"داعش" و"الأربعين حرامي"

"داعش" و"الأربعين حرامي"

م. محمد عادل فارس

[email protected]

لم نجد في الأسابيع الأخيرة خبراً يطغى على أخبار داعش، فقد قفزت أخبار هذا "التنظيم – الدولة" إلى مقدمة الأخبار الإقليمية، بل صار خبراً عالمياً، مع أن الفعاليات الشعبية والتشكيلات العسكرية في سورية ما فتئت، منذ أكثر من سنة، تبدي قلقها وتخوّفها من تغوّل هذا التنظيم. فما سرّ التصعيد الأخير في شأن داعش؟ بل ما حقيقة داعش؟!. وبالمناسبة فإن كثيراً من أهالي محافظة الرقّة ابتهجوا لانتصار داعش على قوات الأسد في مطار الطبقة. وهؤلاء الأهالي أنفسهم كانوا يتبرّمون بداعش ويستغيثون من تصرفاته.

أسهل إجابة أن يقال: إن داعشاً هو صنيعة نظام بشار أسد أو نوري المالكي أو قاسم سليماني... ثم يؤتى بأدلّة على ذلك، بأن هذا التنظيم يرتكب الجرائم التي تخدم النظام المجرم، أو أن معاركه لم تكن مع النظام بل مع الفصائل التي تحارب النظام...

لكن الجواب السهل ليس هو بالضرورة الجواب الصحيح.

لنعُدْ إلى البداية. قبل أكثر من سنتين، ظهر في ساحة الجهاد السورية تنظيم جبهة النصرة، وكان أبناء شعبنا يُثنون على شجاعة أفراد هذا التنظيم، وعلى نظافتهم كذلك، إلا أنه كانت تنِدّ – بين الحين والآخر- كلمات على ألسنة بعض هؤلاء الأفراد، تدلّ على خطر مستقبلي، فقد كان هؤلاء يقولون لبعض فصائل المعارضة: متى انتهينا من نظام  بشار أسد سيأتي دوركم!.

تطوّر الأمر بعد ذلك، وانشقّت مجموعة من الجبهة لتشكّل ما عُرف اختصاراً باسم "داعش"، وهو تنظيم يحمل صبغة التطرف الكبير، وتُنسب إليه الجرائم الشنيعة... بمقابل أن جبهة النصرة مالت نحو الاعتدال، وكأن العناصر الأكثر غلوّاً  قبل الانفصال قد التحقت بداعش.

وبتزايد بطش النظام واستخدامه صواريخ سكود والبراميل المتفجّرة والسلاح الكيماوي... مع تقاعس القوى العالمية عن كبح جماحه... بدأ بعض المسلمين، من دول إقليمية وأوروبية، يتوافدون إلى سورية مناصرةً لشعبها الذي يجاهد نظاماً بلغ الغاية في الإجرام. وكانت جبهة النصرة أكثر الفصائل المسلحة استقبالاً لهؤلاء "المهاجرين"، وكان هذا الاستقطاب يترافق مع عملية غسل الدماغ لهؤلاء حتى يكونوا الأكثر إقداماً على تنفيذ أي عملية يؤمرون بها!.

إن الاحتقان المتزايد في نفوس أبناء سورية نتيجة الظلم الذي مارسه عليهم النظام، وإقصائه الإسلام والمسلمين... ثم تقاعس القوى الإقليمية والعالمية، بل تواطؤها... شكّل ظروفاً موضوعية لنشوء جبهة النصرة ونموّها، ثم نشوء داعش وتمدّده. فبقدر الغلوّ في الحرب على الإسلام، ينشأ تيار شديد التطرّف يدافع عن الإسلام. ولا يتعارض هذا مع ارتكاب جرائم على يد هذا التيار، لا يرضى عنها الإسلام، إذ لا يشترط أن يكون ردّ الفعل متّصفاً بالعلم والحكمة، بل كثيراً ما يترافق الغلوّ مع تصرّفاتٍ تسيء إلى المقصود.

ولم تكن مخابرات بشار أسد، ومخابرات نوري المالكي، وغيرهما كذلك، بعيدة عما يجري، بل عملت كل جهة على زرع عناصر لها في داعش، فالأمر لا يحتاج إلا إلى تهيئة بسيطة: تطويل اللحية، والقدرة على التمويل، والتظاهر بالغيرة الشديدة على الإسلام وإقامة دولة الخلافة، مع جرأة على الفتوى بتكفير من خالفهم وإهدار دمه...

وكلما استطاع التنظيم أن يبسط نفوذه على منطقة، وينتقم ممن خالفه، ويزهق أرواحهم، وقد يقتل الطفل والشيخ والمرأة، ويحصل على الغنائم... أقبل إليه أفراد من أبناء الشعب يتزلفون إليه طمعاً بما عنده من مال وسلاح، وطلباً للأمان عنده مما ارتكبه بعضهم من جرائم تعرّضهم للمحاكمة أمام المحاكم الشرعية الثورية، وخوفاً من بطشه... ولا يلبث هؤلاء أن يتأثّروا بفكر هذا التنظيم، قليلاً أو كثيراً.

*****

بهذا يظهر أن لهذا التنظيم أربعة مكوّنات:

الأول: أناس مخلصون لفكرهم، يريدون إسقاط بشار أسد وزمرته، وإقامة دولة الإسلام... لكنّ فكرهم أقرب إلى فكر الخوارج، يتجرؤون على الفتاوى التي تكفّر من خالفهم وتستبيح دمه... حتى إن عدداً من زعماء "القاعدة" ومفكريها استنكروا هذا الفكر المتطرف لداعش.

الثاني: المهاجرون الذين تمتلئ قلوبهم حماسة لمؤازرة شعب يجاهد ضد الطاغوت... لكنهم قليلو الفقه، لا يكادون يحصّلون شيئاً من العلم الشرعي، ولا يعرفون، إلا النزر اليسير، عن شعب سورية وأرضها... فإذا قال لهم قائل: أهل هذه البلدة كفار مرتدّون، قبِلوا أن يقودوا سيارة مفخّخة أو محمّلة بالمتفجرات ليدمّروا تجمعاً وسط أهل هذه البلدة. وهم ينفّذون المهمّات الصعبة بشجاعة عظيمة، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

المكوّن الثالث: وهم أولئك الذين التحقوا بهذا التنظيم رغباً ورهباً، ثم تأثروا بأفكاره وتوجّهاته قليلاً أو كثيراً.

المكوّن الرابع، وهو أكثرها سوءاً، أولئك الذين جنّدتهم أجهزة المخابرات الإقليمية والمحلية، واخترقوا ذلك التنظيم بقصد الإساءة إلى الإسلام والثورة معاً. ولا يبعُد أن يكون بعض هؤلاء قد وصلوا إلى مواقع قيادية في التنظيم، يزاودون على أفراد المكونات الأخرى، ويرتكبون الجرائم التي تثير التقزّز... ويزعمون أنهم إنما يفعلون ذلك حميّة لدين الله!.

وبمعرفة هذه المكوّنات نستطيع أن نجيب على بعض التساؤلات:

- لماذا يكفّ جيش بشار عن قتال هؤلاء وقصف مواقعهم فترات كثيرة؟

- وهل ينسحب جيش بشار أمام تقدم داعش نوعاً من التمثيل، وإضفاءً لصفة الشرعية والبطولة على هذا التنظيم؟

- وما مصادر تمويل هذا التنظيم؟

إلى غير ذلك من التساؤلات.

وبمعرفة ما ذكرنا من المكونات تسهُل الإجابة. فنظام بشار أثبت عجزه عن القتال على مختلف الجبهات، ولولا الدعم بالمال والسلاح والمقاتلين والمستشارين من إيران والمالكي ونصر اللات... لما استطاع أن يقف على رجليه، وضعف بشار وجنده يجعلهم عاجزين عن قتال داعش في كل وقت، فحين تكون المعارك محتدمة بين داعش وفصائل من الجيش الحر يتفرّج نظام أسد شامتاً ومسروراً إذ يرى فئتين من أعدائه تقتتلان، ولا يبالي أين تقع الضحايا؟. أما إذا استتبّ الأمر لداعش في منطقة ما، وبدأ يحشد قواه نحو المناطق التي ما يزال نظام أسد يحتلّها... فهنا يحدث الاقتتال الحقيقي. وما يكاد يمرّ يوم واحد منذ شهرين إلا وهناك معارك بين داعش والنظام، وقصف بالطيران وقتلى من الفريقين.

وبهذا نكون قد أجبنا على بعض التساؤلات:

فالنظام يكفّ أحياناً، بل في أحيان كثيرة، عن قتال داعش، إما لضعفه عن فتح جبهات متعددة، وإما لأن داعشاً منشغل بقتال بعض الفصائل، فكأن هذا التنظيم، في هذه الحال، يقاتل نيابة عن النظام، ولا مصلحة للنظام في قتاله.

والنظام حين ينسحب أمام داعش فلأن جنوده لا يملكون الروح المعنوية القادرة على قتال أناس أصحاب عقيدة، مهما كان في هذه العقيدة من غلو وجنوح، بل إن الغلوّ مدعاة لمزيد من الإقدام.

وأما الموارد المالية واللوجستية لدى التنظيم فمعظم مصادرها معروف. ففي الأشهر الأولى من قيام هذا التنظيم جاءه المدد من بعض الأثرياء الذين أحسنوا به الظن، وربما جاءه مددٌ عن طريق العناصر التي دسّتها أجهزة المخابرات المحلية والإقليمية، فكان هذا المدد شهادة حُسن سلوك، وتمكيناً لهم لتحقيق الأهداف التي رسمتها لهم تلك الأجهزة.

ومنذ الشهور الأولى كانت أعين قادة هذا التنظيم موجّهةً نحو الأهداف الأسهل، أقصد تحرير الأراضي المحرّرة!، ونحو مصادر الثروة كصوامع الحبوب ومصافي النفط، وهو ما يمثّل نوعاً من التخطيط والنظر البعيد، من ناحية، ونوعاً من الانتهازية السياسية كذلك.

وهذه العقيدة، وهذه الموارد، مكّنت التنظيم من تحقيق انتصارات. والانتصارات تجلب انتصارات. وكل عملية ناجحة تجلب له غنائم من مال وسلاح، وترفع الروح المعنوية لأعضائه، وتكسبه تأييداً شعبياً. وكان الانتصار الذي تحقق في تحرير الموصل وغيرها من عصابة المالكي، وقد شارك فيه هذا التنظيم، قد جلب له كمّاً هائلاً من الغنائم.

ولا يفوتنا هنا أن نذكر بالمقابل أنّ ما يرتكبه التنظيم من جرائم بحقّ أبناء شعبنا يجعله الخاسر الكبير على الرغم من المكاسب المذكورة آنفاً.

والحديث عن داعش ذو شجون. ونكتفي فيما يأتي بنظرتين:

الأولى نحو هذا التنظيم وأعضائه: لا شك أن معظم أعضاء هذا التنظيم مخلصون. لكن الإخلاص لا يُغني عن الصواب. أليس في هؤلاء رجلٌ رشيد يُبصّر إخوانه بحقيقة ما يجري، ويُبيّن لهم أنهم يقتُلون من أبناء هذا الشعب الذي يحب الله ورسوله ويقاوم الكفر والظلم... أكثر مما يقتلون من المجرمين؟! وأن دم المسلم ثقيل في ميزان الله؟! وأنهم بأفعالهم هذه، يسيؤون إلى الإسلام الذي ينسبون أنفسهم إليه، وإلى الثورة التي لحقوا بها؟!

الثانية: من حقنا أن ننظر نظر الريبة نحو القوى العالمية والإقليمية التي وحّدت كلمتها في حرب داعش. فهل فعلت ذلك حقناً لدماء المسلمين الذين تقتلهم داعش؟. لو كان الأمر كذلك فلماذا لم تتحرك هذه القوى حين كانت معظم معارك داعش ضد الشعب الآمن، وضد التشكيلات التي تقاتل النظام، بل لماذا لم تتحرك ضد بشار وجنوده الذين قتلوا وشرّدوا الملايين من أبناء سورية؟! لقد جاء تحرك هذه القوى حين صارت معارك داعش مع النظام وتمكّنت من دحره في عدد من المواقع المهمة.

ثم هل هي تقاتل داعشاً لتعيده إلى الاعتدال أم أنها تتخذ من هذا القتال ذريعةً لإحباط أي مشروع إسلامي؟ فبحجة قتال داعش تمنع السلاح عن الفصائل التي تحارب نظام بشار، وبحجة هذا القتال تحارب "الفكر الجهادي" جملةً وتفصيلاً.

إن الغلوّ في حرب الإسلام والمسلمين هو الذي ولّد الغلوّ الذي يتمثّل اليوم في داعش. ولو أن القوى التي نشطت اليوم في حرب داعش قد قدّمت بعض الدعم للشعب السوري الذي نهض يطالب بحقوقه لما طال أمد المعركة، ولما وُجد داعش أصلاً، ولو وُجد فلن يجد التربة الخصبة التي ينمو فيها ويمدّ أغصانه يمنةً ويسرة.

لقد حاورت بعض أعضاء جبهة النصرة، وهم فكرياً لا يختلفون كثيراً عن داعش، فكنت أقول لهم: إنّ الجهاد حق، والسعي لإقامة حكم الله في الأرض حق، لكنّ لكل أمر مقدماته ومقوّماته وشروطه، وإنّ القفز نحو تحقيق الأهداف من غير التمهيدات الضرورية يخرّب ولا يبني. وذكرتُ لهم أن رجلاً قال لعليّ بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، سِرْ بنا على سيرة أبي بكر وعمر [كأنّ هذا الرجل لا يرضى عن سيرة عليّ!]، فقال له عليّ كرّم الله وجهه: ويحك. عندما كان أبو بكر وعمر أميرين للمؤمنين كنتُ أنا وزيرهما، وعندما أصبحتُ أميراً كنت أنت وأمثالك من وزرائي.

أي كيف تريدني أن أسير السيرة المثلى، والناس لا يتمثّلون معاني الإيمان بالمستوى العالي؟

وكيف إذاً يمكن أن نقيم دولة الخلافة الراشدة على شعبٍ عاش خمسين سنةً تحت كابوس البعث الطائفيّ؟!.

أقول: عندما حاورتُ بعض أعضاء النصرة كانوا يقتنعون بما أقول، أو – في أقل تقدير- كانوا يرون أنه كلامٌ قابل للتفكير والنقاش وإعادة النظر.

إنها دعوة للعقلاء أن يتفكّروا في حقيقة ما هو قائم، وأن يعلموا أن الخطوات الأولى في العلاج إنما هي في الحوار البنّاء ونشر الفكر القويم كما كان عليه جمهور السلف الصالح ومن تبعهم على مر العصور.

المطلوب من العقلاء في داعش أن يعيدوا النظر في مواقفهم حتى لا يسيئوا إلى الإسلام وإلى الثورة وإلى أنفسهم... وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وحتى لا يعطوا ذريعةً للقوى الشعبية والعالمية أن تتوحّد ضدهم.

والمطلوب من أبناء شعبنا أن يكونوا على حذر وأن يوجّهوا سلاحهم نحو بشار وجنده، ولا يدخلوا معركة مع داعش إلا بقدر الدفاع وحين لا يجدون مندوحة عن ذلك، وأن لا يثقوا بمواقف الدول الغربية فإنها لن تدافع عن الشعب، بل قد تتخذ من قتال داعش ذريعة لقتل كل من ترغب بقتله.

اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فخُذ بيده إلى كل خير، ومن أراد بالإسلام والمسلمين غير ذلك فخذه أخذ عزيزٍ مقتدر. اللهم وحّد كلمة المجاهدين واجمع كلمتهم على ما يرضيك عنهم، وانصرهم نصراً مؤزراً.