ولا تلبسوا الحق بالباطل

أ/ فادي عبد اللطيف

أ/ فادي عبد اللطيف

﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 42]

يتساءل كثير منا عن سبب التفاوتِ والاختلاف في مواقف الناس حين تُعرَض عليهم الحُجَج الواضحة، والبراهين الساطعة، الدالَّة على أمر من أمور العقيدة الإسلامية، والتي تشهَدُ لها أدلَّةٌ حسية مدرَكة في هذه الطبيعة الباهرة، أو في هذا الكون الدقيق الواسع، فمن الناس مَن يتجاوب سريعًا، ومنهم مَن يرفض سريعًا، ومنهم مَن يضطرب ويتردَّد، ومن الناس مَن يُراوِغ هربًا من الحقيقة، أو قل: خوفًا من عقله! وأصبحنا اليوم نجد بين المسلمين، عامتهم وخاصتهم، من تتفاوت وتختلف مواقفُهم حين تُعرَض عليهم نصوص صريحة في القرآن والسنة تتعلَّق بمسائل - كانت لديهم - من المعلومة من الدين بالضرورة، وأحكام - كانت عندهم - قطعيةً لا اجتهادَ فيها، وقواعد - كانت بنظرهم - مجمعًا عليها من السلف والخلف! فأصبحت هذه المسائل وتلك الأحكام وتلكم القواعد - مع تغير الزمان والمكان - مباحة مستباحة، من كثرة ما تقاطر عليها من الشبهات والشهوات؛ مثل تحليل الربا، والحكم بالدساتير والقوانين الوضعية، والاستعانة بالكافر في الحرب، وغيرها كثير.

واختلاف المسلمين حول نصوصِ الشرع الصريحة، وأحكامِه القطعية، وقواعده الأساسية - هو ما يهمُّنا في هذا المقام؛ لكونه خللاً مصيريًّا يشكل عائقًا أمام نهضة الأمة وتحرُّرها ووحدتها الفكرية والتشريعية والسياسية، وهو - على خطورته واستفحاله - أمر طارئ مُحدَث، لم تعهَدْه الأمَّة في تاريخها من قبل، رغم تعدُّد مدارسِها الفكرية ومذاهبها الفقهية؛ حيث إنه نشأ حديثًا في القرن الرابع عشر الهجري - التاسع عشر الميلادي - إبَّان اشتداد الغزو الثقافي والسياسي الغربي للعالم الإسلامي، فرغم موبقاتِ التقليد والتعصُّب المذهبي، والجمود الفكري، والانقسام السياسي، والغزو المغولي والصليبي، التي عصفت بالمجتمع الإسلامي في حقبه المختلفة، إلا أنه لم يشهد ما نراه من اضطرابٍ واختلاف على قواعد الدين، أو قطعياته التشريعية والفكرية.

ويرجع هذ الاختلاف، والتناقض أحيانًا، بين المسلمين حول مقوِّمات إسلامِهم - إلى عدَّة أسباب، منها غياب الإسلام عن حياة المسلمين كنظام للمجتمع والدولة، فغاب عن أذهانهم، ومنها سيطرة الثقافة الغربية على مؤسسات التعليم في بلاد المسلمين ردحًا من الزمن فسيطرت على عقولهم، ومنها غير ذلك، إلا أننا سنركِّز هنا على أحدِ هذه الأسباب، نتج عما سبق ذكرُه، وهو وَفْقَ التعبير القرآني الْتباسُ الحق بالباطل؛ أي: اختلاط الإسلام بغيره من نظم وثقافات وشرائع في أذهان كثير من المسلمين، بل وصل الأمر حد الاختلاف على ماهية الإسلام، هل يشمل الأشكال والوسائل (أي: اللباس والأدوات التي كانت في عصر الرسول - عليه السلام)، أم أن الإسلام يقوم على العقائد والأحكام والمفاهيم (التي جاءت في الكتاب والسنة) فقط، وترك للمسلمين تطوير واقتباس الأشكال والوسائل مع اختلاف الزمان والمكان؟

وكذلك بلغ الضعف في فهم الإسلام حد الاختلاف حول موقف الإسلام من الشرائع والقوانين والثقافات الأخرى - وهو ما يعشق البعض تسميتَه بـ "الآخر" - هل يُجِيز الإسلام أخذَها والاستفادة منها على اعتبار أنها "تلاقحُ ثقافات" و"تفاعل حضارات"، أم أن الإسلامَ يحصرُ التشريع ومفاهيم الحياة في نصوص الوحي وحدَه، ويُجِيز أخذ العلوم الطبيعية والصناعية من الأمم الأخرى؛ لكونها عامة لا تعبِّر عن وجهة نظر أصحابها عن الحياة، وليست متأثرة بعقائدهم الدينية ومبادئهم الفلسفية؟

وبذلك أوجد اختلاط الإسلام بغيره، في أذهان المسلمين، وما نتج عنه من خلاف - ضبابيةً في رؤية الأشياء على حقيقتها، واضطرابًا في الحكم عليها، ما أدى إلى تنكُّبٍ عن رَكْب النهضة، وانتكاسات متكرِّرة في سبيل تحقيقها، رغم ما قطعتْه الأمة بمجموعها من أشواط طويلة في سَعْيها للنهوض، ومن هنا أصبحتِ الحاجةُ ماسَّة لتنقيةِ ما علق في أذهان المسلمين من أفكار ومفاهيمَ غريبة، من آثار الغزو الثقافي والسياسي الغربي، والذي أثَّر حتى في نظرةِ المسلمين إلى دينهم، وفهمهم لنصوصه، وكيفية إنزال أحكامه على واقع حياتهم، بل وفي علاقة الإسلام بالحياة والدولة والمجتمع، وبالأمم الأخرى وثقافتها وحضارتها، وبعبارة أخرى: أصبح من المحتَّم أن تتحرَّر الأمة من الاستعمار الثقافي؛ لكي تستعيدَ استقلالها الفكري، فتُدرِك واقعها ذاتيًّا، وتعي إسلامها صافيًا نقيًّا، فتَمْلِك إرادتها وقرارها، دون الاستعانة بعدوِّها، أو بفكر عدوِّها وثقافته ونُظمه ومؤسساته، كما هو واقع اليوم، لا من قِبَل الليبراليين والعلمانيين فحسب، بل من قِبَل دعاة وعلماء وحركات إسلامية!

فما معنى أن يخلط الإسلام بغيره، وما أثر ذلك على إدراك الفكر والتشريع الإسلامي إدراكًا صحيحًا؛ لكي يتأتَّى بناء الشخصية الإسلامية، والمجتمع الإسلامي، والدولة الإسلامية بناءً سليمًا؟

قال - تعالى -: ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 42]، جاء في تفسير الطبري ما نصه: "يعني بقوله: ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا ﴾: لا تخلطوا، واللبس هو الخلط، يقال منه: لبستُ الأمر عليهم ألبسه لبسًا، إذا خلطتَه عليهم... وعن ابن عباس قوله: ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ﴾، قال: لا تخلِطوا الصدق بالكذب، وعن مجاهد: ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ﴾: اليهودية والنصرانية بالإسلام، فتأويل الآية إذًا: ولا تخلطوا على الناس أيها الأحبار من أهل الكتاب في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به من عند ربه، وتزعموا أنه مبعوث إلى بعض أجناس الأمم دون بعض، فتنافقوا في أمرِه، وقد علمتم أنه مبعوث إلى جميعكم، وجميع الأمم غيركم، فتخلطوا بذلك الصدق بالكذب".

وجاء في تفسير القرطبي: "لبستُ عليه الأمر ألبسه إذا مزجتَ بيِّنَه بمُشكِلِه، وحقَّه بباطلِه... والباطل في كلام العرب خلاف الحق"، وهو مقارب لقول الشوكاني: "واللبس: الخلط، يقال: لبست عليه الأمر ألبسه، إذا خلطت حقه بباطله، وواضحه بمشكله".

أما الزمخشري، فهو يضيف معنى آخر في تفسير الآية، فيقول: "المعنى: ولا تجعَلُوا الحق ملتبسًا مشتبهًا بباطلكم الذي تكتبونه"، وكذلك البيضاوي: "والمعنى: لا تخلِطُوا الحق المنزَّل عليكم بالباطل الذي تخترعونه وتكتمونه حتى لا يميز بينهما".

أما الرازي، فقد أوضح كيف يجري التلبيس، فقال: "ولا تلبسوا الحق بسبب الشبهات التي تُورِدُونها على السامعين... واعلَم أن إضلالَ الغير لا يحصُلُ إلا بطريقين؛ وذلك لأن الغير إن كان قد سمِع دلائل الحق، فإضلاله لا يمكن إلا بتشويش تلك الدلائل عليه، وإن كان ما سمعها، فإضلاله إنما يمكن بإخفاء تلك الدلائل عنه، ومنعِه من الوصول إليها...".

وعلى ضوء ما تقدَّم يكون معنى التلبيس: الخلط والتشبيه، والمزج واللاتمايز، ويكون معنى الآية: لا تخلطوا الحق بالباطل، فلا يتمايزا في أعين الناس، ولا تمزجوا الإسلام بالكفر فيشتبهَا عليهم، فلا يدري الناس الفرقَ بين الإسلام وما عداه، سواء وافقه أو خالفه أو ناقضه، وهو ما ينتج عنه اندثارُ حقائق الإسلام، وذَهاب تمايزه عن غيره في الفكر والمنهج والتشريع، وكيف لا تغيب حقائق الإسلام بعد هذا الكمِّ الهائل من الفتاوى التي تُبِيح التشريعات الوضعية والأنظمة الرأسمالية في الحكم؛ كالجمهورية والديمقراطية، وفي الاقتصاد؛ كشركات المساهمة، والبورصة، والربا، والتأمين، وفي الثقافة؛ كعلومِ السياسة والقانون والنفس والاجتماع والتربية.

إنه وإن كان الخطاب موجَّهًا لأهل الكتاب، إلا أن النهي عن إلباس الحق بالباطل وكتمان الحق، الوارد في الآية الكريمة - يشمل المسلمين؛ لأن الآية عامة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وإن كان علماء التفسير قد فسَّروا الآية بأنها نهيٌ لأهل الكتاب؛ لقيامهم - في عصر التنزيل - بخلط اليهودية والنصرانية بالإسلام، فقد وُجِد في هذا العصر مَن حمل فِرْيَة أهل الكتاب من المسلمين أنفسهم، بل ومن بعضِ مفكِّريهم ودعاتهم، فرأينا منهم مَن يحمل دعوة "أبناء إبراهيم"، وينادي بـ "حوار الأديان"، ويزعم أن أتباع هذه الأديان السماوية هم جميعًا مؤمنون - لا في وجهة نظره الشخصية، بل في نظر الإسلام - وأن عقائدهم متشابهة، وأصولهم الدينية واحدة، وشرائعهم متماثلة، وبذلك ألبَسوا على الناس دينَهم، حين خلطوا الإسلام بما سبقه من أديان سماوية محرَّفة.

وزاد الأمر فداحةً حين ظهر دعاة وعلماء ألبسوا الاشتراكية والديمقراطية والحريات الغربية ثوبَ الإسلام، وخلطوا بين هذه المبادئ والنُّظم الوضعية وما نادى به الإسلام من شورى وعدالة في توزيع الثروة وتحرُّرٍ من العبودية، كما نادوا بالمفاهيم القومية والنفعية؛ بدعوى أن العربية لغةُ القرآن، وبحجَّة أن الشرع راعى مصالح العباد، وتلقَّفوا كل ما راج من بضاعةِ الغرب الكاسدة، يسوِّقونها في بلاد المسلمين بدعوى أنها ﴿ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ﴾؛ لإزالة الوحشة منها في نفوس المسلمين، ونقَّبوا في تاريخ الأقدمين عن أَثارةٍ من علم؛ لإثبات وشيجةِ نسبٍ أو صلة رحم تربط بين الإسلام والحضارة الغربية.

هذا هو معنى خلط الإسلام بغيره، كما ورد في القرآن الكريم، وكما هو مشاهَد في واقع المسلمين، أما أثر ذلك على إدراك الفكر والتشريع الإسلامي، فهو فيما يتعلَّق بالشخصية الإسلامية أدَّى إلى اهتمام العاملين في مجال الدعوة الإسلامية - من مصلحين ودعاة، وجمعيات وجماعات - بإصلاح الأخلاق والعبادات لدى الفرد، دون ملاحظة أهمية تغيير طريقة التفكير لدى الفرد وعلاقاته المجتمعية.

لقد بنى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الشخصيةَ الإسلامية في الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - على العقيدة الإسلامية، لا بوصفها إيمانًا روحيًّا فحسب، بل بوصفها قاعدةً فكرية يجب جعلها أساسًا للتفكير في كل شأنٍ من شؤون الحياة، ومقياسًا لكل فكرة، ومرجعًا للسلوك وسائر التصرفات، بمعنى أن تُتَّخذ عقيدة "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وما جاءت به من أفكار وأحكام في القرآن والسنة مقياسًا لجميع الأفكار، فلا يعتنقُ الفرد فكرةً أو يقبل نظرية إلا بإخضاعِها لمقياس العقيدة الإسلامية، فينظر إن كانت نصوصُ الإسلام تقرها أم لا، فلا يحمل فكرًا يناقض عقيدته، مثل الديمقراطية أو المصلحية النفعية، وأن تُتَّخذ العقيدة كذلك بما جاءت به من أحكام الحلال والحرام مقياسًا لجميع التصرفات والعلاقات، فلا يُقدِم على فعل، أو يقيم علاقة تجارية أو اجتماعية أو تحالفات سياسية، إلا بعد معرفة حكم الشرع فيه، كما قال - عليه السلام-: ((لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تبعًا لِما جئت بِهِ))؛ (رواه الطبراني).

وأما فيما يتعلَّق بالمجتمع الإسلامي، فقد أدى خلط الإسلام بالفكر الغربي في مختلف شؤون الحياة، إلى طمس الصورة الحقيقية للإسلام - بوصفه نظامًا كاملاً، ومبدأً شاملاً للحياة - كما أدَّى إلى تشويه كيفية تجسُّده في عَلاقات المجتمع، بوصفه متفرِّدًا في تسيير فكر الناس ومشاعرهم، والمصدر الوحيد للنظام الذي يرعى شؤونهم، فصار المسلمون ودعاتهم يتصوَّرون المجتمعَ الإسلامي قائمًا على انتشارِ المساجد وكثرة المحجَّبات والمؤلَّفات، واستمرار الأحوال الشخصية (أي: ما يتعلق بالزواج والطلاق والنسب والوراثة وما شابهها) وَفْق أحكام الشريعة، مع بقاء سائر العَلاقات في الاقتصاد والسياسة والتشريع والتعليم والثقافة والإعلام والسياسة الخارجية، على غير أساس الإسلام، ويتحكَّم فيها الفكرُ الغربي الرأسمالي الذي يقوم على فصل الدين عن الحياة؛ أي: فصل الإسلام عن حياة المسلمين العامة، وحصره في المجال الروحي الأخلاقي، والتعبُّدي الفردي؛ ولذلك فمن الطبيعي مع هذا البناء الروحي والأخلاقي المجرد، الفاقد للعقلية الإسلامية المشبعة بفكر الإسلام وثقافته وتشريعاته، أن نرى مفكرين ومثقفين مثلاً يطالبون بتطبيق الدستور الوضعي، أو يَدْعُون للالتزام بالقانون الدولي، مع أنها دساتير وقوانين كفر، لا يجوز بنص القرآن أخذُها أو تطبيقها أو الاحتكام إليها، فكيف يتأتى لمن أصبح جزءًا من المشكلة التي تعاني منها الأمة أن يتمكَّن من إنهاضها بالإسلام كاملاً، عقيدة وشريعة، وتخليصها من آثار الاستعمار الثقافي والسياسي والاقتصادي؟!

أما فيما يتعلَّق بالدولة الإسلامية، فإنه مع إدراك بعض العاملين للإسلام لأهمية الوعي الكامل على الإسلام في بناء الأفراد والعمل الجماعي، وفي السعي لتغيير المجتمع، إلا أنه لا يسمح لها بدخول المجتمع وخوض العمل السياسي فيه للتأثير في النظام القائم، إلا بعد اعترافها بقواعد "اللعبة الديمقراطية" كما حدَّدها الدستور العلماني، والذي يقرِّر - كما أراد له المستعمر الإنجليزي والفرنسي ثم الأمريكي - الفصل التام بين مفهوم "الجمعية الدينية"، ومفهوم "الحزب السياسي"؛ بحيث يسمح للجماعات والجمعيات الإسلامية أن تعمل ضمن دائرة الدين بالمفهوم الغربي؛ أي: العقائد الروحية، والشعائر التعبُّدية، والشؤون الفردية، فإن أرادت جماعةٌ ما خوضَ العمل السياسي ودخول المجتمع عبر نَيْل الاعتراف من النظام القائم، فلا بد لها أن "تتخلص" ممَّا تحمله من أهداف ومعتقدات ومحرَّمات تتناقض مع العمل السياسي القائم على الديمقراطية التعددية والبراغماتية النفعية، وأن تعتنق - بوصفها جماعةً - عقيدةَ المجتمع ودستور النظام القائم فيه؛ ولذلك نرى لجوء العديد من الجماعات الإسلامية إلى تغيير مواثيقها ومناهجها، بل وأسمائها أحيانًا، حين تقرِّر العمل السياسي والمشاركة في الانتخابات البرلمانية أو المشاركة في الحكم، حتى إننا بِتْنا في السنوات الأخيرة نشهد بدعةً جديدةً في أوساط الحركات الإسلامية، وهي إنشاء أحزاب سياسية موازية للجماعة الأم، بَيْدَ أنها تقوم على مواثيق وبرامج علمانية صرفة، منفلتة من فكر الإسلام وحلاله وحرامه دون أدنى حرج، فشرعت تتولَّى عنها العمل السياسي بعُجَره وبُجَره، وتجلِبُ لها المَغْنَم، وتدرأ عنها المَغْرَم؛ ما أدَّى إلى انفصام في شخصية قادتها وأعضائها، وتناقض في خطابها، وازدواجية في هُوِيَّتها الذاتية، وقد آل هذا السبيل الْمُهلِك بهذه الجماعات إلى تضعضع قاعدتها الشعبية، وخسارة ثقة الأمة، وانقلاب النظام الحاكم عليها، وتنكر الغرب الديمقراطي لها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصدق الله - تعالى - حيث يقول: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾ [هود: 112، 113].