقاعدة وغيرها, هي دعاية كاذبة هدفها وضع غشاوة على عيون شعوب الأرض عن عفونة النظام الدولي المافيوي, وذلك لإبقاء الظلم والقهر والأنظمة المافيوية حول العالم. إن القاعدة وغيرها ليسوا إلا ردود فعل للإرهاب الدولي. كلما زاد الظلم والإجرام الدولي, كلما كبرت الحاضنة الشعبية للقاعدة ولغيرها. عندما يتحكم بشعوب الأرض بضع أنظمة مافيوية تتقاسم الغنائم فيما بينها باسم الإستقرار والسلم الأهلي, وعندما يسيطر على الشعوب نظام دولي إرهابي حيث تتسلط القوى العظمى وتوابعها من الأنظمة الضعيفة على الشعوب وبأسلوب دموي بعيداً عن العدالة, فإن الإرهاب المضاد سينتشر في كل بقاع الأرض وسيجد حواضن شعبية واسعة أملا في الخلاص من الظلم ولو من خلال ظلم مضاد, وبالتأكيد إن هذا الإرهاب المضاد لن يكون رحيماً وسيدمر الحجر والبشر إنتقاماً من الإرهاب الدولي الذي أيضاً لا يرحم الحجر والبشر. لا يتم القضاء على الإرهاب الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي أو الهبي إلا بالقضاء على الأنظمة الدولية المافيوية الكبرى وزبانيتها. إن القضاء على الأنظمة المافيوية الصغيرة كالنظام الأسدي الطائفي المجرم, لا يكفي لوحده للقضاء على الإرهاب الإسلامي المضاد للإرهاب الدولي. لا بد من بناء نظام دولي لا يعطي أي حصانة لأي دولة مهما بلغت قوة تلك الدولة. إن فكرة إعادة توزيع حق الفيتو بين الأمم, ماهي إلا إعادة إنتاج النظام المافيوي الدولي للضحك على الشعوب والإستمرار في ظلمها وقهرها. من حق المجرم بشار الأسد أن يقول أنه يستحق جائزة نوبل للسلام, لأنه يعي بنية النظام الدولي المحكوم أمريكياً وروسيا والذي يصافحه بالخفاء ويشجعه على دمار سوريا بحجة مكافحة الإرهاب.

الإرهاب مرفوض إن كان إسلامياً أو مسيحياً أو يهودياً أو هبياً, لكن عندما يكون الإرهاب هو نتيجة إرهاب أضخم ومنظم من قبل دول وأنظمة, فإن ذلك الإرهاب يصبح شمعة تضيء في آخر نفق المظلومين الذين يذبحون على مرءاً من العالم, وذلك للتخلص من الإرهاب الأكبر. وعندما يتم هدم الإرهاب الأكبر, فإن الشعوب قادرة على  القضاء على كل أشكال الأرهاب. لكن الشعوب التي تذبح في وضح النهار ويقتل أطفالها ونساؤها بالسلاح الكيميائي, ثم تحاول القوى المافيوية الدولية أن تطيل في عمر هكذا نظام مجرم, إنها سترحب ليس بالقاعدة وأخواتها وإنما بالشياطين والجن والإنس وكل عفاريت الأرض للخلاص من هذا الكابوس الوحشي المدعوم من وحوش الأرض باسم مكافحة الإرهاب, وهم الإرهاب بعينه.