قراءة في الانتخابات المصرية

قراءة في الانتخابات المصرية

منير شفيق

من يتابع الأوضاع في مصر ما بعد الثورة التي أطاحت بحسني مبارك وبعض من بطانته، يجد نفسه مضطراً على تصحيح قراءته الجديدة، لا سيما قبيل نشر نتائج الانتخابات الرئاسية في مرحلتها الأولى.

أكثر من قرؤوا مناخات الرأي العام قبل الانتخابات يفترض بهم أن يصحّحوا قراءاتهم، فالقليلون من غير الإخوان المسلمين توقّعوا أن يصل محمد مرسي على المرتبة الأولى بنسبة الحصول على 25 بالمئة من الأصوات، وذلك في ظروف منافس إسلامي ثقيل الوزن هو عبد المنعم أبو الفتوح، مضافاً إليه دعم حزب النور السلفي، فالبعض حَكَمَ بأنّ الإخوان المسلمين خسروا كثيراً من شعبيتهم لعدّة أسباب كانوا ينكرونها، وفي مقدّمها قرارهم بالمشاركة من خلال مرشح إخواني في الانتخابات الرئاسية بعد أن سبق وأعلنوا عن عدم ترشيح ممثل عنهم، كما تقدّمهم بمرشح احتياط بعد أن ألغى قرار ترشيح خيرت الشاطر. وقد بالغوا في الحديث عن افتقار مرسي للشعبية، وصولاً إلى انتقاء صورة له يبدو غامضاً فيها.

هؤلاء حاولوا بسطحية تضخيم هذين الإنتقائين، مضافاً إليهما استعادة انتقادات قديمة ضدّ الإخوان سُحِبَت من الجعبة، وهم بهذا تجاهلوا بأنّهم يتعاملون مع حركة إسلامية تاريخية ضاربة الجذور في مصر، وقد استعصت على الانقسام، وصمدت في أحلك الظروف، ولم تستطع شعبية عبد الناصر الكاسحة أن تقضي عليها.

أثبتت حركة الإخوان المسلمين في مصر بأنّها قوة شعبية هائلة تستطيع أن تصمد أمام كل ذلك الحشد الذي واجهته في المعركة الانتخابية الأخيرة، فقد اجتمعت عليها مختلف التيارات المتنافسة في تلك الانتخابات، فكانالنصيب الأكبر من النقد والتشهير الذي مارسه المتنافسون ومناصروهم في تلك الانتخابات من نصيب الإخوان. وذلك بالرغم من أنّهم لم يقصّروا في نقد بعضهم بعضا، وذلك بالرغم أيضاً من خطأ يرتكبه تيار قبطي بالاعتقاد أنّ الإخوان المسلمين سوف ينحازون ضدّهم أو يهمّشونهم إذا ما تسلّموا السلطة، وهو اعتقاد يجب أن يعيدوا النظرفيه، إذ قد تثبت الأيام أنّ الإخوان سيكونون الأكثر حرصاً، وربما مراعاة من حيث التعامل مع الأقباط وحتى مع العلمانيين واليساريين ممّن يناصبونهم العداء.

بكلمة، لقد دلّت تجربة الانتخابات الأخيرة بأنّ الإخوان المسلمين في مصر أكثر من مجرّد حركة إسلامية دعوية، وسياسية واجتماعية، فهي أقرب، إلى جانب سمتها حركة دعوية، أو حركة سياسية أو اجتماعية، لأن تكون مكوّناً من مكوّنات الشعب المصري بسبب عمق ترسُّخها التاريخي في المجتمع طوال ثمانين عاماً.

ولهذا ما ينبغي للقوى السياسية والمكوّنات الإجتماعية الأخرى أن تُناصِبَ الإخوان العداء وتعمل على إسقاطهم من المعادلة، وإنّما أن تنفتح عليهم وتصل وإياهم إلى كلمة سواء في تحقيق أوسع جبهة لحكم مصر في عهدها الجديد، ومن ثم النهوض بها وإطلاقها لتمثّل دورها القيادي عربياً وإسلامياً وإفريقياً وعالمياً ثالثياً. وما مَثَل مصر في عهود الظاهر بيبرس وصلاح الدين الأيوبي، ومحمد علي، وجمال عبد الناصر ببعيد.   

إنّها الجبهة العريضة التي يتّحد فيها الجيش والإخوان والناصريون والسلفيون والمستقلون واليساريون والتيارات القبطية المنفتحة على الإسلام والمسلمين والأكثر أصالة مصرية وعروبية، وهذه الجبهة لا تتحقق من دون التقاء تلك القوى والمكوّنات، ممّا يفترض إيقاف حملات العداء والحذر ضدّ الإخوان.

على أنّ قراءة دقيقة لنتائج الانتخابات من خلال النسب التي حازها المتنافسون، تفرض على الإخوان المسلمين بدورهم أن يعيدوا قراءتهم للواقع المصري ما بعد الثورة، بل ما بعد الانتخابات التشريعية كذلك. ولعل أول ما يجب أن يدركوه بأنّهم لا يستطيعون الانفراد بالسلطة، أو الاستئثار بها، أو الظن بأنّ لهم نصيب الأسد فيها حتى لو حازوا على أغلبية كبيرة في المجلسين أو فازوا في الانتخابات الرئاسية في الدورة الثانية.

إنّ نسبة 25 بالمئة من الأصوات هي أكثر تعبيراً وتدليلاً على قوّتهم الذاتية المنفردة من نتائج الانتخابات فيالمجلسين، وأكثر تعبيراً من نتائج الانتخابات الرئاسية في دورتها الثانية عندما تصطفّ القوى ما بين محمد مرسي وأحمد شفيق.  

بل إذا أراد الإخوان المسلمين أن يلعبوا دوراً قيادياً في النهوض بمصر، وعلى مستوى أبعد من مصر، يجب أن يبتعدوا عن الاستئثار بالقيادة والسلطة حتى لو كانت قوّتهم الذاتية تغطّي 75 بالمئة من القوّة التصويتية، لأن هنالك مقاييس للقوّة الحقيقية في المجتمع تتعدّا صناديق الاقتراع، مثلاً الجيش والقوى الاقتصادية والمسجد والكنيسة والمكوّنات الاجتماعية المختلفة، حتى المهمّشة منها، ولا ننس مشاهدي كرة القدم أو الأدباء والفنانين. فالحصيف هنا ينبغي له أن يضع في حسابه كل من يقف معه أو يعارضه، حتى لو كان فرداً أشعث أغبر.

ثم يجب التذكر أنّ الثورة انفجرت لأن الأوضاع وصلت إلى ما يشبه الحضيض، وأنّ مهمة النهوض بمصر والأمّة العربية على الخصوص (بسبب تجزئتها وزرع السرطان الصهيوني فوق أرضها) تحتاج إلى تضافر كل الجهود، وتحييد من لا يمكن كسبهم من مناصري العهد البائد، وقد دلّت الانتخابات أنّ نفوذه ما زال قوّياً ولا يجوز الاستهتار به.

هذه الحاجة: تضافر كل الجهود، لا تتحقق إلاّ إذا ارتفع الوعي من مستوى الوعي الحزبي الضيّق والوعي الفئوي المحدود إلى مستوى الوعي الجبهوي الشعبي العريض، حيث يصار إلى تحقيق نوع من الإجماع الوطني، غير قائم على أساس الأغلبية والأقليّة، البرلمانية، وإنّما على أساس عقد اجتماعي يترجم نفسه بالدستور وبالإستراتيجيةالخارجية وثوابت النظام الداخلي، ثم بعد ذلك يمكن أن يقوم التنافس من خلال صناديق الاقتراع، وما يسمّى بحكم الأغلبية كما في النمط السائد في الغرب. وبالمناسبة هذا النمط لا يصلح لشعوب في مرحلة النهوض والوقوف على القدمين، لأن هذه المرحلة بحاجة إلى تشكّل أوسع الجبهات، وإلى تقاسم السلطة والتشارك في السرّاء والضرّاء، فالصعوبات التي تنتظر مصر في عهدها الجديد أكبر بكثير من أن يتصدّى لها بضعة أحزاب، إنّها بحاجة إلى الشعب بكل مكوّناته وبحاجة إلى تأييد الأمّة العربية والإسلامية، فالتحديّات هنا داخلية وخارجية، والخارجية أشدّ خطراً كما دلّت التجارب المعاصرة، ولا ننس العدو مغتصب فلسطين.

من هنا ينبغي للإخوان المسلمين أن يتعلّموا من درس الانتخابات الرئاسية الأولى بالقدر نفسه الذي ينبغي أن يتعلم منه المتنافسون الآخرون كما مرّ ذكره، وذلك من خلال حسن التقاسم والتشارك وتشكيل الجبهة العريضة.

وبهذا تكون الثورة في مصر قد أخذت تؤتي أكلها.