الكِلِبْتوقراطية

د. محمود نديم نحاس

د. محمود نديم نحاس

سألني صديقي: لماذا يتمسك الأسد بالكرسي إلى درجة إبادة الشعب؟ فأخبرته بأنه يدافع عن أملاكه! فنظامه نظام كِلِبْتوقراطي. والكِلِبْتوقراطية (cleptocracy, kleptocracy or kleptarchy) مصطلح يوناني مركب من مقطعين، “كلبتو” ويعني اللص، و“قراط” ويعني السلطة، فنظامه هو حكم اللصوص الذي يستخدم السلطة لسرقة واختلاس موارد البلد، ويراكم الثروة لأصحاب السلطة على حساب بقية الناس، بادعاء أو دون ادعاء السعي إلى تقديم خدمة لهم. وهذا النظام يكون بالضرورة ديكتاتوريًا أو استبداديًا. ومع ذلك فقد تظهر الكِلِبْتوقراطية في بعض النظم الديمقراطية التي انزلقت إلى الأوليجاركية (بالجيم المصرية) أو الأوليغارشية (Oligarchy) والتي تعني حكم القلة أو الأقلية!

وأفلاطون هو أول من أشار إلى الأوليجاركية في كتابه “الجمهورية” حيث قسّم أنظمة الحكم إلى ثلاثة أنواع هي: “جمهوريته” المثالية، والدولة الديمقراطية، والدولة الأوليجاركية. ثم جاء أرسطو وقال بأن الأوليجاركية تنتهي دوماً إلى الطغيان والاستئثار بالسلطة، دون رصيد جماهيري، لأنها تعتمد على دوائر التأثير في السلطة مثل رجال المال أو الصناعة.

قال صديقي: يا سبحان الله! لا أظن أن الأسد وأباه قد قرأ أحد منهما كتب أفلاطون وأرسطو، لكن ما جاء فيها تنطبق عليهما تماماً! فقلت: هو سلوك بشري يقوم به أي إنسان على غرار المثل: قيل لفرعون: ما الذي فرعنك؟ قال: لم يوقفني أحد.

قال صديقي: لقد قرأنا سابقاً أن الأسد الأب كان يراكم الأموال في حساب ابنه باسل في الخارج حيث كان يأمل أن يسلّمه الحكم من بعده. لكن لم يتسرب أي خبر مماثل عن تراكم الثروة لبشار!

قلت: بعد مقتل باسل وانتشار خبر فضيحة أمواله وفقدان نصفها حسب أنظمة ضرائب التركات في الخارج، اتّجه آل الأسد للسيطرة على اقتصاد البلد، لكن ليس بأسمائهم الصريحة إنما باسم رامي مخلوف وإخوته. ورامي هو ابن خال بشار، الذي لا علاقة له ظاهرياً بالسلطة، لكنه يسيطر على 60% من الاقتصاد السوري من خلال المزايا التي يحصل عليها، حيث يُقال بأنه يتمتع بإعفاءات تامة من الرسوم الجمركية، كما إن الأسد الأب عندما أراد توريث بشار السلطة، قام بتوزيع أصول الخصخصة لصالح أسرة مخلوف.

ورامي مخلوف الآن رجل أعمال وأكبر شخصية اقتصادية في سوريا، والمالك الرئيسي لشبكات الهاتف المحمول. وحسب رأي بعض الدول الغربية فإنه من كبار المستفيدين من الفساد في سوريا. ولديه العديد من المصالح التجارية والصناعية، والتي تشمل الاتصالات السلكية واللاسلكية، والنفط والغاز، والعقارات والتشييد، والخدمات المصرفية، والخدمات المالية للشركات، وشركات التأمين، والقنوات الفضائية، وبعض وسائل الإعلام المطبوعة، وشركات الدعاية والإعلان، وشركات الطيران، وشركات السياحة الفاخرة، والمتاجر الفاخرة، ومناطق التجارة الحرة، والأسواق الحرة، وبعض المؤسسات التعليمية، وشركات التجزئة، ووكالات حصرية لبعض السيارات وشركات التبغ الأجنبية. ووفقا لمحللين فإنه لا يمكن لأي شركة أجنبية القيام بأي عمل في سوريا دون مشاركته. ويُتهم بأنه يتلاعب بالنظام القضائي السوري، ويستخدم مسؤولي الاستخبارات السورية لترهيب منافسيه في الأعمال. هذا إضافة إلى أملاك كبيرة في الخارج.

قال صديقي: رجل بهذه الثروة لابد أنه كبير في العمر! فقلت: على رَسْلِك. كان في الثلاثين من عمره يوم استلم بشار السلطة! لكن جمع الثروة بالاختلاس واستغلال السلطة لا يحتاج لزمن. ويكفي أن تعلم أن موقع فوربس لم يسجل اسمه بين أغنياء العرب لتعلم أنه لا أحد يعرف مقدار ثروته!

سأل صديقي: وهل يراكم الثروة غيره؟ فقلت: كل المسؤولين يفعلون ذلك، كلٌّ حسب حجم مسؤوليته، وعن طريق رجال أعمال. والذي لا يفعل هو الشاذ. وتُروى قصة على سبيل الطرفة، أنه قيل للأسد الأب: إن فلاناً الوزير مازال يسكن في منزل مستأجر! فقال: لقد مضى عليه في الوزارة أربع سنوات، فكيف لم يدبّر أمره؟!. وربما لهذا السبب لم ينشق عن النظام السوري كثير من المسؤولين لأن مصيرهم مرتبط بمصيره. وللعلم فإن النظام يعرف حجم ثروة كل المسؤولين ويجابههم بها عند الضرورة فقط! فعندما اعترض محمود الزعبي، رئيس مجلس وزراء الأسد الأب، على فكرة توريث بشار السلطة، أزاحه الأب عن منصبه متهماً إياه بالفساد وسوء الإدارة، كما طرده من عضوية حزب البعث، ووضعه تحت الإقامة الجبرية في منزله، ثم قُتل بعد أن هدد بكشف صفقات الفساد والمتورطين فيها، لكن النظام ادعى أنه انتحر عندما جاءه قائد الشرطة ليسلمه إشعاراً قضائياً للمثول أمام قاضي التحقيق للرد على تهم الفساد المتعلقة بصفقة الإيرباص!.