بين الشورى والديمقراطية المعاصرة

دندل جبر

1- الديمقراطية المعاصرة

نشأة الديمقراطية المعاصرة:

إن البداية التاريخية لنشأة الديمقراطية قبل انشطارها إلى تعريفين: ديمقراطية تقليدية وديمقراطية معاصرة، كان في عصر الأنوار في أوروبا، وقد اختلف الباحثون في تعريف هذه الديمقراطية الناشئة، فبعضهم يعتبرون أن الديمقراطية هي عبارة عن مذهب سياسي، وهي ما يمكن تسميته بالديمقراطية التقليدية التي مرّ ذكرها، بينما عرّفها آخرون بأنها شأن إجرائي وهي ما تسمى حالياً بالديمقراطية المعاصرة.

جوهر الديمقراطية المعاصرة:

إن جوهر هذه الديمقراطية هو آليات ووسائل إجرائية لتحقيق أهدافها وهذا "الجوهر للديمقراطية المعاصرة أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم، وألا يفرض عليهم حاكم يكرهونه أو نظام يكرهونه، وأن يكون لهم الحق بمحاسبة الحاكم إذا أخطأ، وحق عزله إذا انحرف، وألا يساق إلى اتجاهات ومناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يرضون عنها.

وقد وجدت البشرية لهذه الديمقراطية أساليب عملية مثل: الانتخاب والاستفتاء العام، وترجيح حكم الأكثرية، وتعدد الأحزاب السياسية، وحق الأقلية في المعارضة، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء... إلخ" (انظر: فتاوى معاصرة – الدكتور يوسف القرضاوي – ج2 – ط2 – 1414هـ - 1993م – دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع – المنصورة – ص637-638).

ووصول الحاكم إلى السلطة في هذه الديمقراطية هو انعكاس لإرادة المحكومين... كما أن بقاءه فيها رهن هذه الإرادة... وكل ذلك يجري بطريقة سلمية وانسيابية لا تدخل المجتمع في صراعات عنيفة، ولا تقوده إلى انقسامات حادة تؤدي إلى إحداث الخلل في فعالياته العامة.. ويعني ذلك تداول السلطة سلمياً.

تطور الديمقراطية المعاصرة:

من أهم مراحل تطور هذه الديمقراطية في الحرب العالمية الثانية وخصوصاً عام 1942م حين أصدر جوزيف شومبيتر كتابه الشهير (الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية) الذي أعلن فيه رفضه للتعريف الكلاسيكي للديمقراطية (أي تعريف الديمقراطية التقليدية الذي هو حكم الشعب) والذي كان سائداً في القرن الثامن عشر، بحيث أصبح الاتجاه الغالب في تعريف الديمقراطية هو ذلك الذي يربطها بصورة تكاد تكون كاملة بالانتخابات، بحيث صار ينظر إلى الديمقراطية باعتبارها مجموعة وسائل لإقامة السلطة ووضعها تحت طائلة المسؤولية.

وهناك آليات فرعية تنتج عن التعددية – التي نتجت عن التنافس في الانتخابات– منها صيانة حق المعارضة ومشروعيتها.

وآليات فرعية تنتج عن منظومة الحقوق والحريات العامة في هذه الديمقراطية ومنها:

1- حق المساواة.

2- حق الحياة – حق الأمن وحق المشاركة في الحياة السياسية – حق الملكية وحق العمل.

3- حرية العقيدة وحرية الرأي وحرية التنقل وحرية المسكن. (انظر: الديمقراطية بين العلمانية والإسلام – الأستاذ محمد عبد الجبار – دار الفكر – دمشق – ص136 – 143).

الديمقراطية المعاصرة منهج سلمي:

وهذه الديمقراطية منهج ضروري يقتضيه التعايش السلمي بين أفراد المجتمع وجماعاته... وتمكن المجتمع من السيطرة على مصادر العنف ومواجهة أسباب الفتن والحروب الأهلية، وتصل إلى تحقيق ذلك من خلال تقييد الممارسة الديمقراطية بدستور يراعي الشروط التي تتراضى عليها القوى الفاعلة في المجتمع وتؤسس عليها الجماعة السياسية إجماعاً كافياً.

وتمكنت هذه الديمقراطية من خلال تحرير نفسها من صفة الجمود ونفي شبهة العقيدة، أن تصبح منهاجاً عملياً وواقعياً يأخذ عقائد وقيم المجتمعات المختلفة في الاعتبار.

حيادية هذه الديمقراطية:

في هذه الديمقراطية فرق بين منهج اتخاذ القرارات ومضمون هذه القرارات، فاتخاذ القرارات هو وسيلة ولا علاقة له بمضمون هذه القرارات، لأن هذا المضمون للقرارات يتوقف على اختيار متخذي القرار الديمقراطي في ضوء الثابت من عقائدهم، والذي تنص عليه الدساتير في ظل الشرائح التي يلتزم بها المجتمع المعني والقيم الدينية والإنسانية التي يجلها أفراده ويسعون إلى تجسيدها في نظامه الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي.

وعليه فالدستور الديمقراطي يجب أن يراعي الواقع ويأخذ في الاعتبار الضروريات التي يتطلبها تراضي الجماعة السياسية على دستور ديمقراطي فلكل مجتمع ظروفه الخاصة وأصوله الثقافية.

ومما سبق نخلص إلى أن الديمقراطية المعاصرة هي مجموعة آليات لتنظيم الحياة السياسية للمجتمع، وهي ليست عقيدة بل ممارسة دستورية حيادية لا تتدخل في مضمون قراراتها، وهي منهاج عملي واقعي يأخذ عقائد وقيم المجتمعات المختلفة في الاعتبار وخاصة الثابت منها والتي تنص عليه الدساتير في ظل الشرائع التي يلتزم بها المجتمع المعني.

2- الشورى

أهمية الشورى وتطبيقاتها:

إن للشورى أهمية كبرى في أي تنظيم كان، أو أي جماعة من الجماعات، وترتكز عليها دولة واقية تنشد لرعاياها الأمن والاستقرار والفلاح والنجاح، ذلك لأنها الطريق السليمة التي يتوصل بها إلى استخراج الآراء والحلول لتحقيق مصالح الأفراد والجماعات والدول.

ومما يدل على أهمية الشورى في الإسلام ما حفلت به السنة النبوية المطهرة من تطبيقات فعلية لأمور هامة جداً في حياة المسلمين، وما ورد على ألسنة العلماء والحكماء المسلمين.

ومما ورد على ألسنة بعض الصحابة والعلماء والفقهاء والحكماء من المسلمين في شأن الشورى وأهميتها (انظر: النظام السياسي في الإسلام – الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس – ط3 – ص81 – 83).

1- قال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- "لا خير في أمر أبرم من غير شورى".

2- ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- قوله: "في الشورى سبع خصال: استنباط الصواب، واكتساب الرأي، والتخلص من السقطة، وحرز من الملامة، ونجاة من الندامة، وألفة القلوب، وإتباع الأثر" (العقد الفريد للملك السعيد سالم محمد بن طلحة القرشي النصيبي الوزير – المتوفى سنة 652هـ - ص42).

3- قيل للأحنف بن قيس: بأي شيء يكثر صوابك، ويقل خطؤك فيما تأتيه من الأمور وتباشره من الوقائع؟ قال: بالمشاورة لذي التجارب ومخض زبدة الآراء (العقد الفريد – المصدر السابق).

4- قال الحسن البصري: ما تشاور قوم قط إلا هدوا وأرشد أمرهم.

5- هي منهج للمشاركة الجماعية في الرأي والقرار، وإطار للعلاقات الاجتماعية التضامنية (الدكتور توفيق الشاوي – فقه الشورى والاستشارة – ط2 – 1413هـ - 1992م – ص40).

6- هي مظهر من مظاهر المساواة وحرية الرأي والنقد والاعتراف بشخصية الفرد. (الدكتور عباس حلمي إسماعيل – مجلة الأزهر – مارس 1974م مجلد 46 – العدد2 – ص209 – نقلاً عن الشورى وأثرها في الديمقراطية للدكتور عبد الحميد الأنصاري).

7- وهي التعبير الإسلامي عن الحرية لأنها حرية الفكر والرأي، وحصن لحقوق الأفراد والجماعات والشعوب التي يجب أن يقوم عليها نظام سياسي إسلامي (الدكتور توفيق الشاوي – فقه الشورى والاستشارة – ط2 – 1413هـ - 1992م – ص46).

8- مبدأ الشورى كما قيل – بحق- أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن يكون نظاماً سياسياً للدولة، إذ هو طابع أساسي للجماعة كلها. (سيد قطب – في ظلال القرآن – مجلد 7 – ط6 – جـ25 – ص292).

9- عن أهمية الشورى كنظام للحكم فإن المشاورة في سبيل معرفة الرأي الصواب عن طريق مناقشة الآراء وظهور الرأي الصواب، وهي بهذا سبب لقلة الخطأ، كما أننا بالمشاورة نستفيد من جهود الآخرين وخبراتهم التي اكتسبوها في سنين طوال وذلك بلا جهد، كما أن بها عصمة لولي الأمر من الإقدام على أمور تضر بالأمة، ولا يشعر هو بضررها، ولا سبيل إلى إصلاح هذا الضرر بعد وقوعه، وكذلك ففي المشاورة تذكير للأمة بأنها صاحبة السلطان، وتذكير لرئيس الدولة بأنه وكيل عنها في مباشرة السلطان، وفي هذا وذاك عصمة من الطغيان الذي هو من صفات الإنسان كما في قوله تعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى) (العلق – 6). (الدكتور عبد الكريم زيدان – مجلة المجتمع – العدد 46 – ص10 – ذو القعدة 1394هـ - فبراير – الكويت).

10- وبتقرير القرآن مبدأ الشورى قضى الإسلام على عدو الإنسانية الفاضلة ومفسدها وهو الاستبداد بالحكم والرأي واحتكار التشريع والتصريف والإدارة، أي جمعها في يد واحدة، وحقق للفرد كرامته الفردية وللجماعة حقها الطبيعي في تدبير شؤونها. (الشيخ محمود شلتوت – الإسلام عقيدة وشريعة – ص241).

أوجه التشابه بين الشورى والديمقراطية المعاصرة:

إن أهم الآليات والوسائل الإجرائية التي تمثل حقيقة الديمقراطية المعاصرة وجوهرها هي:

1- الانتخابات.

2- الاستفتاء العام.

3- التعددية السياسية.

4- معارضة الأقلية التي تفرزها الانتخابات.

5- ترجيح حكم الأكثرية.

6- تداول السلطة سلمياً.

وفي حال تطبيق هذه الآليات والوسائل الإجرائية عملياً باعتبارها تمثل جوهر ومرتكزات الديمقراطية المعاصرة ينتج عنها:

1- حرية الرأي التي هي نتاج حرية التفكير وحرية المعتقد.

2- المساواة بين الذين يمارسون هذه الآليات كما في حال الانتخاب والاستفتاء العام، وأمام القانون وأمام القضاء.

وبالنظر إلى هذه الآليات والوسائل وما ينتج عن ممارستها من حرية ومساواة، وبالنظر أيضاً في تفعيل عملية الشورى في الإسلام، نرى أن هذه الآليات ذاتها تعمل على تحقيق مقاصد وأهداف العملية الشورية وما ينتج عنها من خلال الممارسة من حرية للتفكير وحرية للرأي وحرية للمعتقدات، وما ينتج عنها أيضاً من مساواة بين الفرقاء أصحاب الآراء المختلفة أثناء عملية التشاور وتبادل الرأي وأثناء التصويت، باعتبار أن هذه الآليات والوسائل شأن إجرائي يجعل منها وسيلة حيادية لا تتدخل في مضمون القرارات التي تصدر من خلالها باعتبار هذه الآليات ليست عقائدية ولا مذهبية، فهي ليست كالديمقراطية التقليدية الغربية التي تعتبر مذهباً سياسياً تعتمد العلمانية التي تقول بفصل الدين عن الدولة، بل يمكن أن يتخذ فيها مجلس الشورى، أو مجلس نواب الأمة بعض القرارات المستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية، بل حتى أغلب القرارات، بل يمكن أن تقر دستوراً كاملاً مبنياً على أحكام الشريعة الإسلامية، وهو ما لا يتعارض مع هذا النوع من الديمقراطية التي تسمى بالديمقراطية المعاصرة، وبفضل تطبيق هذه الآليات والوسائل يتحقق الأمن والاستقرار والبعد عن الاستبداد والدكتاتورية التي يحاربها الإسلام من خلال تحقيق الحريات العامة والعدالة والمساواة في المجتمع.