اليوم هو السابع من نيسان ..

اليوم هو السابع من نيسان ..

عقاب يحيى

يوم يصعب أن يمر دون تذكّر ..

في السابع من نيسان عام 1947 عقد" البعث العربي" مؤتمره التأسيسي بحضور نحو مائة شخص معظمهم من الأساتذة وطلاب الجامعة، ودشنوا انطلاق ذلك التنظيم الذي سيلعب دوراً مباشراً، أو باستخدام يافطته، مهماً في الحياة العربية على العموم، وبلاد الشام والعراق على وجه الخصوص ..

ـ البعث بمبادئه، وشعاراته، ومحدداته.. اعتبر انه جاء رداً على التجزئة القسرية المفروضة في سايكس ـ بيكو، وهزيمة الجيوش والحكومات العربية في فلسطين 1948، وتكريس دولة الكيان الصهيوني رسمياً منذ ذلك التاريخ ..

ـ ولئن غلب عليه ـ عند التأسيس ـ الطابع الوحدوي، والخط العروبي، رغم ورود شعارات الحرية والاشتراكية.. فقد اعتبر نفسه حزباً قومياً بامتياز.. بكل تناوبات أفكاره الصحيحة، وبعضها الذي أصيب بلوثة التشدد والعنصرية.. وكان يؤمن بالديمقراطية والعملية الانتخابية التي شارك فيها، وبالدولة الجمهورية النيابية..والتغيير الذي يجري عبر ذلك.. لكن مياهاً كثيرة جرت وأدت إلى تغييرات كبرى.. وإلى أن يكون واجهة، ومن بعد ممسحة، لكل القذارات والموبقات..

ـ عندما حصل الاندماج بين البعث والاشتراكي العربي، وهي خطوة تاريخية نادراً ما تحدث بين الأحزاب، أصبح البعث العربي الاشتراكي بامتداد فلاحي كان يفتقر إليه، وأيضاً على صلة مباشرة بعديد الضباط الذين كان الأستاذ أكرم الحوراني قريباً منهم ..

ـ الإشكالية الأولى التي طبست فيها قيادة البعث : موافقتها ـ شبه المجبرة ـ أمام ضغط العسكر ـ على قبول الوحدة الاندماجية مع مصر. أكثر من ذلك : الانصياع لشرط عبد الناصر بحل جميع الأحزاب.. وتشكيل حزب فوقي تابع للسلطة.. وكان ذلك أول، أو أكبر زلزال داخل البعث أدى إلى تشققات كبيرة فيه لاحقته السنوات التالية وتركت أثرها البالغ عليه ..

                                                *****

يدين الكثير، وأنا منهم ـ  التفرد، وفكرة الحزب الواحد ـ القائد وما استتبعها ونتج عنها من أحادي، ونفي الآخر، ومصادرة الحريات الديمقراطية، ثم فرش الطريق للاستبداد المتغول الذي كرسه الطاغية الأكبر، ومفرخاته الفئوية والنهبية والإفسادية ..لكن لنقل أن تلك الأفكار كانت صناعة سوفيتية بالأساس لها فلسفتها ومبرراتها، خاصة في حرق المراحل للحاق بركب الدول المتقدمة، وموقع التخطيط الشمولي، ودور الأحزاب، وملحقاتها في المنظمات الشعبية التابعة لها في تعليب المجتمع وإدخاله مقسوراً قفص التصورات المسبقة.. بغض النظر هنا عن مقدار التغوّل، وطبيعة مجتمعات التخلف وأثرها ومفرزاتها، وتركيبة أحزاب وبنى " العالم الثالث" ومنتجاتها التي تبدو مناقضة تماماً للشعارات المرفعة.. عدا عن الخصوصية الاستنزافية بوجود الكيان الصهيوني ومن خلفه صهيونية عاتية لها تأثيرها الكبير في مجمل الدول العالمية، وموقع هزيمة حزيران في التجويف والنخر، وغير ذلك من عوامل بنيوية تعود بالأساس إلى قبول قيادة الحزب تغطية انقلاب عسكري وفرض تحوله إلى ثورة.. وثورة من طراز خاص محقونة بأطنان الشعارات، والنوايا.. والتزاحم العاطفي .

ـ البعث في سورية لم يكن بقدرة تحمل مسؤولية سلطة.. لكن قيادته انصاعت وأسبغت على انقلاب الثامن من آذار اسم البعث.. بينما الحقيقة تقول : ان العسكر، وفي معظم المراحل كانوا القوة الضاربة والمؤثرة، وأن مشاريع بناء حزب في السلطة، وصراعات " اليمين واليسار"، وعمليات التشقق كانت في جوهرها تعبيراً عن خلل بنيوي ركب على خطه العسكر بتوزعاتهم وخلافاتهم، ودورهم .

ـ الطاغية الأكبر : حافظ الأسد : المسؤول الأول والمباشر عن هزيمة حزيرن.. يكشف عن جوهر مزيف يناقض ألف باء المبادئ المرفوعة، وقضية الحزب والإيمان به، فداس بعنجهية القوة، والفئوية على  أعلى سلطة بالحزب ومرّغها وقراراتها بوحول فرديته، وطغيانه، ونرجسيته، ثم راح يعهّر ما تبقى في البعث من قيم ومبادئ عبر النخر والتجويف والازدواجية.. وفيث حين تبدو للرائي أن هناك حزباً اسمه البعث العربي الاشتراكي، بشعاراته، وأهدافه، وتراثه.. هو الذي يحكم ويطبق بقبضته الكلية على البلاد ورقاب الشعب والقضايا المطروحة.. فإن الحقيقة تقول : أنه كان أول وأكبر ضحايا الطاغية، وأكثر من تعرّض للتصفية، والنحر القصدي، والتفريغ، والإغراق بكل الأعداد المليونية وجيوش الانتهازيين والمنتفعين، وعتاة الجلادين واللصوص، والمافيوزين النهابين، وقتلة الحرية وحقوق الشعب.. وخونة القضايا الوطنية والقومية.. وأن ذلك البعث الذي قبلت قيادات التصنيع والمنافع تلطيخه قياماً وقعوداً كان لا حول ولا قوة.. ومجرد برقع مثقوب، ويافطة مهترئة، وأن الطاغية الأكبر لم يجتمع مرة واحدة بالمدعوة : القيادة القومية، وأن ضابطاً في جهاز مخابرات أهم من قيادات رنانة ليس لها سوى الصفة ..

ـ هنا يجب أن نسجل حقيقة قد لا يعرفها كثير.. أن مئات من المناضلين الذين كانوا مؤمنين بجوهر مبادئ البعث، والخط الوطني، ورفض الصلح مع " إسرائيل"، والانقلاب التفحيحي الملغوم الذي قاده الأسد في 13 تشرين الثاني عام 1970، وفي مقدمهم قيادات البعث والسلطة، وعلى رأسهم الدكتور نور الدين أتاسي ـ الأمين العام للحزب ـ رئيس الدولة ومعظم رفاقه.. قد قاوموا ذلك الانقلاب منذ ايامه الأولى، وكشفوا باطنه وغاياته، ودفعوا أثماناً غالية جداً.. وصلت إلى الشهادة، وإلى الاعتقال لما يقرب الربع قرن..أبوا فيها التنازل عن مواقفهم وقناعاتهم . كما أن أجيالاً متلاحقة ممن قاد وعمل في التنظيم والعمل السري.. بذلت جهوداً خارقة في مقارعة النظام على جبهات كثيرة، وتعرّض الكثير منهم للاعتقال عقوداً، وللتعذيب المميت، والهجرة القسرية والمطاردة، والحرب بلقمة العيش.. وأنجزوا كثيراً من عمليات المراجعة والنقد وتطوير الأفكار السائدة وبناء الجديد، خاصة في إسقاط مقولة الحزب الواحد ـ القائد بوقت مبكر، وطرح الديمقراطية والتعددية مخرجاً، وحاضنة، ونظاماً، وتجسيد ذلك في مشاريع العمل الجبهوي، وعديد الحوارات على مدى العقود، وإقامة " التجمع الوطني الديمقراطي" أواخر عام 1980 كمؤسسين فيه، ونسف التابوات السابقة في فتح حوارات مباشرة مع حركة الإخوان المسلمين، و"البعث القومي" وجميع القوى الوطنية السورية والدعوة لجبهة عريضة تضم كافة أطياف المعارضة ...

ـ البعث.. وقد حكم قطرين.. لم يكن بالحد الأدنى من أهدجافه وشعاراته، خاصة في المسألة الديمقراطية، والتعددية، والموقف من الإنسان وحقوقه، وقد أوغل نظام السد بعيداً في تلطيخه بكل أنواع القذارة حتى صار مجرد ذكر الاسم يرتبط لدى أجيال عديدة بالوصمة، والحقد، والاتهامات المعروفة، وكأنه هو المسؤول عن كل الخراب الذي عرفه مجتمعنا سابقاً، وعن الدمار والقتل والعنف وحرب الإبادة والتطويف التي يمارسها وريث الطاغية.. وقد كان التوريث بحد ذاته طعنة نجلاء لجوهر البعث، وتخلياً عن أهم أعمدته : القيادة الجماعية، وبناء دولة الحق، والتقدم، وتجاوز الطائفية والإقليمية والجهوية.. ومخلفات قرون التخلف ..

ـ البعث للمؤمنين به.. بل الاتجاه القومي برمته يحتاج إلى مراجعة نقدية شاملة، وإلى شجاعة المؤمنين بهذا الخط ليس لنقد القائم من السلطات وممارساتها وحسب، ولا إعلان التبرؤ من جرائم الطغمة القائمة وما تقوم به من فعل إبادي وطائفي وتدميري منظم فقط.. بل وتناول جوهر الأفكار التي اعتبرت سابقاً كمسلمات.. كمفهوم الأمة، والوحدة، والرسالة الخالدة، والاشتراكية، والأقليات القومية، والديمقراطية، وفلسطين، وكثير من أمهات القضايا التي تطرق الرؤوس بواجب التصدي للماضي وبناء خطاب جديد يتقاطع مع الوقائع والتطورات من جهة، ويبني جسور التواصل مع الأجيال الجديدة من جهة أخرى ..