أربعون يوما على رحيل القاسم

جميل السلحوت

[email protected]

تمر هذه الأيام أربعون يوما على رحيلك يا جرمق الشعر العربي يا سميح القاسم، وكثير من قرائك ومحبيك لا يصدّقون أنّك رحلت يا سميح! والسّبب بسيط جدا وهو أنّك باق بينهم روحا وشعرا وخلودا، وهذا ما قلتَهُ لهم يا أبا وطن، ألم تقل بعد وفاة صديقك الشاعر الكبير محمود درويش" الشعر لا يموت وإن مات الشّعراء" وهذا يعني أنّ الشّعر يخلّد شاعره، وأنت من الخالدين بأشعارك وبسيرتك ومواقفك المبدئية النبيلة، فأنت "لم تساوم" وكنت مقاوما في شعرك وفي مواقفك، لأنّك رضعت حليب العزة والكرامة، ولم تقترب من حليب الغرباء. فكنت الشاعر والمعلم والقائد الكبير. 

أتذكر يا أبا وطن أنّك القائل:

"كم أتمنى أن أكون على قيد الحياة

يوم تنتصر ارادة شعبي في الحياة

لأعَلّم العالم كله كيف يكون الفرح"

وكنت واثقا من أن إرادة شعبك ستنتصر، وهذه حتميّة تاريخية، فرغم غيابك جسدك الذي يراقب ما يجري من سفح جبل حيدر حيث ترقد، فإن شعبك سيشركك بفرحه يوم تتحقق ارادته بالنصر وحقه في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة بعاصمتها القدس الشريف. وشعبك يا سميح تعلم الدرس منك وأنت تسخر من الغزاة في رسالتك "إلى غزاة لا يقرأون" والتي كان مطلعها:

"تقدموا 

تقدموا 

كل سماء فوقكم جهنم 

وكل ارض تحتكم جهنم 

تقدموا"

صحيح أن الغزاة لا يقرأون التاريخ ولا يتعلمون منه، لكن شعبك الذي أحببته وأحبّك تلقف الرسالة و"ناطح المخرز بالكف" وتلقف قصيدتك وجعلها نشيده وهو يصدّ العدوان منتصب القامة كما أنت يا أبا "محمد وطن"

"منتصبَ القامةِ أمشي مرفوع الهامة أمشي 

في كفي قصفة زيتونٍ وعلى كتفي نعشي 

وأنا أمشي وأنا أمشي.... 

قلبي قمرٌ أحمر قلبي بستان 

فيه فيه العوسج فيه الريحان 

شفتاي سماءٌ تمطر نارًا حينًا حبًا أحيان.... 

في كفي قصفة زيتونٍ وعلى كتفي نعشي 

وأنا أمشي وأنا أمشي"

 أبا محمّد يا ابن الشعب الذي ما انحنى رغم كلّ المحن وكل الجرائم التي مورست بحقه، هذا الشعب الذي حملت همومه في مراحل عمرك المختلفة، وصعدت روحك الى السماء وأنت تتابع "محرقة غزّة" لم ينس مواقفك العظيمة والمبدئية والانسانية، فكان رحيلك فاجعة فوق الفواجع التي حصلت في قطاع غزة الذّبيح وأنت على فراش الموت، هذا الموت "الذي لا تحبّه ولم تخف منه" رغم عشقك للحياة، باختطافه لروحك الطاهرة جعل مأتما في كلّ بيت فلسطينيّ، وفي بيوت محبيك في عالمك العربيّ الذي أحببته وأحبّك، فبكتك الملايين. وأحيوا ذكراك في مختلف العواصم.

فهل وصلتك الأخبار يا سميح بأنّ تأبينك لم يقتصر على العواصم والمدن الكبيرة، بل تعدّاها الى قرى من وطنك ربّما لم تسمع بها ولم تدخلها جسدا، لكنّك دخلتها شعرا وروحا مقاومين؟ 

فيا شاعر الجبل والصحراء وفارسها ستبقى خيولك تصهل من المحيط الذي كان هادرا الى الخليج الذي كان ثائرا، وستجوب الكون حاملة هموم شعبك وقضيتك، فنم قرير العين فأنت لم ولن تغيب.